المصافحة العابرة واللقاء القصير في كاتمندو ـ الذي ضم الرئيس الباكستاني برويز مشرف ورئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجبايي، وان لم يناقش مباشرة مسألة التقرير الامني والعسكري بين الطرفين، الا انه اعطى انطباعاً وتأكيدا بأن قطرين مازالا يتحكمان في عوامل التوتر والنزاع. كل ما هناك ان الهند تنتهز هذا الظرف الحرج الطاريء على باكستان، وتعمل على استغلاله إلى آخر مدى، فقد اصبحت باكستان فريسة عاجزة في حقل العلاقات الدولية تستجيب لشن الضغوط ولا تجد الهند فرصة افضل من هذه لتضغط عليها لتخلي من يديها «الكارت» الكشميري ولتترك مصائر الكشميريين لتقرره الهند كما تشاء. ان قضية كشمير التي استعصت على الحل لاكثر من نصف قرن، يراد لها ان تحل الآن على هامش قضية افغانستان، التي أوهنت قوى باكستان، وشوهت سمعتها الدولية وصورتها، ومن وجهة النظر الواقعية، وهي الوجهة التي تحكم مسار العلاقات الدولية، فإن كل ما تفعله الهند الآن أمر مفهوم، جد مفهوم، واما ما ستفعله باكستان، فأمر متوقع جداً، وهو لا يعدو ان تستجيب لمعظم مطالب الهند بشأن الضغط على مجاهدي كشمير، واغلاق معسكراتهم، وربما تسليمهم لأيدي قوات الامن الهندي. ولا تواجه باكستان ضغوط الهند وحدها في هذه الايام بل ضغوط امريكا وبريطانيا ومعظم دول الغرب ودول الاقليم الآسيوي التي اصبحت معبأة ضد فلول طالبان والقاعدة، وغدت مستعدة لكي تلحق بهم جميع الحركات الاسلامية لاسيما تلك التي تنخرط في حروب تحرير، ولا ريب ان تثاقل تلك الضغوط على باكستان سيؤدي بها إلى تقديم آلية تنازل «سيادي» منذ تنازلها الضخم الذي قدمته 1971 ورفعت بمقتضاه ايديها عن باكستان الشرقية وسمحت بتأسيس وطن قومي منفصل باسم بنجلاديش. ربما ناورت باكستان قليلا باعتقالها لزرافات من الاسلاميين الموصوفين بالتشدد، ولكن ليس ذلك هو الحد المطلوب منها من قبل الهند والمجتمع الدولي الذي يتجه تماماً للتنكر لها وتناسي كل التسهيلات التي قدمتها للطيران الامريكي لاسقاط طالبان. ويبدو ان كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا يتجهان الآن لدعم موقف الهند مباشرة ضد باكستان وذلك لتحقيق هدفين اثنين مؤكدين وهدف ثالث احتمالي. اما الهدف الاول فهو انهاء المشكل الكشميري إلى الأبد، وذلك عن طريق ارغام باكستان على التسليم والاعتراف الرسمي بالهوية الهندية لذلك الاقليم، والهدف الثاني توجيه ضربات عسكرية قوية «هندية او امريكية» لمعسكرات مجاهدي كشمير بباكستان، وذلك اسوة بضرب معسكرات طالبان والقاعدة بدعوى ان الجميع ارهابيون! واما الهدف الاحتمالي فهو ما تشير اليه بعض المعلومات التي طفحت من بعض مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية بواشنطن، حول المفاعلات النووية الباكستانية، والخطة الاسرائيلية الامريكية لوضع اليد عليها ومصادرتها، واصطناع الظروف المطلوبة لممارسة تلك القرصنة النوعية. وقد اشار المحلل الاستراتيجي الاسرائيلي سيمور هيرش في دراسة مطولة له بهذا الخصوص إلى ان هناك وحدة خاصة تعمل تحت ادارة وزارة الدفاع وCIA تسمى «النخبة» مهيأة لتدمير المنشآت النووية غير المرغوب او غير المسموح بقيامها وان تلك الوحدة لها القدرات التسليحية والتدميرية واللوجستية الكاملة التي تكفل لها اداء تلك المهمة بسلام، وقد عملت على اداء تلك المهمة عدة مرات في الماضي، غير انه ثبت انها كانت تحارب كل مرة ضد اهداف وهمية، بمعنى انها اما كانت اهدافا منصوبة بهدف التضليل، او لقصور المعلومات الاستخبارية الامريكية وكثرة الاشتباه الامريكي حول منشآت ليست نووية في الاساس. ويقول الكاتب الاسرائيلي ان وحدة (النخبة) تستشير هذه الايام بل تتعاون مع وحدة اسرائيلية موازية تسمى الوحدة 262 مهمتها سرقة المعلومات من اجهزة الاستخبارات العالمية المختلفة وسرقة او تدمير المواد المخصصة للصناعات النووية للدول الاخرى وقد وصل بعض افراد تلك الوحدة إلى واشنطن بعد ايام قلائل من وقوع الهجوم على نيويورك وواشنطن في سبتمبر الماضي، وانغمسوا في التنسيق مع نظرائهم الامريكيين لاداء مهمة شبيهة بشأن المنشآت النووية الباكستانية. ويزعم الكاتب الاسرائيلي في دراسته المطولة ان الادارة الامريكية لم تعد تختلف مع الجهات الاسرائيلية بشأن مستقبل المنشآت النووية الباكستانية ولكنها لا تزال مترددة نوعاً ما في الاقدام بخطوة في سبيل تدمير تلك المنشآت او مصادرتها والسبب هو عدم ثقة الادارة الامريكية في كفاية المعلومات المتوفرة لها عن عدد الرؤوس النووية الباكستانية واماكن اخفائها، ومعلومات مثل هذه لابد ان تكون صحيحة مئة بالمئة حتى تكفل نجاح العملية، فإذا انقض هجوم امريكي على منشآت وهمية منصوبة بهدف التضليل فإن ذلك يعني فشل العملية بشكل حتمي ونهائي، لأن وقوع الهجوم يعطي السلطات الباكستانية انذاراً اكيداً بالخطر والاستهداف فتستميت في اخفاء منشآتها ورؤوسها النووية وتسوء علاقاتها مع واشنطن إلى حد المواجهة والعداء، بدل التعاون والاسترضاء السائد حالياً، كما ان نجاح الهجوم بشكل جزئي، لا يعني نجاحاً بأي حال لأن المطلوب هو اقتلاع مؤسسة البحث النووي الباكستانية واستئصالها تماماً عن الوجود لا مجرد تدمير بعض منتجاتها وحسب. ان هذا التحدي «المعلوماتي» هو التحدي الاساسي امام انجاز تلك العملية الخطيرة كما يقول الكاتب الاسرائيلي ولكنه يعود ويؤكد ان مسئولين كباراً في الادارة الامريكية اكدوا له أن هذا التحدي سيواجه سريعاً بجمع المعلومات الضرورية لانقاذ العملية بنجاح كامل، وحتى في حالة فشلها فإنها ستردف بعملية اسعافية لمعالجة الامر برمته، ولم يتطوع الكاتب الاسرائيلي باعطاء اي معلومات عن طبيعة تلك المهمة الاسعافية الانقاذية. لقد ظهر الرئيس الباكستاني على شبكة CNN في لقاء اجراه معه المذيع اللامع «لاري كنج» وعمد في اجاباته إلى اعطاء كل التطمينات الممكنة للادارة الامريكية بشأن المنشآت الباكستانية قائلاً: ان حكومته تملك نظاماً ممتازاً للسيطرة والتحكم في تلك المنشآت، وانه لا توجد ادنى فرصة للعبث بها، او التهور في استخدامها في النزاع مع الهند. واكد الرئيس انه مبالغة في الحيطة والحذر فإن هناك توزيعاً جغرافياً يفصل ما بين وجود الرؤوس النووية والصواريخ. وان الصواريخ توجد في مكان بعيد جداً عن تلك الرؤوس، ولابد من نقلها بالشاحنات لمسافة طويلة، حتى تركب فيها الرؤوس النووية، وهو الامر الذي لا يتيح استخدامها للهجوم باسلوب اعتباطي متدهور من بعض القيادات العسكرية كما يفترض الغربيون في تخوفاتهم وشكاويهم المعلنة من المشروع النووي الباكستاني. وهذه التطمينات التي اذاعها مشرف على الهواء لم تكن كافية بل أثارت تعليقات مضادة من قبل بعض الاستراتيجيين الامريكيين، اذ ذكروا ان ما اعلنه الرئيس الباكستاني يسير في مساق الدفاع الشكلي الباكستاني القديم، الذي كان يؤكد في الثمانينيات والتسعينيات ان باكستان لا تمتلك مقدرات نووية، وانما تمتلك فقط المواد الكافية لانتاجها وانها لم تضع تلك المواد مع بعضها البعض لتنتج عنها القدرات النووية الجاهزة للاستخدام. ان هذا شبيه بقول مشرف ان باكستان انتجت اسلحتها النووية ولكنها عادت ففصلت ما بينها بمسافات جغرافية حتى لا تستخدم اعتباطاً. ويقول هؤلاء المحللون ان نظام السيطرة والتحكم على الاسلحة النووية لا يعني الفصل جغرافيا بينها، ولا يفترض عدم جاهزيتها فالاسلحة النووية يجب ان تكون جاهزة للاستخدام على الفور، فهذه هي قيمتها الحقيقية كسلاح للردع، ولكن يجب ان تخضع لنظام سيطرة وتحكم يجعل امر استخدامها في مجال سلطات القيادة السياسية العليا وحدها. ان امر استخدام باكستان كطرف اول لاسلحتها النووية ضد الهند امر غير عقلاني على الاطلاق ولا يعقل ان تلجأ باكستان اليه لانها ستواجه برد فعل هندي، وفي ظلال الازمة المتصاعدة حاليا ابدت باكستان كل القدرة الممكنة على ضبط النفس وتفادي التصعيد، بل من قبل نشوب الازمة اعطت باكستان كل التنازلات الاربعة الاساسية التي طالبتها بها الادارة الامريكية بخصوص شن الحرب على افغانستان. ولكن مع ذلك كله لم تجد باكستان نفسها في وضع مريح ابداً، ولا يبدو ان هناك حداً للتنازلات المطلوبة منها سوى تخفيض او تعطيل ان لم يكن استئصال قدراتها النووية. بقلم: د.محمد وقيع الله ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة