تحدث سيد أحمد الحسين أمين عام الحزب الاتحادي الديمقراطي السوداني يوم الثلاثاء 25/12 يوم الكريسماس لصحيفة «البيان»، فقطع قول كل خطيب، واربك حسابات البعيد والقريب، الحكومة والمعارضة، وخاصة الكادر القيادي بحزبه الذي كان مشغولاً بسد فراغات القيادة بعد ان هرم جزء منها، وتكالب آخر وتهالك نحو النظام، وانقسم جزء ثالث ـ ما يسمى بجماعة الامانة العامة ـ واشتركوا في الحكومة، فقد فجر سيد احمد الحسين قنبلة كشفت المواقف وحددت الرؤية واعطت دلالات قوية للآتي: أولاً: القيادي الاتحادي الاكثر مصادمة للنظام والذي لا يمضغ كلماته والذي لن يتنازل حتى لو وضعوا الشمس في يمينه عن موقفه الرافض كلية لنظام الجبهة القومية الاسلامية.. هو سيد احمد الحسين، السليل الحقيقي للمثقفين الاوائل الذين شيدوا اللبنات الاولى للحركة الوطنية منذ اواسط ثلاثينيات القرن المنصرم: اسماعيل الازهري ويحيى الفضلي وحماد توفيق ومحمد احمد المرضى ومحمد جبارة العوضي وعبدالماجد ابو حسبو والشريف حسين الهندي وخضر حمد وحسن عوض الله وعلي عبدالرحمن الامين واحمد السيد حمد، انه الامتداد الفعلي للمدرسة الاتحادية التي تولدت من حركة الاشقاء والأحزاب الوطنية المناوئة للاستعمار البريطاني والداعية للوحدة العربية بدءاً بوحدة الشعبين السوداني والمصري، والتي استظلت في مرحلة متقدمة من تطورها بالطائفية بشروطها ومعطياتها لا بشروط ومعطيات الطائفية، فاندغمت الحركة الاتحادية في طائفة الختمية بقيادة مولانا السيد علي الميرغني الذي قدم كل دعم مادي ومعنوي ممكن، وشكل محبوه وخلفاؤه وتلاميذه الارضية الواسعة لجماهير الاتحاديين دون اي طموحات من جانبه في مناصب او في مراكز بالدولة او بالحزب، ولو ارد السيد علي ان يكون اول رئيس لأول مجلس لرئاسة الدولة عند الاستقلال لكان له ما اراد اذ ان حزبه ـ الوطني الاتحادي ـ اكتسح انتخابات 1954 التي جاءت بأول حكومة وطنية سودانية برئاسة اسماعيل الأزهري، وما كانت لمولانا الميرغني اي وضعية تنظيمية بالحزب، رغم انه يتلقى الاحترام والتجبيل من كل صغير وكبير بالحركة الاتحادية، وربما لم تكثر الانقسامات آنئذ لان الزعيم الروحي لطائفة الختمية نأى بنفسه عن جسم الحزب للدرجة التي اكسبته ثقة الجميع، فكان ملاذاً لهم عندما، يختلفون فيجدون فيه الشخصية الكاريزمية المتجردة والمحايدة والموضوعية التي تلم الشعث وتوحد الفصائل وتحكم بينها بالعدل والقساط. ثانياً: سيد احمد الحسين معروف بميوله المصرية وارتباطه بالاتجاه الداعي للمزيد من التلاحم بين الشعبين الشقيقين، ولكن ذلك لم يجعله يتماهى مع الموقف المصري الرافض لحق تقرير المصير بالنسبة لشعوب جنوب السودان، ولم يجعله يتردد فور عودته من القاهرة بعد اقامة بها دامت خمسة اشهر في ان يوضح القصور في النظرة الرسمية المصرية للأمور السودانية الدقيقة والمعقدة، وفي ان يؤكد بأن حل المشكل السوداني لا يأتي من القاهرة أو غيرها، ولكنه مقيم في الخرطوم، في حناجر السودانيين وسواعدهم وفي مقدرتهم على التصدي للنظام و الاطاحة به تماماً كما فعلوا بنظام الجنرال عبود عام 1964 والمشير نميري عام 1985، اذن فسيد احمد الحسين لم يرهن نفسه لاحد ولم يحكم عواطفه المصرية والعروبية في الموقف من قضية المصرية والعروبية في الموقف من قضية الوحدة والسلام في السودان، ومما ساعد على ذلك فيما يبدو تفضيله الاقامة في الخرطوم لكي يقود النضال منها، وهو موقف مقصود ومدروس فقد قال بأن الاقامة في الخارج تدعوك للاحتكام لمصالح الاخرين ورؤيتهم بلا ادنى شك، والآخرون تحركهم مصالحهم الخاصة لا مصالح السودان الموضوعية، اذن، فان الاتحاديين سينجون من التيه والهلاك لو دخلوا سفينة سيد احمد الحسين في قلب الخرطوم. ثالثاً: من الواضح جداً ان سيد احمد الحسين يدرك الأهمية القصوى للعامل الجنوبي في وحدة السودان ومستقبله وللدور المفصلي الذي تلعبه الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق في ذلك، اذ انه يدعو لتصفية التجمع الوطني الديمقراطي الموجود بالخارج باستثناء مكتب للتنسيق مع الحركة «ووحدة صغيرة للاعلام»، ولا غرابة في ذلك، فسيد احمد هو المهندس الرئيسي لاتفاقية السلام التي ابرمها الاتحادي الديمقراطي مع الحركة في 16 نوفمبر 1988، والتي كانت الباعث الرئيسي لانقلاب الجبهة الاسلامية بعد ذلك بستة اشهر لقطع الطريق امامها اذ انها في نظرهم كانت ستحيل السودان إلى دولة علمانية ديمقراطية موحدة، وفي مثل تلك الظروف ينتفي وجود الأحزاب الفاشية الرافضة للآخر مثل الجبهة القومية الإسلامية، وفي نفس الوقت فإن ود الحسين ليس ضد التجمع كصيغة جامعة للفصائل المعارضة المتكئة على ميثاق اسمرة 1995، ولكنه يرى ان مكانه بالداخل وسط الجماهير السودانية المسحوقة، لكي يلهمها ويعلمها ويقودها نحو الانتفاضة السلمية، على غرار ثورة اكتوبر 1964 وثورة ابريل 1985، وليس بالخارج، في القاهرة وجدة واسمرة ولندن وواشنطن، في كنف الاخرين وتحت رحمتهم وابتغاء مرضاتهم. رابعاً: من الواضح جداً ان سيد الحسين قد تبرم من الأساليب التي يتبعها التجمع، خاصة استكانته للمبادرة المشتركة «التي لا يقبل بها أهم فصيل في التجمع وهو الحركة الشعبية»، وذلك بعد اقامته الاخيرة المطولة بالقاهرة واحتكاكه اللصيق بقيادتي التجمع والاتحادي الديمقراطي، وتأدبه وصمته وبعده عن المحاور والاتجاهات الانقسامية خلال تلك الفترة، مما ازال كل أسباب الجفوة التي كانت تصبغ علاقته بالزعامة الاتحادية قبل ذلك، وقربه منها، فرأى وسمع واستشف ما بين السطور وما تنطوي عليه السرائر، حتى حسبنا انه قد تم تدجينه والجامه وشراؤه لصالح الحل الهلامي الاستسلامي، وحسبناه وهو يعود للخرطوم مجرد اضافة لوفد المقدمة، وحسبناه سيظهر في برنامج بتلفزيون السودان وستفتح له بعض النوافذ الاعلامية التي يقصد بها التخدير والتضليل وغسيل الادمغة، فإذا به الطود الشامخ المعهود الذي يتحدث الآن بقناعات موثقة وخبرة عن كثب، فيحذر شعب السودان ضد الاوهام وانتظار المعجزات القادمة من الخارج، ويعود للمربع الاساسي والجوهري في مقارعة النظام: حركة الجماهير بالداخل وفوران الشارع في الوقت المناسب أي عندما تنضج الأزمة وفق ظروفها الموضوعية والذاتية، عندما يبلغ تراجع وفق ظروفها الموضوعية والذاتية، عندما يبلغ تراجع النظام آخر مدى له تحت ضربات الشعب وتتصاعد قوى المعارضة بقيادة التجمع نحو ارقى مستويات التوحد والتنظيم الدقيق والامساك بمفاصل الحركة النقابية والشبابية والطلابية والنسائية، عندئذ يحين قطاف الجبهة القومية الاسلامية وتتهاوى كأنها اعجاز نخل خاوية وتفر كأنها جمر مستنفرة فرت من قسورة، تماماً كما فعلت طالبان. خامساً: يبدو ان سيد احمد الحسين قد استشف فيما استشف ان كوادر التجمع بالخارج، باستثناء كادحيهم من الجنوبيين والشيوعيين، مشغولون بأجندة اخرى منهكة ومهدرة للوقت، بالاضافة لبرامج التجمع النضالية، فهنالك تجارة رائجة وصلات ومعاملات مع رجال الاعمال السودانيين المقيمين بالخارج والظاعنين على متون الطائرات الخاصة ومن تدفقت بين ايديهم الثروات الخرافية ومن لم تنقطع صلتهم بالسودان في يوم من الايام، ومن لهم استثمارات في مجالات التصنيع والتجارة الخارجية والعقارات بالخرطوم وضواحيها، اما سيد احمد، وهو القانوني الضليع وصاحب العلاقات الراسخة مع الشركات الاوروبية منذ عشرات السنين، فقد تفرغ للقضية النضالية منذ 30 يونيو 1989 ولم يدنس ثوبه بصفقات أو «كمشنات» تقلل من موقفه النضالي او تقربه من جهة لها صلات بالنظام الحاكم في الخرطوم، متمثلاً قول البحتري: صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن جدى كل جبس وعاد لبيته بنمرة 2 العامر بالضيوف صيفاً وشتاء والذي تنحر فيه يومياً عشرة كباش على الاقل، رغم انه محارب في رزقه كمحام ومقيم باستمرار في السجون وبيوت الاشباح، ولو اراد الثراء والدعة والراحات لبقي في الخارج متنقلاً بين القاهرة والرياض ولندن، ولوجد من يدخل معه في اعمال تجارية تدر أرقاماً فلكية، ولا تسألن عن مصادر الموارد المالية، فكل شيء قابل للغسيل والتدوير واكتساب الشرعية، عاد سيد احمد لبيت عامر بالذكر ومسكون بحب الوطن لا تنطفيء نار تقابته، تماماً كجدوده الفقهاء الحاج موساب وكشيوخ الطرق الصوفية عبر تاريخ السودان منذ دخول الإسلام فيه ـ الغبش في بربر والمجاذيب في الدامر وابناء العبيد ود بدر في أم ضواً بان وآل عبدالمحمود في طابت واليعقوباب في العمارة.. الخ.. الخ، وفوق هذا الارث الإسلامي الصوفي يجاهد سيد أحمد الحسين لإعلاء رايات القيم الدينية الحقيقية، التجرد واحترام الآخرين والتسامح والمودة والرحمة لبني الوطن الواحد، بعيداً عن تشنج مجموعات الاسلام التجاري الذين وصلوا للسلطة على اسنة الرماح، ومازالوا يحكمون بالتسلط والقهر العاري والمموه، ولا يريد سيد احمد ان يستغل الظروف النضالية لبناء مجد اسري أو امبراطورية مالية بشركاتها وبنوكها واستثماراتها في اركان الدنيا الأربعة، فهو، وان ساد القوم بعلمه وكرمه ومواقفه الصلبة، ابن من ابناء الشعب، سهل وقرب، وأبوابه مشرعة على مصاريعها، لا يستكبر ولا يختفي خلف الاجراءات البروتوكولية أو جيوش المتمسحين الذين يبرعون في خلق طبقة عازلة بين الزعيم ورهطه واهله، لا يجمع المال ليعده ويحسب ان ماله اخلده، ولكن المال ان جاء فهو لخدمة التنظيم وتسهيل حركة المقاومة وتمويل الماكينة اللوجستية والإعلامية التي تربط القيادة بالقاعدة.. وكذلك لسد حاجة المحتاج واكرام الضيف. وأخيراً: فقد أوضح سيد احمد بجلاء وقوة ان معركة الحفاظ على وحدة السودان ستلتهم الشهيد خلف الشهيد بلا توقف، وانه مستعد ويدعو الشعب ليستعد لذلك، مستلهماً نضال الشعب الفلسطيني الذي يقدم الشهداء يوماً بعد يوم، ومستصحباً تاريخ الشعب السوداني المعروف في منازلة الاستعمار الأجنبي «التركي في القرن التاسع عشر والبريطاني في القرن العشرين» وفي مقاومة الدكتاتوريات العسكرية والتغلب عليها في نهاية الأمر، ودعا سيد احمد لعدم التفريط في وحدة السودان حتى لو ادى ذلك إلى هلاك خمسين في المئة من أفراد الشعب، وبالطبع فإن وحدة القطر تعني التراضي مع الاقليات المسيحية والمهمشة كسكان الجنوب، وقد تم شيء من ذلك التراضي بشكل مبدئي في اتفاقية السلام «نوفمبر 1988» وفي ميثاق اسمرة «يونيو 1995»، وأهم بند في ذلك التراضي هو قيام سودان جديد مؤسس على المساواة بين الاجناس والاثنيات، وعلى شجب الاحزاب الفاشية والمؤسسية للجهاد ضدهم، وعلى الثقة المتبادلة بين الشمال العربي المسلم والجنوب الافريقي المسيحي، ولن تتأتى تلك الثقة الا بمنح الجنوب حق تقرير المصير الذي يمارسه عبر استفتاء حر محضور من جهات عالمية محايدة ومضمونة، بعد فترة انتقالية تمتد لحوالي خمس سنوات تحكم البلاد اثناءها حكومة قومية مقبولة من كل الاطراف وتقوم خلالها جسور التواصل المادي والمعنوي بين اقاليم السودان المختلفة وتكفل حقوق الإنسان كاملة غير منقوصة وتعيد الأحزاب بناء اجسادها على مباديء الحرية والديمقراطية وحق الجميع في مساءلة المتنفذين والزعماء وتدوير الأمر بينهم على أساس الكفاءة والعطاء وليس بالحق الموروث والحسب والنسب والقداسة أو الثراء أو النفوذ المكتسب بالتسلط والبلطجة وقوة السلاح والقبضايات. وهذه المباديء معروفة ومحفوظة منذ ان صاغتها مفردات مؤتمر اسمرة للقضايا المصيرية عام 1995، ولكنها أصبحت دعوة حق يرفعها حتى النظام الراهن الذي يدعى انها مضمنة في دستوره وفي «اتفاقية» السلام من الداخل»، ولكن ذلك مجرد تلاعب بالشعارات كما حدث مع الراية الإسلامية التي جاءوا بها للسلطة وتركوها جانباً وولغوا في ثروات البلاد كأنها غنائم والفرس والروم، فأثروا وأورثوا الشعب الفقر والعوز ودمروا البنية التحتية من سكة حديد ومشروع الجزيرة والخدمات التعليمية والصحية وتشتتوا أهل السودان كلاجئين وعمالة اجنبية مسترخصة ومستصغرة في جميع أركان الكرة الارضية. والتجمع الوطني الديمقراطي بالخارج ظل يرفع هذه الشعارات طوال الخمس سنوات الماضية، ولكنه يمر بمرحلة تشظى وخلافات لعل من أهم اسبابها الضغوط الخارجية القادمة من تلك الجهات التي قال سيد احمد الحسين بأنها تسعى خلف مصالحها الذاتية وحساباتها الخاصة، ولو ظل التجمع يتحرك بوحيها لفقد بوصلته الاصلية وتاه في مهب الرياح ـ وأوضح مثال لذلك ان المبادرة المشتركة اتفقت حولهما الحركة السياسية السودانية «بما في ذلك النظام الاصولي الحاكم»: 1 ـ حق تقرير المصير بالنسبة لشعوب الجنوب 2 ـ فصل الدين عن الدولة «أو السياسية» رغم ذلك فإن الاتحادي الديمقراطي، أحد أهم أعمدة التجمع، يتحمس للمبادرة المشتركة، ولو انه يوافق على جهود الاخرين الرامية لاقناع دولتي المبادرة بتضمين هذين المبدأين في مبادرتهما، ولكن الخطورة الكبرى في ان الحماس العفوي الدافق للمبادرة المشتركة قبل تعديلها عزز شكوك الجنوبيين في ان الشماليين دائماً يتنكرون لوعودهم وعهودهم مع الجنوبيين «كما ورد في كتاب ابيل اكبر الذي صدر قبل اربع سنوات»، وقد ابلغني احد متنفذي الحركة الشعبية ان القيادة برمتها الآن تقف مع انفصال جنوب السودان، باستثناء ثلاثة منهم د. جون قرنق وباقان اموم، وحتى هؤلاء لا يستطيعون ان يقفوا للأبد ضد الرأي العام الغالب في الحركة وفي اوساط المثقفين والزعماء الجنوبيين مثل بوناملوال وسانتينو دينق ودنستان واي وتاجان لوليونق.. وحتى ابيل البر وغيرهم وغيرهم.. فهنالك ثمة فرصة اخيرة امام القوى السياسية الشمالية للتمسك بما اتفقت عليه مع الجنوبيين في اسمرة دون اقل تحوير او اعادة قراءة، لو قبلته دول الجوار أم لم تقبله، والا فان الطريق ممهد للتدخل الدولي ولفصل جنوب السودان، مثلماً حدث بالنسبة ليوغسلافيا ولاقليم تيمور الشرقية باندونيسيا. ويبدو ان هناك سياسيين شماليين قلائل مدركون لخطورة الموقف ودفته، وعلى رأسهم سيد احمد الحسين الذي تأكد من ان البقاء بالخارج يدعو للمزيد من الربكة وتغبيش الوعي ويباعد بين القيادة والقاعدة ويضعف المقاومة والمبادرات التي لا تبنى على المصلحة العليا للسودان بالضرورة ـ لذلك هرع سيد احمد نحو الخرطوم وبها سيقيم ما اقام عسيب، ولو توحد الاتحاديون خلفه ونبذوا ما ابتلوا به من تشرذم وشقاق، ولو وضع يده في يد التجمع بالداخل فإن الأمور تكون قد ردت لنصابها الصحيح، وشيئاً فشيئاً يتقدم أهل السودان معتمدين على امكانياتهم الذاتية ـ نحو الحل الذي يرتضونه لمشاكلهم المزمنة والمستعصية، الفاضل عباس