عدا عن أن له مأرباً ثأرياً شخصياً من عرفات تفاقم تحديداً منذ عام 1982،فإن شارون لم يؤمن مطلقاً ولا يقبل قطعياً بأي اتفاق مع الفلسطينيين يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومقتدرة غرب النهر. كان شارون معارضاً مبدئياً دائماً للحقوق الوطنية الفلسطينية ومقاتلاً عنيفاً ضد النضال الفلسطيني على مدى النصف قرن الماضي. لذلك لم يوافق على إتفاق أوسلو عندما عرض للتصويت في الكنيست،ولم يقبل مصافحة عرفات عندما التقاه في محادثات «واي ريفر» في الولايات المتحدة،أو معاودة الالتقاء به مجدداً بعد ذلك. كان شارون على الدوام يؤمن بأن فلسطين هي «أرض إسرائيل »،وأن الدولة الفلسطينية إن أريد لها أن تقام فيجب إقامتها شرقي نهر الأردن. لذلك قام منذ نهايات السبعينيات بتبني وتشجيع الحملات الاستيطانية المتعاقبة في الضفة الغربية وقطاع غزة،ليضمن دمجها الفعلي والنهائي مع إسرائيل المقامة عام 1948. سنحت لشارون الفرصة العظمى التي بقي طوال حياته يتحيّنها عندما أصبح رئيساً للوزارة الإسرائيلية. في منصبه الجديد، وبتأييد رأي عام إسرائيلي غير مسبوق،أصبح له مهمة واحدة وحيدة،وهي القضاء على أية إمكانية بقيام دولة فلسطين غرب النهر،مع توابع ذلك ومن ضمنها تحقيق مأربه الثأري الشخصي من عرفات. ولم يتوان شارون عن تحقيق هدف حياته لحظة واحدة،بل انقض عليه بكل لهفة وشغف. ولو ترك الأمر له لكان أنهى الموضوع بضربة عسكرية سريعة وشاملة وعنيفة. ولكنه كرئيس للوزارة اكتشف وجود اعتبارات كابحة عليه مراعاتها، وخصوصاً على الصعيدين الدولي والإقليمي. لذلك مسك نفسه وتحكم باندفاعه وبدأ بتنفيذ خطة منهجية متدرجة ومتدحرجة لتنفيذ المهمة وتحقيق الهدف. انصب اهتمام شارون على إعادة الوضع مع الفلسطينيين إلى سابق عهد المفاوضات والاتفاقات، والتقليص من توقعاتهم إلى أدنى المستويات،ليستخرج منهم قبولاً نهائياً بالحكم الذاتي في مناطق سيطرة مقلصة ومحصورة،تكون بالكامل محاطة بالسيادة الإسرائيلية. وكان شارون يريد القيام بذلك دون استثارة الرأي العام الدولي عليه، خاصة وأن سوابقه كانت تسبقه وتؤثر عليه سلبياً. لتنفيذ مهمته حدد شارون أربعة صعد مركزية كان عليه استهدافها، وانطلق في عملية معقدة ومتشابكة يعمل بلا كلل على هذه «الجبهات». ومن الجلي أنه حقق حتى الآن نجاحات لا يستهان بها على ثلاثة أصعدة،وبقى عليه لبلوغ الذروة أن يحقق النجاح على الصعيد الرابع. وهذه الصعد هي: تفكيك السلطة الوطنية الفلسطينية: لكي يمنع إقامة الدولة الفلسطينية،أو على الأقل يؤخر إقامتها لسنوات عديدة،كان على شارون أن يضرب أحد أهم مرتكزاتها،وهي السلطة الفلسطينية الناجمة عن اتفاق أوسلو، كونها كانت تتطور تدريجياً لتصبح حكومة هذه الدولة العتيدة. ولذلك استهدف شارون هذه السلطة على ثلاثة مستويات،وشن عليها حملات عسكرية وإعلامية تحريضية منذ ان استلم رئاسة الوزارة حتى الآن. تمثل المستوى الأول بضرب البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، والذي يتلخص بتدمير منشآت،خاصة الأمنية،وشل عمل المؤسسات العامة، وتقليص دورها وفاعليتها إلى أقل درجة ممكنة،وتحجيم مواردها وتفتيت مركزيتها وتشتيت أعمالها. وعلى مدار أشهر قام شارون باستخدام الآلة العسكرية الإسرائيلية لتوجيه ضربات للغالبية العظمى من مراكز ومواقع السلطة الفلسطينية ذات الطبيعة الأمنية لتقليص إمكانية سيطرتها،وقام بتدميرها. كما قام من خلال إحكام الحصار على المدن الفلسطينية واحتلال أجزاء منها من شل عمل المؤسسات الرسمية الفلسطينية،إما من خلال الإغلاق التام أو تقليص قدرتها على الأداء إلى درجة متدنية جداً. لقد أصبحت السلطة الفلسطينية نتيجة الاستهداف والضربات الإسرائيلية المتتالية هيئة مضروبة الهيكلية ومدمرة البنية التحتية،ويحتاج أمر إعادتها لما كانت عليه قبل الحملة الشارونية إلى سنوات عديدة من الجهد والعمل،وإلى موارد ضخمة أيضاً. أما المستوى الثاني فكان تقويض القدرة المعنوية للسلطة الفلسطينية. فمن خلال ضرب بنيتها التحتية والمؤسساتية وابراز عدم قدرتها على الدفاع عن شعبها وتقديم الخدمات الضرورية لهم وهم في أمس الحاجة لها، حاول شارون أن يضرب العلاقة بين السلطة والشعب من خلال إظهار عجز السلطة عن صد العدوان الإسرائيلي،ليس عن الناس فقط بل عنها أيضاً. وهدف شارون من ذلك إيصال رسالة بأن سلطة عاجزة تصبح مع مرور الوقت واستمرار الأذى والعدوان غير ضرورية. وبالفعل بدأت علامات تبرم تظهر داخل الساحة الفلسطينية. وكان تأليب العالم الخارجي بقصد نزع الشرعية الدولية عن السلطة المستوى الثالث الذي يعمل عليه شارون دون كلل. فمنذ اليوم الأول لاستلامه منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية وهو يشن حملة شعواء على السلطة الفلسطينية. وقد نجح خلال أشهر من تصعيد هذه الحملة التي بدأت بشعار أن «إسرائيل لن تفاوض تحت العنف» إلى أن أوصلها إلى أن السلطة الفلسطينية هي «كيان داع للإرهاب»». وتمكن شارون بالفعل من النجاح في تأليب العالم على هذه السلطة حتى أصبحت الضغوط الدولية تنهال عليها من كل حدب وصوب. لقد أصبحت السلطة الفلسطينية مستهدفة ليس إسرائيلياً فحسب، وإنما دولياً أيضاً،وتحقق لشارون هدفه في زعزعة كينونتها وهز كيانها. تفتيت المناطق الفلسطينية: قد يكون أهم ما جاء في إتفاق أوسلو السيء الاعتراف الإسرائيلي بأن الضفة والقطاع تشكل وحدة جغرافية واحدة، الأمر الذي يعطي الدولة الفلسطينية العتيدة أساسها الاقليمي. ولضرب إمكانية إقامة هذه الدولة كان على شارون أن يفسخ هذا الاقليم ويمنعه من التكامل وتشكيل الوحدة الجغرافية الضرورية لتحقيق كيانية الدولة. ومن أجل تحقيق ذلك قام شارون باتخاذ عدة إجراءات. من ناحية،أقام الحواجز العسكرية في جميع مناطق الضفة والقطاع،الأمر الذي أدى إلى عزل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض،فأصبحت الضفة تتشكل من أكثر من ستين معزلاً،بينما قسم القطاع إلى أربعة أقسام معزولة عن بعضها. من ناحية ثانية،أوعز شارون للجيش الإسرائيلي ليقوم ببسط كامل سيطرته على المنطقة المعرفة (ب) في إتفاق أوسلو2 وبالتالي أصبحت إسرائيل تسيطر من جديد على مساحة تقارب 90% من الضفة الغربية. ومن ناحية أخرى، وبالإضافة إلى ماسبق، اتبع شارون أسلوب قضم أطراف مناطق (أ) الخاضعة بموجب الاتفاقات للسيطرة الفلسطينية الكاملة،وأعاد احتلال أجزاء من المدن الفلسطينية الرئيسية،كرام الله ونابلس وجنين وطولكرم. أما رابعاً،،فقد استمر شارون في تصعيد وتوسيع السياسة الاستيطانية ليس فقط من خلال استمرار البناء داخل المستوطنات القائمة في الضفة والقدس والقطاع،وإنما من خلال إقامة مستوطنات جديدة فيها أيضا. لقد حقق شارون بالفعل تفسيخ اقليم دولة فلسطين العتيدة، وسيكون من الضروري لاقامتها إعادة اللحمة الجغرافية داخل الضفة المفسخة والقطاع المقسم، ومن ثم ربط الضفة بالقطاع، ناهيك عن أن القدس التي أصبحت معزولة تماماً عن محيطها الفلسطيني بحاجة إلى إعادة ربط وارتباط. استهداف عرفات: لم ينفك شارون لحظة واحدة منذ أن استلم منصبه عن استهداف الرئيس عرفات شخصياً وتوجيه الاتهامات له ومحاولة نزع الشرعية الدولية عنه. فقد اتهمه بتفجير الانتفاضة،والتحريض المستمر على ضرورة استمرارها،وتوجيه ورعاية المقاومة المسلحة ضد إسرائيل،والكذب على المبعوثين الدوليين،والعمل على إزالة إسرائيل. واستطاع شارون خلال أشهر من الاستهداف المكثف أن يحول عرفات من شخص «لا غنى عنه» لمسيرة التسوية السياسية إلى شخص «لاضرورة له» للتوصل إلى هذه التسوية. ومع أن الامريكان والأوروبيين لم يصلوا إلى هذا الحد الشاروني في علاقاتهم مع عرفات،إلا أنهم اقتربوا منه كثيرا من خلال ضغوطاتهم وتحذيراتهم وانذاراتهم التي انهالت تباعاً وبكثافة على عرفات. وعوضاً عن أن يكون شارون هو المستهدف بالضغط والانذار الدولي،أصبح عرفات يسعى جاهداً للحفاظ على الذات. ومن أجل ذلك بدأ يلبي الاشتراطات الذي فرضها شارون منذ البداية. لقد حشر شارون عرفات في خانة التعاون الأمني مع إسرائيل، مسقطا الكثير من هالته أمام شعبه،وساعياً لابراز قيادات بديلة مطواعة من حاشيته. وبالرغم من استجابة عرفات للضغوط فإن هذا التوجه الشاروني المستهدف له سيتكثف خلال الفترة المقبلة. لقد قام شارون بكل ما قام به حتى الآن على هذه الصعد الثلاثة كي يلغي الاتفاقات القائمة مع الفلسطينيين بشكل فعلي،ويؤسس لعلاقة تسلطية جديدة عليهم ليس في منظورها إقامة دولة فلسطينية مستقلة غرب النهر. ولكي يضمن اتمام النجاح في مسعاه،فإن شارون لن يهدأ حتى يحقق هدفه الرابع، والمتمثل بتفجير شقاق فلسطيني داخلي يؤدي إلى اقتتال واحتراب وفوض داخل الساحة الفلسطينية. ومع أنه فشل حتى الآن بتحقيق أي نجاح ملموس في مسعاه هذا ـ بخلاف نجاحاته على الصعد الثلاثة الأخرى ـ رغم كل التأجيج الذي يقوم به، إلا أن محاولاته في هذا المجال مستمرة ومتصاعدة. إن الوضع الفلسطيني خطير جداً ويمر في مأزق شديد. وقد استطاع شارون من خلال توظيف كل الطاقة الإسرائيلية المتفوقة عسكرياً وإعلامياً وارتباطياً بالغرب أن يحقق اختراقات جوهرية على الجبهة الفلسطينية في صعد ليس في المقدور الفلسطيني التحكم الكامل بها أو السيطرة المطلقة عليها. ولكن في مسألة الشقاق الفلسطيني الداخلي فإن للفلسطينيين القدرة على التحكم والسيطرة. ومن الضرورة القصوى أن يفشل الفلسطينيون المسعى الشاروني في هذا الاتجاه،ففي شقاقهم الداخلي المقتل الذي ينتظره شارون ليستكمل انقضاضه عليهم ويكمل تنفيذ مهمته ويحقق حلم حياته. إن هزيمة شارون تبدأ من إفشال هدفه الخطير جداً والمتمثل بتفجير الوضع الداخلي الفلسطيني على ذاته. وبالمحافظة على صيغة تماسك فلسطيني داخلي، رغم كل الخلافات الموجودة والتي يجب عدم إغفالها بل معالجتها بالسرعة القصوى، سيكون بالامكان مواجهة شارون والتصدي لكل الخراب الذي أحدثه على الصعد الثلاثة الأخرى. وإنها مواجهة تتطلب وتستحق ذلك بقلم: د. علي الجرباوي