أكد وزير الخارجية المصري أحمد ماهر رفض القاهرة لأي هجوم أمريكي على العراق حيث لا أدلة تربط بغداد بهجمات سبتمبر فيما أبدى استغرابه من جانب آخر من إقدام العرب على الاعتراف بدولة إسرائيل فيما تنكر الأخيرة الدولة الفلسطينية، وقال في الشأن السوداني ان وحدة أراضي السودان هي الوصفه التي يمكن أن تجمع مختلف الفرقاء وتمكنهم من الاتفاق في حين أشار الى جهات إيرانية غير مستعدة لتعزيز العلاقات مع مصر. ورد ذلك من خلال حديث مطول لوزير الخارجية المصري بثته قناة «النيل» الدولية الليلة قبل الماضية وقال انه يرى تناقضا غريبا بين اعتراف العرب والفلسطينيين بحق اسرائيل فى الوجود وما يبدو أنه عدم اعتراف من جانب إسرائيل «فى المقابل» بحق الشعب الفلسطينى فى اقامة دولته وسائر حقوقه الاخرى المشروعة أو عدم ادراك اسرائيل لحقيقة أنه لا مناص عن حصول الشعب الفلسطينى على حقوقه. ولفت ماهر الأنظار الى أن الأوضاع فى الأراضى الفلسطينية تمر بفترة بالغة الخطورة مشيرا الى ما تبذله مصر حاليا من جهود حثيثة ومتواصلة لتسهيل عودة الجانبين للمفاوضات وحل الأزمة الراهنة، وأشار ايضا الى الجهود التى تبذلها الولايات المتحدة فى هذا الصدد. وتابع وزير الخارجية يقول «اننا فى الشرق الأوسط على وجه الخصوص نفتقد السلام و الأمن» وكثير من دول المنطقة تفتقر الى الرخاء أيضا، وذلك بسبب استمرار المشكلة الفلسطينية بلا حل من ناحية واستمرار وجود مشكلات بين اسرائيل والدول العربية من ناحية أخرى. وأضاف «نحن نواجه الآن موقفا بالغ الصعوبة فى فلسطين وذلك لأن الحكومة الاسرائيلية فيما يبدو لم توطن نفسها بعد على تقبل فكرة أنه يتعين عليها الالتزام بالشرعية الدولية والاقرار بحقوق الشعب الفلسطيني. وبالرغم من اى نفى يصدر عنهم فى هذا الصدد الا أنه يبدو أن الحكومة الاسرائيلية الحالية لا تقبل هذه الحقيقة وهذا يفسر اقدامها على انتهاج سياسات تتسم بالخطورة وهى سياسة العدوان على الشعب الفلسطينى وسياسة قتل الناشطين الفلسطينيين وسياسة هدم المنازل وسياسة رفض الالتزام بالاتفاقيات التى سبق توقيعها من جانب حكومات سابقة». وأضاف ماهر يبدو لى أن الاسرائيليين ينخرطون فى اتباع سياسة متواصلة من الاستفزازات المقصودة التى ترمى الى تحريض عناصر من الفلسطينيين على الرد على العنف بالعنف وبذلك تجد اسرائيل الحجة والذريعة الظاهرية لتعطيل عملية التفاوض أكثر وأكثر لأنهم يعرفون أنه سيكون من المحتم عليهم خلالها أن يعترفوا بحقوق الفلسطينيين فى دولة مستقلة. وردا على سوال حول تفاوت المواقف بين الحكومات الاسرائيلية وتغير الأوضاع نسبيا على الأرض تبعا لذلك فهل يمكن القول ان حكومة أرييل شارون الحالية هى التى أوصلتنا الى هذا الطريق المسدود حاليا اجاب وزير الخارجية «دعنا نكن أمناء وصرحاء فانا من المقتنعين بحتمية التوصل الى حل وأعتقد أن ملامح الحل واضحة جدا أمامنا وهى دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس العربية وأن تتعايش هذه الدولة جنبا الى جنب مع اسرائيل فى وضع يكفل الأمن لكلا الطرفين وحالة من التعاون بينهما بهدف المساعدة على حدوث الاستقرار والرخاء فى المنطقة». وتابع الوزير المصري ان مثل تلك الصورة سوف تتحقق على أرض الواقع بغض النظر عمن فى سدة الحكم فى اسرائيل ولكنها ستتحقق بالطبع بصورة اسرع فى حالة وجود حكومة اسرائيلية تتفهم الحقائق وتدرك عمق الضرورة الخاصة بالتوصل الى اتفاق والاحتمال الاخر هو أن توجد حكومة تسعى لتعطيل ذلك وتأخيره بقدر الامكان، ونحن فى جميع الأحوال لا يمكننا أن نختار حكومة اسرائيل لأن الشعب الاسرائيلى هو الذى يختار حكومته وقد اختاروا شارون بعد أن طرح برنامجا يتعهد فيه بتحقيق الأمن والسلام والحقيقة هى أنه لم يفلح فى تحقيق لا الأمن ولا السلام بل على العكس فقد تدهور الموقف الامنى أكثر، ولذلك فان ما سيحدث هو اما أن تغير الحكومة الحالية سياستها واما أن يضطر السلام للانتظار الى أن تأتى حكومة أخرى تكون اكثر استجابة لضرورات السلام وهو ما يعنى بدوره ان نرى مزيدا من الضحايا يسقطون على الجانبين ومزيدا من الدمار وتراكم مشاعر اليأس والاحباط وما ينجم عنها. وقال ان ثمة مؤشرات على أن غالبية الشعب الاسرائيلى يؤيدون شارون ربما من قبيل الأمل فى أن تؤدي سياسته فى النهاية لتحقيق الامن لهم الا أنه مع مرور الوقت صار من الواضح تماما أن هذه السياسة لم تنجح فى ذلك. واشار الى أن ثمة ظاهرة تسترعى الانتباه هى أن ما يطلق عليه «معسكر السلام» فى اسرائيل «والذى كان قد دخل فى حالة كمون وصمت لفترة طويلة» عاد الآن من جديد ليطل برأسه ويرفع صوته ولذلك رأينا بعض المظاهرات التى وان قل عدد المشاركين فيها الا أنها على الأقل تبين أن الأمور تتحرك هناك. كما أشار وزير الخارجية المصري الى لقائه أمس الأول مع اثنين من ممثلى معسكر السلام هذا وهما يوسى بيلين ويوسى ساريد وسمعنا منهما أن لديهما شعورا بأن حركة السلام تعود الان للظهور بعد فترة موات وتسعى ليكون صوتها مسموعا. وحول زيارته الأخيرة لاسرائيل وكيف يمكنه تحديد انطباعه عن رئيس الوزراء الاسرائيلى أرييل شارون وطريقته فى التعامل مع قضايا الموقف الحالى قال وزير الخارجية يجب علي ان أعترف ان شارون قد أنصت لما أقول بصبر وأناة فقد ذكرت له ما يمكننى وصفه بأنه حقائق قاسية واساسية وكانت رسالتى الرئيسية له هى كما يلي «انك تريد تحقيق الامن لشعبك ولم تنجح فى ذلك لأن سياستك أدت الى مزيد من العنف داخل اسرائيل نفسها ناهيك عن العدد الضخم من الضحايا على الجانب الفلسطينى ممن سقطوا على يد الجيش الاسرائيلى ونحن لدينا طريقة أفضل نذكرها لك لكى تحقق الأمن لشعبك وللفلسطينيين أيضا هى أن تدخل فى عملية تفاوض سياسى جاد لوضع الاتفاقيات القائمة موضع التنفيذ وللاعتراف بحقوق الفلسطينيين وللعمل معهم على انشاء دولة فلسطينية تعيش جنبا الى جنب مع اسرائيل فعليك أن توقف الممارسات الحالية وأن تأخذ مسارا آخر يكفل الأمن. وقال ماهر ان شارون قد استمع لى لكننى لا اعتقد أن رسالتى قد ذهبت الى أبعد من أذنيه فلا يبدو لى أنه قد اقتنع بل على العكس بدا أنه لا تزال لديه أوهام بأن القوة سوف تجبر الفلسطينيين على تحقيق مطالبه وقبول اى شيء يعرضه عليهم. وحول مدى نجاح الانتفاضة الفلسطينية ومدى قوة الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات فى المرحلة الحالية قال ماهر ان ياسر عرفات هو الرئيس المنتخب للشعب الفلسطينى ومعترف به من جانب جميع المنظمات الفلسطينية بما فيها حتى تلك التى تختلف معه حول بعض مواقفه. ووصف الانتفاضة بأنها ظاهرة طبيعية فى حالة وجود احتلال واضاف «أنه لو لم يكن هناك مبدأ مقاومة الاحتلال لما رأينا اليوم الولايات المتحدة اصلا لأنها هى ذاتها ولدت من خلال مقاومتها للاحتلال البريطانى ونفس الشيء ينطبق على فرنسا وعلى جميع بلدان اوروبا التى قاومت الاحتلال النازى خلال الحرب العالمية الثانية وكذلك دول افريقيا والدول العربية وغيرها، وصار من الواضح أن مقاومة الشعب الفلسطينى استقطبت تعاطف الكثير من شعوب العالم. وأضاف وزير الخارجية «نعتقد أن الانتفاضة حققت هدفها بجذب مساندة كثير من شعوب العالم ومع الاعتراف بأن ثمة أخطاء ارتكبت الا انه كانت هناك أخطاء بل جرائم قد ارتكبت من الجانب الاخر أيضا. وأعرب ماهر عن اعتقاده بأن لكل شيء وقتا وأن الوقت قد حان لاستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين «فاذا فشلت المفاوضات فسوف يجد الشعب الفلسطينى طريقا لمقاومة الوضع الناجم عن ذلك والذى سيكون وضعا غير محتمل». وردا على سؤال هاتفى من الدكتور وليد قزيحة الاستاذ بالجامعة الأمريكية حول ما يمكن أن يحدث فى حالة ذهاب أمريكا لضرب دولة عربية فى اطار ما تعلنه من حربها ضد الارهاب العالمى أكد أحمد ماهر مجددا أن ذلك سيكون أمرا سيئا وغير مقبول وسيحدث أثرا عكسيا تماما لأنه سيتسبب فى سلسلة من ردود الفعل وعمليات الرفض. واضاف أن الولايات المتحدة بالتأكيد لا تريد مزيدا من المشاكل ولا سيما ان ذلك بحد ذاته كفيل بعرقلة جهود التسوية فى الشرق الأوسط. وأكد الوزير المصري مساندته للاقتراح الذى طرحه المهندس اسماعيل عثمان عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية هاتفيا اثناء البرنامج من ضرورة قيام القوى الشعبية وقوى المجتمع المدنى بدورها لمخاطبة الرأى العام الأمريكى ومحاولة اقناعه بالموقف العربى وتوضيح الصورة أمامه للرد على ما يبذله اللوبى اليهودى القوى جدا فى الولايات المتحدة من مساع لتشويه الصورة واستقطاب التأييد الأمريكى لوجهة النظر الاسرائيلية فى كثير من الأحيان. وأشار وزير الخارجية الى أن الرأى العام الأمريكى يتسم غالبا بالعدالة اذا وصلته الاراء الصحيحة ودعا كل المصريين الى ارسال خطابات توضح مواقفنا العادلة لكل من يمكنه مساندة القضايا العربية وذلك لخلق موجة من الرأى العام المساند لنا فى مواجهة موقف واشنطن من الشرق الأوسط «والذى يبدو مربكا للاخرين بسبب تناقضاته لأنه يرجع الى ارتباك أو تشوش الرؤية لديها هى نفسها بفعل اللوبى اليهودى وغيره من العوامل». وحول الارهاب والحرب التى شنتها الولايات المتحدة فى افغانستان ضد طالبان وتنظيم القاعدة والتطورات فى هذا الصدد والكلام المتناثر اعلاميا حول احتمال استهداف العراق قال ماهر انه لم يتمكن أحد حتى الآن من اثبات وجود صلة بين ما حدث فى الولايات المتحدة فى 11 سبتمبر والعراق.واضاف أنه عندما ظهرت هجمات جرثومة الجمرة الخبيثة سرت شائعات ايضا عن تورط العراق ولكن تلك الادعاءات ثبت انها زائفة تماما. وقال ماهر ان ثمة مسألتين يجب عدم الخلط بينهما على الاطلاق أولا الحرب ضد الارهاب الدولى وثانيا مدى استجابة العراق لقرارات الأمم المتحدة «ونحن نرى أن العراق يجب أن يعيش فى سلام مع جيرانه وألا يهدد جيرانه وأن يلتزم بقرارات الامم المتحدة ولكن ذلك كله لا علاقة له بموضوع الارهاب والحرب عليه». وأعرب وزير الخارجية عن أمله فى أن يتفهم التحالف الدولى ضد الارهاب هذا الأمر وألا يرتكب خطأ بالانصات الى اصوات تنبعث بين الحين والحين داخل الولايات المتحدة لخلط الامور ببعضها بهدف تصفية حسابات معينة ضد أطراف معينة. واشار الى اعلان الرئيس المصري حسنى مبارك فى عام 1995 أن الارهاب ظاهرة عالمية ولا بد من مجابهتها من خلال مؤتمر دولى يلزم جميع دول العالم بالتصدى له والتعاون مع بعضها البعض والان أصبح العالم كله يدرك أهمية هذا التصريح وأن الارهاب ظاهرة لا تخص شعبا بعينه أو عرقا او ديانة وأنه ينبغى على العالم كله أن يتحد فى مواجهته. وأضاف انه لابد ايضا من وضع حد للأوضاع والمشكلات الصعبة التى تؤدي لمشاعر اليأس والاحباط التى تدفع البعض احيانا للاقدام على تصرفات لم يكونوا يريدونها. وحول العلاقات العربية ـ العربية قال ماهر انه من المهم مناقشة المشاكل التى يواجهها العرب بمنتهى الأمانة والجدية للوصول الى قاسم مشترك. وأكد أن ثمة جهودا جادة حاليا لحل كل القضايا العربية وتحقيق التضامن العربى وتحقيق السوق العربية المشتركة. وحول السودان أكد ماهر أن مصر تبذل جهودا من خلال المبادرة المصرية الليبية لحل مشكلة الحرب فى الجنوب وأعرب عن اعتقاده بأن جمع الفصائل السودانية المختلفة معا على اساس سودان واحدة من شأنه أن يقدم حلا للمشكلة. وأضاف أن مصر تلقت تأكيدات من جون قرنق وأنصاره بأنه لا يسعى لتقسيم السودان وأشار ماهر الى أن قرنق قبل المبادرة المصرية أصلا على هذا الاساس. وأكد ماهر أن مصر ستكثف جهودها للتعاون مع الدول الافريقية خلال المرحلة المقبلة لأنها جزء منها ويهمها استقرار افريقيا والتغلب على مشاكلها. وحول ما يمكن أن يترتب على نقص المياه من صراعات فى القارة السمراء أكد أن مصر لها علاقات تعاون جيدة جدا مع دول حوض النيل وأوضح أن مشكلة المياه لا تتعلق فقط بالأنهار وحصص المياه الخاصة بها بل تتعلق ايضا بصراعات عرقية فى القارة وبمشاكل فنية كأساليب الرى وظروف المناخ واهدار المياه بسبب عدم ترشيد الاستهلاك. وحول العلاقات مع ايران واحتمالات تحسينها قال ماهر «اننا مستعدون عندما يكون الايرانيون مستعدين ولكنهم ليسوا مستعدين بعد لأن هناك فصائل مختلفة فى ايران بعضها يؤيد تحسين العلاقات مع مصر وبعضها يرى غير ذلك أو يضع شروطا ونحن بالطبع لا نقبل اية شروط».ا.ش.ا