رغم كل التنازلات التي قدمها كل الفلسطينيين لا تزال أزمة الصراع تراوح مكانها. الجنرال شارون يصر على لغة الحرب والمضي لجهة تفكيك السلطة وتدمير الفلسطينيين. واقع الأمر ليس لدى شارون رؤية مغايرة باتجاه اخر. ربما يعتقد الجنرال الإسرائيلي ـ وهو على حق ـ ان ليس ثمة سبيل لاشعال حرب جديدة في المنطقة الآن. غير ان شارون يستغرق في خطيئة كبرى اذا اعتقد ان الوضع الراهن يمكن ان يستمر الى غير نهاية. من المفهوم ان الفلسطينيين عاجزون حالياً عن تغيير الموقف لصالحهم ولكن ما يجب ان يستوعبه شارون كذلك ان الاسرائيليين لن يحتملوا هذا الوضع المأزوم طويلاً. التصعيد الدموي يكشف بجلاء ان شارون يستهدف محو الوجود الفلسطيني السياسي والمضي لجهة تغيير المعادلة الديموغرافية كذلك. ومن ثم فانه لايود اغلاق كل الثغرات التي يمكن عودته عبرها إلى مائدة المفاوضات. مواجهة المفاوضات تعني الانقلاب على برنامج شارون. العزف المكرور الذي يصر شارون عليه باتهام عرفات والسلطة بالإرهاب وتصعيد هذه الاتهامات إلى «سفينة السلاح» يستهدف تحريض أمريكا والقوى الاخرى لمساندته في تنفيذ مخططه او على الاقل عدم عرقلة دباباته ومقاتلاته. تحت الهجمة الشرسة على السلطة تنازلت الفصائل الفلسطينية المعارضة لاتفاق اوسلو وأعلنت وقف عملياتها الاستشهادية، اذا لم يؤد ذلك إلى الخروج من هذا المستنقع الدموي فلا احد يمكن ان يتنبأ بما يمكن ان ينجم عن الاحباط الفلسطيني المتراكم تحت انقاض المنازل المدمرة وبين الحواجز العسكرية المعززة بالدبابات والغارات الليلية التي يشنها جنود شارون لتصفية قيادات. على ضفاف هذا المستنقع الدموي ببتن دغل فلسطيني كثيف من الاحباط بفعل البطالة والمعاناة اليومية. يوميات الانتفاضة الثانية برهنت بوضوح قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة الالة العسكرية الإسرائيلية. الإسرائيليون انفسهم يدركون ان الامن الذي يمنيهم به شارون ربما كان أفضل عما هو عليه في عهد الجنرال. صحيح الفلسطينيين قدموا شهداء كثر ابان الانتفاضة الثانية ولكن الإسرائيليين خبروا اثناءها كذلك اجواء رعب ما عهدوها من قبل اذ عايشوا الانفجارات في الأسواق وصالات الرقص والفنادق وسقوط العشرات من القتلى والجرحى بل رأوا وزيراً يسقط مضرجاً في دمائه بأيدي شبان فلسطينيين. وهم يدركون ان موجة أكثر شراسة من العنف يمكن ان تنفجر اذا استأنف الفلسطينيون عملياتهم تحت الاحباط المتراكم. تمييع أمريكا مسألة «سفينة السلاح» يؤشر إلى امكانية تحريك أمريكا مواقفها وفق معادلات تشكل المنطقة فعلاً اساسياً فيها. كل هذا يؤكد ان هذا الوضع المتأزم لا يمكن ان يستمر طويلاً. عمر العمر