يمكن أن نلخص استراتيجية الحرب الأمريكية ضد الارهاب المعلنة اليوم في مفهومين أصبح تداولهما يحمل أكثر من دلالة: الأمن الرمادي والحرب غير المتناظرة. يرتبط المفهوم الأول بما يمكن أن نسميه باتساع مجال المساحات الرمادية في العلاقات الدولية وتحول الأدوات المستخدمة في المجالات الأمنية من الألوان المختلفة الى اللون الرمادي. في حين يرتبط المفهوم الثاني بالتحول الذي حصل في مفهوم الحرب ذاته بعد ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في الـ 11 من سبتمبر الماضي. لقد بات من الأكيد أن أولى المساحات التي تأثرت بعد هذا التاريخ واصطبغت باللون الرمادي هي تلك الفاصلة بين الداخل والخارج، المدني والعسكري، العام والخاص، القانوني وغير القانوني السري والعلني، الاجرامي وغير الاجرامي، الارهابي وغير الارهابي..الخ. فلم يعد أي من السياسيين أو العسكريين أو الاقتصاديين أو الاعلاميين أو حتى المواطنين قادرا على معرفة المجال الذي يمكن أن تضعه ضمنه الرؤية الأمريكية، باعتبار أن الجميع أصبح احتمال وقوعه ضمن المنطقة الرمادية أمرا ممكنا. بل ان الولايات المتحدة ذاتها لم يعد بامكانها أن تضبط بدقة الحدود التي تفصل الداخل بالخارج لديها ولا القانوني بغير القانوني ولا الارهابي بغيره، ولا المدني بالعسكري، ولا الدول الحليفة من العدوة، ناهيك عن المسائل الأخرى، فقد أصبح كل شيء مشبوها لديها لا لون له ولا رائحة!! والا كيف أصبح بالامكان بين عشية وضحاها اقامة محاكم خاصة في أكبر دولة ديمقراطية حامية للقانون، ومن المرجح أن الكثير من المواطنين العرب والمسلمين الأبرياء قد ذهبوا ضحية لها دون أن تتحرك الآلة الاعلامية الدولية لانصافهم أو الدعوة على الأقل لمحاكمتهم محاكمة عادلة..! وكيف أصبح بالامكان ابادة المئات من العرب الأفغان في قلعة «جانجي» بعد دخول كابول في ظروف غامضة دون امكانية سماع أي صوت مضاد. كما أصبح بامكان الـ «اف بي أي» الاطلاع على محتوى صناديق البريد الالكتروني لدى أي موزع للانترنت بل أن الكونجرس أفتى بشرعية ذلك، كما أفتى في المحاكم الخاصة، وفي غيرها من القضايا الرمادية. أليس في هذا ما يجعلنا نؤيد وصف مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات الأمريكية (باعتبارهما الأولى بمكافحة الارهاب) بأنهما أصبحتا مؤسستين ما فوق الدولة الأمريكية، بل وكافة دول العالم؟!. ألم تصبح كلتا المؤسستين قادرتين على تجاوز جميع القوانين الوطنية بما في ذلك الأمريكية لتحقيق أهدافها؟. ألم تصبح تعطي لنفسها الحق في متابعة أي شخص مشتبه فيه دون الحاجة الى موافقة الدول الوطنية التي تملك سلطة ذات سيادة ولديها قوانينها الخاصة، وهناك قانون دولي ينظم العلاقات فيما بينها ومختلف دول العالم وهناك منظمات دولية تحتكم اليها وتقبل بضوابط العمل التي تضعها. ألا يعني هذا أن جميع الدول الضعيفة اليوم لم يعد أمامها الا مساندة الاستراتيجية الأمريكية المضادة للارهاب ليس لمواقف مبدئية منها أو ناتجة عن حسابات للمصلحة الوطنية انما ادراكا منها أن القوى الأمريكية ما فوق الدولة بامكانها القيام بذلك دون الحاجة الى مساعدتها: يكفي أن تراها ضمن المنطقة الرمادية؟!. لقد اتسع اذن المجال المشكوك فيه بالنسبة للأمريكيين، ومازال يتسع أكثر، وأصبح اللجوء الى الوسائل الرمادية لمواجهة الخصوم الرماديين أمر عقلانيا ومبررا ان لم نقل قانونيا. لقد كانت المعلومات السرية في السابق والنشاطات الاستخباراتية أمورا في غاية السرية في كافة الحروب التي عرفتها الانسانية سواء القديمة منها أو الحديثة و المعاصرة، وكانت الاغتيالات أو عمليات التعذيب التي تتم من قبل الأجهزة السرية مدانة من قبل كافة القوانين والأعراف الوطنية أوالدولية.. أما اليوم فان الاتجاه أصبح يسير نحو اعتبارها أمرا مشروعا مبررا باسم مكافحة الارهاب. ألم يقل الرئيس بوش الأب في مجال الدفاع عن اللجوء الى تجنيد مرتزقة وعملاء دمويين في وكالة الاستخبارات الأمريكية أليس في هذا تبدل ليس فقط في استراتيجية مكافحة الارهاب انما في الاستراتيجية العسكرية الأمنية العالمية كلها؟. بالتأكيد لقد أصبح بامكاننا القول اليوم ان المنطقة الرمادية في العالم اليوم التي يباح فيها استخدام الوسائل الرمادية انما تشمل كل بلدان وشعوب العالم الثالث وبالأخص تلك الواقعة ضمن الدائرة الحضارية العربية الاسلامية، ومن غير تمييز بين هذا أو ذاك. واذا كانت هذه المنطقة قد اتسعت في الحسابات الأمريكية فانها قد اتسعت على حساب امتدادنا الجغرافي والسياسي والحضاري، وأنه اذا كانت فيه مراجعة لمفهوم الأمن العالمي فانه أيضا على حساب أمن دولنا وشعوبنا، واذا ما تم الرفع من ميزانية الدفاع الأمريكية لهذا الغرض فانه من غير شك أن ذلك سيكون على حسابنا كدول وشعوب وحكومات بدون استثناء. ان الاندماج الذي حدث بين وكالة الاستخبارات الأمريكية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، والبنتاجون تحت اسم (س1 ـ 21) بهدف التنسيق بين المؤسسات الثلاث في مكافحة الارهاب عن طريق اعادة النظر في مفهوم الاستعلام وتقليص الحدود بين تطبيق القانون الأمريكي وجمع المعلومات في الخارج وتنظيم الدفاع الوطني انما هو في واقع الأمر موجه أيضا لزيادة الهيمنة الأمريكية على الدول الضعيفة بعد أن بات من المؤكد أن هذه القوة العظمى الشائخة لم يعد في مقدورها مكافحة القوى الجديدة الصاعدة في النظام العالمي. والدول العظمى في مرحلة النزول عادة ما تكون أكثر شراسة من زمن المجد والقوة، لأنها ستستنجد بكل ما بقي لديها من وسائل للبقاء بما في ذلك الوسائل غير المشروعة، وهو ما يحدث اليوم في مجال تجديد أساليب مكافحة الارهاب واعادة النظر في مفاهيم الهيمنة عن طريق القوة والحرب. وبالفعل فانه بالتوازي مع السير في الحرب المعلنة ضد الارهاب فانه أصبح من الواضح اليوم لدى المتتبعين للشئون الاستراتيجية أن هناك تبدلا آخر في مفهوم الحرب بما في ذلك الحرب ضد الارهاب ذاتها. لقد حدث تبدل كلي في العوامل المتعارف عليها بين الأمم في حل النزاعات (قواعد بريتن وودز) (القانون الدولي، الحوار السياسي، التنمية المستديمة)، وعرفت الحرب لأول مرة منذ معاهدة «واستفاليا» مفهوم اللاتناظر (asymétrique)، أي ألا تكون بين دولة ودولة انما بين دولة وفرد ألم تشن أمريكا حربا ضد أفغانستان لمواجهة «ابن لادن»، أولم تضرب «اسرائيل» السلطة الفلسطينية لمواجهة ضربات حماس أو الجهاد الاسلامي. بل ألم يصبح الصراع بين أمريكا والجماهيرية وأمريكا والعراق صراعا بينها و شخص معمر القذافي أو شخص صدام حسين؟. كلها مؤشرات وان كان نموذج أفغانستان أكثرها دلالة أن الحرب المقبلة ستكون في معظمها غير متناظرة وأننا ننتظر هجمات على أي من دولنا اذا ما اشتبهت احدى وكالات الاستخبارات الأمريكية في وجود «ارهابي» بداخلها، أو افتعلته لتوفير المبرر المشروع لذلك!. ولعل الكل يعلم اليوم أنه باسم محاربة الارهاب أصبحت كافة منظوماتنا المعلوماتية والاتصالية المدنية والعسكرية تحت رقابة وكالات الاستخبارات الأمريكية الرئيسية (NROhNSA)، ولم يعد بالامكان الاحتجاج بمفهوم السيادة لمنع ذلك خوفا من اتهامنا بالارهاب أو باكتشاف أحد كبار الارهابيين بين مواطنينا، بقدرة قادر!! أي أن الهدف من هذه الحرب المعلنة ضد الارهاب سيتقاطع في آخر المطاف مع نظرية السيادة المحدودة للدول التي يعتبرها بعض منظري الاستراتيجية محرك التحول الجديد في نطاق العولمة، وسواء اتخذت دولنا هذا الموقف أو ذاك من الارهاب، ساندت أم لم تساند فانها ستؤجل مرحلة تصنيفها الدائرة الرمادية ولكنها لن تتمكن من الفرار منها، الا اذا ألغت نفسها وغيرت كافة سلوكياتها ومواقفها السياسية وحتى الحضارية، وهذا ما لا يمكن أن يحدث في بلدان تعتبر نفسها هي الأخرى ذات حضارة وعراقة، وتسعى الى أن تكون لها مكانة ودور في العالم وبين الأمم. ولعل هذا ما يدفعنا الى القول أن القبول بالاستراتيجية الأمريكية خوفا من أمريكا أمر غير مجد، وان الموقف المضاد للارهاب هو في أن يكون مضادا له من غير أن يكون مرتبطا بحضارة دون الأخرى، أو بدولة دون الأخرى، أو بدين أو بعرق أو بجنس دون الآخر. باختصار أن الحرب ضد الارهاب اذا أردناها حقيقية، ينبغي ألا تكون أمريكية انما حربا وكفى. بقلم: د. سليم قلالة ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر email:salimkelala@hotmail.com