تثير التطورات السريعة التي تشهدها منطقة جنوب آسيا بين الهند وباكستان العديد من التساؤلات حول أسباب هذه التطورات التي تنذر بوقوع حرب بين البلدين، ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية منها، وإلى أي إتجاه ستسير ويمكن رصد عدد من الملاحظات العامة حول ما يحدث وهي: 1- اتسمت الأحداث في تتابعها بالسرعة الواضحة في اتجاه التصعيد فالهند رأت أن باكستان تتحمل المسئولية عن حادث البرلمان الهندي بحكم دعمها جماعات المقاومة الكشميرية التي اتهمتها الهند بإرتكاب هذا الحادث فور وقوعه، واتخذت الهند العديد من الإجراءات تجاه باكستان على المستوى الدبلوماسي وعلى المستوى العسكري. 2- اتبعت الهند الأسلوب الأمريكي في تكييفها للحادث ورأت إنها في حالة الدفاع عن النفس وأن هذا يعطيها الحق في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لذلك بما في ذلك توجيه ضربات في العمق الباكستاني ضد هذه الجماعات. 3- تراوح الموقف الباكستاني بين محاولة التهدئة والدعوة إلى إجراء مفاوضات مع الهند لبحث الموقف خاصة وأن إسلام أباد قد استنكرت الحادث فور وقوعه واتخذت بعض الاجراءات تجاه بعض الجماعات الكشميرية وبين إتخاذ الإجراءات التي رأت إنها مناسبة لمواجهة أي هجوم هندي متوقع على أرضيها. 4- اتجهت كل من الحكومة الهندية والباكستانية إلى بناء تحالف داخلي بين القوى السياسية المختلفة، وتمثل ذلك في لقاء فاجبايي بسونيا غاندي وفي لقاءات للمسئولين الباكستانيين مع قوى المعارضة الباكستانية. 5- حدث نوع من التلويح بإمكانية إستخدام السلاح النووي ثم تراجعت الدولتان عن هذا التلويح. 6- حاولت كل من الدولتين توظيف الأوضاع القائمة في إطار الحرب الأمريكية ضد ما تسميه الولايات المتحدة بالإرهاب لخدمة موقفها، فالهند رأت أن ما تقوم به يأتي في إطار هذه الحملة، في حين رأت باكستان أن الأوضاع القائمة في المنطقة لا تسمح بمثل هذا التصعيد الذي من شأنه أن يفعل الجهود الأمريكية في هذا المجال، ومن ثم كانت الإستجابة الهادئة من جانب إسلام أباد مبنية على أساس أن الولايات المتحدة لن تسمح بحدوث انفجار في المنطقة في هذه المرحلة خاصة وأن لباكستان دورا هاما في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في هذا الصدد. ثانيا - في تفسير موقف الهند وباكستان تجاه التطورات الأخيرة في نطاق الإطار السابق تحديده يمكن أن تقدم تفسيراً لموقف كل من الهند وباكستان إزاء التطورات الأخيرة. فيما يتعلق بالهند هناك مجموعة من العوامل التي دفعتها نحو التصعيد في الموقف والسعي إلى تأكيد أهمية الهند ومكانتها الدولية والإقليمية خاصة بعدما تغيرت السياسة الأمريكية إزاء الهند نسبيا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فبعد ما كانت أجهزة الإدارة الأمريكية تتحدث عن أهمية الهند في نطاق الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، برزت الأهمية الجيوبوليتكية لباكستان في الحملة الأمريكية الأخيرة، ومن ثم فالتصعيد الهندي هو بمثابة رسالة من نيودلهي إلى واشنطن فحواها أنها يمكنها أن تعطل الجهود الأمريكية وإنها لكي لا تقوم بهذا الدور فإن لها إستحقاقات يتعين أن تحصل عليها خاصة من حليف واشنطن في المنطقة وهو باكستان. كذلك رأت الهند أن الوقت قد صار مناسبا لتوجيه ضربة قوية إلى جماعات المقاومة الكشميرية التي سببت لها استنزافا مستمرا على مدى السنوات الماضية، كما رأت أن إتهام باكستان في الأزمة من شأنها في ظل الظروف القائمة أن يؤدي إلى اضعاف مكانة باكستان بين هذه الجماعات وإبراز التناقض بين المصالح الباكستانية ومصالح قوى المقاومة الكشميرية. الاستعانة بالحليف الصيني بالنسبة لباكستان فقد لجأت إلى أسلوب التهدئة مع الهند حيث دعتها إلى عقد قمة ثنائية للبحث في سبل التوصل إلى حل، كما دعتها إلى تقديم المعلومات اللازمة لإتخاذ الإجراءات القانونية تجاه القوى التي تتهمها الهند، إلا أن الهند لم تستجب لهذه المطالب وظلت متمسكة بمطالبها الخاصة بضرورة قيام باكستان بالقبض على المتهمين وتسليمهم إلى السلطات الهندية، كذلك إتجهت باكستان إلى أسلوب التحرك الدبلوماسي على العديد من المستويات كان أبرزها زيارة الجنرال مشرف بكين مرتين،وإجراء إتصالات مع واشنطن ودول الإتحاد الأوروبي، والواضح من هذا التحرك أن إسلام أباد وان كانت تعول كثيرا على الدور الذي يمكن أن تلعبه واشنطن لمنع الهند من التصعيد إلا أنها قد إتجهت إلى حليفها الإقليمي الهام في المنطقة وهو الصين لوضعه في الصورة وبحث إمكانية الحصول على دعم صيني عند الضرورة. كذلك حاولت القيادة الباكستانية إتخاذ إجراءات تجاه بعض القوى الإسلامية الكشميرية والباكستانية ولكن وفقا لما تسمح به الظروف الداخلية حيث تدرك القيادة الباكستانية حساسية الموقف الداخلي بعد الأحداث الأخيرة في أفغانستان، وفي ظل توازنات جديدة لم تكن قائمة من قبل ، كما حاولت التأكيد على أنها تعطي المصالح القومية الباكستانية الاعتبار الأول وإنها بحكم مسئولياتها لايمكن أن تضحي بهذه المصالح أيا كانت الأسباب وهو ما يفتح الطريق أمام استيعاب الرأي العام الباكستاني للإجراءات التي يمكن إتخاذها من جانب الحكومة تجاه بعض الجماعات الإسلامية في المرحلة المقبلة. إتجهت القيادة الباكستانية إلى إتخاذ الإجراءات العسكرية التي رأت إنها مناسبة للدفاع عن باكستان مطالبة القادة الميدانيين بالحذر وضبط النفس،مما يعني أن باكستان لا ترغب في وصول الوضع إلى مرحلة الحرب وهو ما أكدته بعد ذلك القيادة الهندية حيث أوضحت إنها لا ترغب في الحرب طالما أمكن تحقيق أهدافها بوسائل أخرى. ولاشك في أن الموقف الباكستاني أشد صعوبة حاليا في ظل توازنات جديدة وحالة من القلق وعدم اليقين على المستوى الإقليمي والدولي إلا أن المحصلة النهائية للتفاعل بين الهند وباكستان حتى الآن تتمثل في حالة من التوتر الشديد المشوب بالحذر والحسابات الدقيقة، فكلاهما يدرك أنه قد يستطيع بدء القتال إلا أنه لا يستطيع كذلك تحديد موعد انهائه. واشنطن وحسابات معقدة ثالثا - موقف القوى الدولية والإقليمية : الموقف الأمريكي من أهم المواقف في هذه الأزمة حيث أن كلا من الطرفين يقيم حساباته تبعا لتقديره لهذا الموقف، فالولايات المتحدة من جانبها دعت الطرفين إلى ضبط النفس، وضغطت على الجانبين لاتخاذ إجراءات معينة، تساعد على التخفيف من حدة التوتر وتساعد على التوصل إلى حل سلمي للأزمة، إلا أن هذا لا يمنع من أن الولايات المتحدة تخضع لحسابات معقدة لتحديد موقفها فمن ناحية نجد الهند تعزف على أوتار اللحن الأمريكي لمقاومة الإرهاب، ومن ناحية أخرى فإن باكستان حليفها الذي قدم لها الكثير في حملتها الأخيرة والتي مازالت مستمرة ولم تنته حتى الآن ومن ثم فعلى واشنطن أن تبني موقفها بدقة، ولعل طلب الرئيس بوش إلى رئيس وزراء بريطانيا توني بلير بالتوجه إلى المنطقة للوساطة بين الدولتين يقدم دليلا على صعوبة الموقف الأمريكي، إلا أن ثمة ثوابت واضحة حتى الآن أهمها أن واشنطن لن تسمح بأي عمل يعرقل حملتها ضد ما تسميه بالإرهاب كما أنها لن تسمح باستخدام السلاح النووي ومن هذا الإطار يمكن أن نتصور العديد من السيناريوهات التي قد تقع خلال الفترة القادمة. أما الموقف الصيني فهو يقوم على أساس ضرورة التوصل إلى حل للأزمة بالأسلوب السلمي، وان كان هذا لايمنع من مساندة باكستان حليفها الهام في المنطقة خاصة إذا ما إتخذت بعض الإجراءات تجاه القوى الإسلامية الراديكالية التي تنظر إليها بكين بحذر نتيجة للأوضاع في تركستان الشرقية أو إقليم سنكيانج ذي الأغلبية المسلمة التي تطالب بالاستقلال عن الصين وإقامة دولة إسلامية، ومن ثم فالموقف الصيني في مساندته لباكستان يفرض على إسلام أباد العديد من الإلتزامات في هذا الإتجاه. أما إيران فقد إتجهت إلى القيام بوساطة بين الطرفين من خلال قيام الرئيس خاتمي بإجراء العديد من الإتصالات مع القيادة الهندية والباكستانية حيث دعاهما إلى التخفيف من حدة التوتر واللجوء إلى التفاوض للتوصل إلى حل للأزمة. أن مواقف القوى الدولية والإقليمية مواقف صعبة التحديد في شكل نهائي بحكم المعطيات الراهنة على المسرح الدولي ومن ثم فلا يمكن من الناحية الموضوعية أن تعتمد الهند وباكستان إعتمادا كاملا على أي من هذه الأطراف، ومن ثم فلا سبيل إلا باللجوء إلى العمل الثنائي المباشر الذي يتيح الفرصة لاكتشاف طرق جديدة للحل ربما تكون أقل تكلفة من طلقات المدافع والصواريخ بكثير. بقلم: أ. د محمد سعد ابو عامود ـ كاتب سياسي ـ مصر