تتصاعد حدة التوتر في جنوب آسيا لتنذر بحرب قد تخرج وسائلها عن الاسلحة التقليدية. الطرفان انضما الى النادي النووي منذ سنوات قليلة، ومهما أكدا ان الخيار النووي غير مطروح، ومهما اكد كل منهما ـ كما هو المتوقع والمتبع ـ انه لن يكون الباديء بالضغط على زناد الدمار الشامل، اذا ما خرج النزاع من دائرة المذكرات الدبلوماسية وتبادل البيانات او الاتهامات، وما ان يسلم قياده الى طلقات المدافع او بالاحرى الصواريخ، قد يصبح من الصعب السيطرة على مدى التصاعد او التصعيد، وقد ينتهي الامر بكارثة تظل سحبها قاتمة كثيفة على اجواء شبه القارة الهندية لسنوات ان لم يكن لعقود. قد تكون هذه نظرة اقرب الى التشاؤم، ولكن ما لم تتم السيطرة على تطور الامور بسرعة وحكمة قد يفوت الاوان، وقد يجد هذا الجزء البالغ الحساسية من العالم نفسه في خضم دمار يتضاءل امامه الدمار الذي احدثته الحملة الامريكية التأديبية في افغانستان، تلك الحملة التي فتحت نار السعير على ذلك الشعب التعس، ولم تبق على اخضر او يابس. النزاع الاخير بين الهند وباكستان محوره المنطقة المتنازع عليها بين الجارتين في اقليم كشمير، والنزاع حول هذه المنطقة لم يبدأ بالهجوم الارهابي على البرلمان الهندي في دلهي في الثالث عشر من ديسمبر الماضي، بل هو صراع قديم تجاوز النصف القرن ببضع سنوات، نزاع بدأ مع استقلال الهند القديمة من الحكم البريطاني لتظهر في خريطة آسيا دولتان، الهند وباكستان، ووضع مصير كشمير في الميزان، وتقع في الطرف الغربي لجبال الهملايا، حيث تلتقي باكستان وافغانستان والهند والصين، واختار حاكم جامو وكشمير، المهراجا هاري سنج لاهدور، بعد فترة من التردد، ان ينضم الى الهند، مدعيا انه تعرض لضغوط لم يقبل بها من باكستان، وثلثا سكان المنطقة من المسلمين، والثلث الآخر من الهندوس، مع اعداد قليلة من المسيحيين والسيخ، ولم يصادف قرار المهراجا رضا الاغلبية المسلمة في غرب كشمير والتي اعلنت قيام حكومة كشمير الحرة في مظفر ابدا، ونشب القتال بين الهند وباكستان، وتدخلت الامم المتحدة، واتفق على خط لوقف اطلاق النار، هو الذي يعرف حاليا بخط المراقبة، ودخلت مشكلة كشمير الاسلامية الواقعة تحت سيطرة الهند في وجدان السياسة الباكستانية، واصبح تحرير كشمير وضمها الى باكستان من المباديء التي لا يستطيع اي نظام حاكم في باكستان، مدنيا كان ام عسكريا، ان يتخلى عنها، وتجدد القتال عام 1965 دون ان يتغير الوضع على ارض الواقع، ومنذ 1989 يجري النضال الاسلامي المسلح ضد السيطرة الهندية، وسقط في اعمال العنف تلك ـ وفقا لبعض التقديرات ـ ما يقرب من 60000 قتيل. والهجوم الذي استهدف البرلمان الهندي في 13 من ديسمبر تنسبه الهند الى حركتين اسلاميتين في باكستان، هما جيش محمد وعسكر طيبة، وان كانت الجماعتان تنفيان صلتهما بالهجوم، الذي كان يهدف وفقا لما تعلنه الهند الى تدمير البرلمان بمن فيه من اعضاء، وربما قتل رئيس الوزراء الهندي، وقد احبطت الهند ذلك الهجوم، ولم يحدث ماخطط له مرتكبوه من انفجارات، واقتصر الضحايا على عدد بسيط من حراس الامن وغيرهم، وتدعي الهند كذلك ان مرتكبي هذا العمل الارهابي يحظون بعدم وتأييد المخابرات الباكستانية، وقد جاء توقيت هذا العمل في وقت ترفع فيه الولايات المتحدة، وهي قريبة بأساطيلها وغواصاتها وترسانتها العسكرية الرهيبة من مسرح الاحداث، لواء الحرب ضد الارهاب، ووجدت الهند رد فعل «جاهز» على هذه المحاولة، هو ما يمكن ان نسميه «مبدأ بوش»، المبدأ الذي اعلنه الرئيس الامريكي بعد احداث 11 سبتمبر، وحصل به على التأييد من الغرب ومن دول اسلامية، من بيها باكستان، نفسها، بل كان تأييد باكستان ضرورة جوهرية لوضع هذا المبدأ موضع التنفيذ، ويعني «مبدأ بوش» ان الدولة التي تتعرض لعمل ارهابي، بغض النظر عن بواعثه واسبابه، من حقها ان تلاحق وتطارد مرتكبي هذا العمل حتى لو كانوا في اقصى اطراف المعمورة، ومن حقها ان تحمل المسئولية كاملة للدولة التي تحمي هؤلاء الاشخاص او تؤويهم، وما لم تقم تلك الدولة بتسليم المشتبه فيهم للمحاكمة في محاكم الدولة المعتدى عليها فهو الويل والثبور، والحملات التأديبية من النوع الذي يشنه الامريكيون على افغانستان التعيسة. والموقف الذي تتخذه الهند في الوقت الحاضر، من وجهة نظرها ليس اكثر من تطبيق لمبدأ بوش الذي قبله العالم في اعقاب احداث 11 سبتمبر، بل قبلته باكستان نفسها وقامت بدور رئيسي في تنفيذه، وما تريده الهند هو ان تنقض الحكومة الباكستانية على التنظيمات الاسلامية التي تعمل في كشمير، وتصفها الهند بانها ليست حركات كشميرية بل اسلامية من خارج كشمير، وان تقبض على اعضائها وتودعهم السجون، وتسلم من تطلبه الهند منهم للمحاكمة في دلهي على ما ينسب اليهم، وكذلك مصادرة اموال تلك الحركات وخنق نشاطها وازالتها من الوجود وبعض هذه الحركات على القائمة الامريكية للارهاب. الرئيس الباكستاني في وضع دقيق، لقد تجاوب الى حد ما مع المطالب الهندية، زج بالكثيرين من الحركات الاسلامية في السجون، ولكن هل يستطيع ان يمضي مع المطالب الهندية الى النهاية؟ لم يكن تأييد الحملة الامريكية خيارا سهلا امام الرئيس مشرف، ولكن تسليم افراد مما يوصف بالحركات الاسلامية المتطرفة الى الهند مخاطرة اخرى، لقد احدث الرئيس الباكستاني تغييرا جذريا في الاستراتيجية السياسية لباكستان بالتخلي عن حركة طالبان، وتركها لقمة سائغة امام الانتقام الامريكي، وبالانضمام الى ما يسمى بالتحالف الدولي ضد الارهاب، وكان احتضان باكستان لافغانستان في عهد طالبان ـ حتى 11 سبتمبر ـ يهدف الى ابعادها عن الوقوع تحت النفوذ الهندي، وقد نجح الرئيس مشرف في هذا التحول الاستراتيجي دون مخاطر، والآن هل يستطيع ان يفعل اكثر مما فعل ضد الجماعات المتطرفة في باكستان؟ البعض ينظر الى الهجوم على البرلمان الهندي على انه كان عملا موجها ضد الرئيس مشرف بقدر ما كان ضد الهند، بهدف احراج الرئيس الباكستاني وتوريطه في نزاع قد لا يستطيع السيطرة على حدوده مع الهند. الرئيس مشرف يمارس حتى الآن بنجاح كبير دبلوماسية العلاقات العامة، ويبسط يده لمصافحة الرئيس الهندي ويعلن استعداده للتفاوض، بينما تتمسك الهند بموقفها، وترفض اية مفاوضات او اجتماعات قمة بين رئيس الوزراء الهندي والرئيس الباكستاني قبل ان تستجيب باكستان او بعبارة ليست بعيدة عن الدقة ترضخ لمطالب الهند، والرئيس الباكستاني قد يجد في نهاية الامر ان عليه ان يختار اما الصدام مع الهند وإما الصدام مع خصوم الهند في باكستان، خيار صعب لاتخفى صعوبته على السياسة الهندية، وقضية كشمير لها ابعادها الوطنية والعاطفية في الوجدان الباكستاني، والرئيس مشرف نفسه هو الذي قام بالانقلاب الذي وضعه في منصبه الحالي ردا على كارثة كارجيل عام 1999 عندما اضطرت القوات الباكستانية الى الانسحاب من المواقع التي استولت عليها في الجزء الذي تسيطر عليه الهند في كشمير، والقي باللوم في تلك الكارثة على حكومة نواز شريف. الهند من جانبها لاتبدي اية ليونة او تنازلات، بل تصر على أن تأتي التنازلات كاملة من اسلام اباد، بل تعلن الهند كذلك انه لا مجال لوساطة دولية، وعندما اعلن رئيس الوزراء البريطاني انه سيعمل في زيارته للهند وباكستان على تهدئة الاوضاع رد المسئولون في الهند بأنهم لا حاجة بهم الى من يهدئهم، لانهم يلتزمون بالهدوء منذ اكثر من نصف قرن، ويصف وزير الدولة الهندي للشئون الخارجية ما قيل عن وساطة بريطانية او من اي دولة اخرى بانها مجرد زيارات ثنائية، وان مبدأ الوساطة في النزاع بينها وبين اسلام اباد غير مطروح. وربما لا يستطيع الرئيس الباكستاني مهما اوتي من براعة سياسية ـ برهن عليها في المسألة الافغانية ـ ان يمضي الى ابعد مما مضى ضد الحركات الاسلامية المتشددة ودورها في كشمير، الا اذا حصل من الهند على مقابل، والمقابل هو قبول الهند لمبدأ التفاوض، ولا يكفي ان تعلن الهند ـ كما جاء على لسان وزير الدولة للشئون الخارجية في مقابلة تلفزيونية ـ انها دولة علمانية ديمقراطية، وان الاراضي الواقعة تحت سيطرتها في كشمير جزء من تلك الدولة، وتعني بذلك ان حقيقة الاغلبية المسلمة في تلك المنطقة لا تؤثر في قليل او كثير على وضعها كأرض هندية، الهند دولة علمانية كما يقول يعيش فيها المسلمون مع غيرهم، الوزير نفسه الذي قال ذلك مسلم، لذلك ليست هناك مشكلة في ان يكون شعب كشمير من المسلمين وان تكون في الوقت نفسه جزءا من الهند، قد لا يكون هذا اكثر من تفكير نظري لا يقنع الرأي العام الباكستاني، الهند نفسها، لاتخلو من اضطرابات دينية من وقت لآخر، والامل ان تؤدي الوساطة الدولية ـ سواء اعترفت بها الهند او اعطتها مسميات اخرى ـ الى دفع الهند الى المرونة واحتواء النزاع على مائدة تفاوض بدلا من ميدان القتال. وقد وصفت مباحثات رئيس الوزراء البريطاني في الهند بانها مباحثات ثنائية، والاغلب ان تكون تمهيدا لوساطة امريكية تهدف الى تحاشي صدام ان بدأ لا يمكن التنبؤ بنهايته، واشنطن لا تزال في حاجة الى وقوف باكستان الى جانبها لان حملتها التأديبية لم تحقق جميع اهدافها بعد، في الوقت نفسه تأتي زيارة وزير الخارجية الاسرائيلي الى دلهي في هذا الوقت بالذات لتلقي تساؤلات حول اصابع اسرائيلية ممكنة، يحركها الانزعاج الذي لاتخفيه اسرائيل من الحركات الاسلامية، وانزعاج اكبر ـ لا تخفيه الدولة اليهودية كذلك ـ من قدرة نووية اسلامية. الحشود العسكرية على خط المراقبة في كشمير في حالة مواجهة،واطلاق النار من جانب او آخر يؤدي الى قتلى، وان كانت تلك حوادث فردية لا ترقى الى الحرب، ولكن ربما تكون القدرة النووية لدى الطرفين عنصر ردع اكثر مما هي وسيلة مبارزة، باكستان تعلن رغبتها في السلام، والهند تعلن انها تتمسك بموقفها ولكنها ستسعى اليها بالطرق الدبلوماسية، وان كانت لا تقبل وساطة او تفاوضاً، والارجح ان تنقشع سحب المواجهة النووية عن ذلك الجزء من العالم، ولكن حتى ان امكن تجاوز الازمة، ستظل كشمير قنبلة موقوتة تنذر بصدام قد يتعدى الحدود التقليدية بين دولتين يجمع بينما تاريخ مشترك، وتتداخل فيهما الثقافات والعقائد، بلدان يحتاجان ايما حاجة الى حشد طاقاتهما الاقتصادية لتحقيق حياة افضل لابناء شبه القارة الهندية، وقد تكون الازمة الحالية، والتي تلقي الاضواء على المخاطر الجسيمة لانفجار تلك القنبلة الموقوتة، بداية للسير نحو حل مرض، وقد يكون هذا الحل عن طريق مفاوضات تشارك فيها جميع الاحزاب الكشميرية، وتنتهي الى استفتاء حول تقرير المصير تحت اشراف دولي، وقد يسفر الاستفتاء عن نوع من الاستقلال حول تقرير المصير تحت اشراف دولي، وقد يسفر الاستفتاء عن نوع من الاستقلال الذاتي لكشمير بشقيها الهندي والباكستاني، وقد لا يرضي ذلك ايا من الهند او باكستان، ولكنه سيسهم دون شك في ابعاد شبح الدمار عن جنوب آسيا. بقلم: محمد خليل ـ كاتب مصري مقيم في لندن