من المؤكد ان صورة العالم قبل احداث 11 سبتمبر الماضي هي غير صورته بعد تلك الاحداث التي ضربت الولايات المتحدة، ذلك ان امريكا نفسها قد تغيرت في اعقاب ما جرى لان تحالفاتها وعلاقاتها مع معظم القوى الاقليمية والدولية قد تبدلت وتحولت الى نوع من المراجعة السياسية الشاملة. وعلى الرغم من ان الصورة الشاملة لهذه المتغيرات الدولية لم تكتمل بعد إلا ان الشيء الواضح هو ان احداث 11 سبتمبر الماضي قد دفعت بالولايات المتحدة الى اعادة النظر في الكثير من المفاهيم والمعطيات السياسية التي تعاملت معها او تكهنت بقرارها الاقليمي والدولي اذ ان العالم يشهد الآن ولادة نظام سياسي جديد وهو لابد ان يفرز الجديد من النتائج التي ستنعكس على مجمل العلاقات الدولية بصورة خاصة وبطبيعة الحال فإن بروز سلسلة من التحالفات الجديدة يعني الدخول في مواجهة قد تصل الى مستوى صراع الحضارات والثقافات رغم ان واشنطن تحاول ايجاد عنصر الاثارة في هذا السياق حتى توفر المسوغات التي يمكن لها من خلالها ان تفرض شروطها على الآخرين سياسيا واقتصاديا وعسكريا وهو ما يحدث الآن عبر التعامل بطريقة جديدة مع التراكمات والتحالفات الدولية التي اخذت تتبلور بعد انتهاء الحرب الباردة السابقة بين الشرق والغرب وهي تعمل الآن على اقامة تحالفات جديدة وبديلة سيكون لها تأثيرات كبيرة جدا على مجمل الاوضاع الدولية الراهنة وتعد منطقة الشرق الاوسط جزءا من الخطة الامريكية التي تسير في عدة اتجاهات وتركز على اعطاء الاولوية لموضوع مكافحة الارهاب. المعادلة الجديدة ويبدو واضحا وجليا ان المعادلة السياسية الجديدة التي تسعى الولايات المتحدة لفرضها على كل دول العالم في التركيز والاهتمام فقط بموضوع مكافحة الارهاب واعتبار كل ما عدا ذلك من الامور الثانوية والهامشية حتى لو كانت متصلة بقضايا جوهرية مثل الصراع العربي الصهيوني وازمة الشرق والاوسط ومن هذا المنطلق فإن الادارة الامريكية تعمل بالفعل على جعل موضوع الارهاب البند الاول والاساسي في جدول اعمال اي مؤتمر او لقاء دولي الى حد ان الولايات المتحدة بدأت تعيد النظر في علاقاتها وتحالفاتها الخارجية في ضوء هذا التوجه وعليه فقد اصبحت كل دولة لا تبدي استعدادها للتعاون مع واشنطن في مجال مكافحة الارهاب اما «معادية» او يمكن ان تعرض نفسها لنوع من المساءلة القانونية في اي وقت وبات مطلوبا من كل الدول والشعوب ان تنسى قضاياها الوطنية والقومية وان تتفرغ كليا اما لمكافحة الارهاب مباشرة او مساعدة الولايات المتحدة بالطريقة التي تراها مناسبة وهكذا أصبحت الاملاءات والأوامر والشروط الامريكية تتوزع بالمجان على كل دول العالم ولا مانع ان يطرح «البعض» مبادرات لدعم مثل هذا التوجه الامريكي طالما ان الهدف هو تفعيل حملة مكافحة الارهاب والقضاء على كل مواقعه وجذوره وبات العالم كله يواجه الآن مأزقا حقيقيا لأن اصرار الولايات المتحدة على توسيع حملة مكافحة الارهاب واللجوء الى سياسة التسريبات والتلميحات ضد هذه الدولة أو تلك وافساح المجال أمام قوى ودول معينة لكي تنقل ما يجري من أجل تصفية حسابات قديمة مع دول الجوار وتضييق الخناق على المنظمات والحركات السياسية والعسكرية التي مارست فعل المقاومة ضد الاحتلال ووسمها بالارهاب، إن هذا كله يعني صراحة ان نظاما عالميا جديدا بدأ يسود الآن وهو لابد ان يعزز تحالفاته في كل القارات وحتى التحالفات التقليدية التي كانت الولايات المتحدة تقيمها مع دول «صديقة» لها أخذت تتعرض لنوع من الاهتزاز، الأمر الذي أفقد هذه الدول ثقتها بنفسها وبقدرتها على مواجهة التحديات التي تحيق بها في كل موقع. المشهد الأوروبي ويمكن تسليط الضوء على عدد من المشاهد السياسية التي تأثرت أكثر من غيرها بأحداث 11 سبتمبر وبحركة التداعيات والتحالفات الجديدة. ولعل أبرزها المشهد الاوروبي بكل خطوطه السياسية وألوانه المتداخلة في بعض الأحيان، فدول الاتحاد الأوروبي وجدت نفسها مهمشة أمام هذا «البلدوزر» الامريكي الذي يجرف من أمامه العديد من المواقع والمصالح ولم تستطع أوروبا ان تجاري الولايات المتحدة في حملتها الشاملة لمكافحة الارهاب وبرز تناقض واضح بين الجانبين سواء داخل مجلس الأمن أو خارج الأمم المتحدة ذلك ان دول الاتحاد الاوروبي تبدي معارضة قوية لفكرة توسيع الحرب ونقلها من افغانستان الى مناطق أخرى في العالم مثل العراق والصومال والسودان وغيرها من الدول التي تشتبه الولايات المتحدة بها على انها قد تكون مساندة لما يسمى بالارهاب وقد فشلت الادارة الامريكية في اقناع الدول الاوروبية المشاركة الفعلية في حربها على افغانستان وذلك على الرغم من ان بعض الدول مثل بريطانيا قد سجلت مشاركة رمزية وبالتالي فقد كانت حربا امريكية بامتياز، ومن المؤكد ان هذا التخلف الاوروبي عن المشاركة في حرب افغانستان سيترك تأثيرات واهتزازات كبيرة وقوية على العلاقة بين الجانبين ذلك ان الولايات المتحدة ستنظر الى مثل هذا «التقصير الأوروبي» على انه نوع من التقاعس الاستراتيجي الذي سيدفعها ربما الى اعادة النظر في الكثير من المسلمات التي ظلت تحكم علاقة واشنطن مع الدول الاوروبية، وقد عبر البيان الذي صدر عن قمة دول الاتحاد الاوروبي التي عقدت مؤخرا في بليجا ليشرح ابعاد الازمة في العلاقة الاوروبية ـ الامريكية فقد وجه البيان تحذيرا جماعيا الى الولايات المتحدة من مخاطر توسيع الحرب في افغانستان والمطالبة بالحصول على تفويض من الامم المتحدة ازاء اي هجوم جديد ضد اية دولة اخرى، وتشير التوقعات الى ان هذه الازمة ستتفاقم خلال الفترة المقبلة وقد تؤدي الى حدوث نوع من الطلاق السياسي والامني بين اوروبا والولايات المتحدة اذ ان الكثير من المحللين الغربيين يعتقدون بأن الادارة الامريكية تجاوزت في تصرفاتها كل التوقعات وما جرى الاتفاق عليه في السابق وذلك بسبب تفردها في قيادة العالم ودفعه نحو المجهول. تقارب المصالح ولا حاجة للتأكيد ان تضارب المصالح بين اوروبا وامريكا هو السبب الجوهري الذي يفسر التناقض في مواقف الجانبين فيما يتعلق بموضوع مكافحة الارهاب ذلك ان الاوروبيين على دراية تامة بأن الولايات المتحدة سبق لها ان رعت وشجعت العديد من المنظمات الارهابية في العالم وبالتالي فهي تحصد نتائج تلك السياسة الخاطئة والى جانب ذلك فإن دول الاتحاد الاوروبي وهي لم تتأثر بموجة الارهاب التي ضربت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر الماضي بصورة مباشرة لديها قناعة راسخة بأن هناك الكثير من الغموض الذي يلف تلك الاحداث وغياب الادلة القاطعة التي تؤكد بأن تنظيم القاعدة لأسامة بن لادن هو المسئول بالفعل عما حدث وتزداد القناعة بوجود تنظيمات وربما جهات رسمية امريكية قد تكون سهلت وقدمت المساعدة اللوجستية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر ولا يتوقف الامر عند هذا الحد بل انه يشمل ايضا علاقات الولايات المتحدة مع دول مهمة مثل الصين وروسيا اللتين اظهرتا قدرا كبيرا من التحفظ بالنسبة للحرب الامريكية في افغانستان ومبرراتها ومساراتها. بقلم غزوان عمر ـ صحفي سوري