قبل ان تبدأ الضربة العسكرية التي شنتها قوات التحالف الامريكي ـ الغربي منذ 7 اكتوبر الماضي على افغانستان كانت العديد من الدوائر السياسية في الغرب، وفي البلدان الرئيسية الواقعة في المحيط الاقليمي لافغانستان قد بدأت نقاشاً مستفيضاً حول الوضع في «كابول» في مرحلة ما بعد طالبان. وعلى نحو عال من الثقة بحتمية التغييرات تصرف الجميع بقناعات نهائية تقوم على الاعتقاد بأن مرحلة طالبان مقبلة على سقوط حتمي، وان الزمن سوف يطويها والى الأبد دون الحاجة لادخالها ضمن اية حسابات سياسية جديدة في افغانستان في آخر المطاف. وعلى قاعدة هذا الاعتقاد ترافقت التحضيرات العسكرية الامريكية والغربية من حول افغانستان مع حركة مشاورات سياسية نشطة، اسهمت فيها العديد من اطراف المعارضة الافغانية الى جانب اطراف اقليمية ودولية اخرى، كان ابرزها الاتصالات التي جرت في العاصمة الايطالية روما، حيث يقيم الملك المخلوع ظاهر شاه، منفياً منذ ثلاثين عاماً، وفي هذه الاتصالات التي احاطتها الولايات المتحدة الامريكية بالرعاية، جلس ممثلون عن الملك الى جانب عدد من قيادات المعارضة وتناولوا بحث مستقبل بلدهم، بعد ان تطوى مرحلة طالبان، ومن بعيد عن روما، ولكن على مقربة من كابول، ومن المسرح الافغاني، صدرت اشارات اخرى لقادة في المعارضة، بما فيهم الرئيس المخلوع برهان الدين رباني، ترحب بالحوار ولكن مع قدر من التأني والحذر. ولم تركن المعارضة بفصائلها المختلفة في تحديد حصتها من مقاعد الحكم والنفوذ في المرحلة القادمة، بما يمكن ان تفضي اليه المشاورات والاتفاقات السياسية، بل اندفعت بقوة منذ اللحظات الاولى، الى خوض معركة عسكرية سريعة، تأمل ان تحقق من خلالها نتائج مضمونة في الميدان، مستفيدة من التسليح الواسع الذي تلقته من حلفائها، خاصة روسيا، ومما يمكن ان تسفر عنه الضربات العسكرية الجوية الامريكية والبريطانية لقوات طالبان، التي كانت قبل الاحداث الاخيرة تبسط سيطرتها على ما يقارب من 90% من الاراضي الافغانية. ومما لاشك فيه ان التحالف الشمالي المعارض خطط لدعم اوراقه السياسية التفاوضية في المرحلة القادمة بمكاسب ميدانية على الارض، تعطيه حصة اكبر من التمثيل والنفوذ في مرحلة ما بعد طالبان، ولهذا السبب ظلت القوات العسكرية التابعة للتحالف الشمالي تتحفز في مواقعها السابقة تبحث عن اية فرصة للتقدم، ثم استطاعت ان تتجاوز التحفظات، التي كان يبدو انها كانت تشغلها في المرحلة الاولى، فيما يتعلق بمد يدها لواشنطن، والتنسيق مع القوات العسكرية الامريكية، حيث تكاملت الضربات الجوية الامريكية ضد قوات طالبان وتنظيم القاعدة في الاجزاء الشمالية من البلاد، مع التقدم المضطرد لقوات التحالف الشمالي، التي استطاعت دخول مدينة مزار الشريف في البداية وبعد ذلك بعدة ايام فقط نجحت في دخول العاصمة كابول، بعد ان سحقت القوات الاساسية لطالبان هناك، واضطرار ما تبقى منها للانسحاب نحو معاقلها في الجنوب والشرق. وبالرغم من ان سقوط كابول بيد التحالف الشمالي يخدم الاهداف المشتركة للقوى المعادية لطالبان، إلا ان عدم التوصل الى اتفاق سياسي بشأن مستقبل الحكم في افغانستان قد أثار تحفظات عنيفة لدى اعوان الملك والقوى البشتونية التي كانت تتحرك بالتفاهم والتنسيق مع الولايات المتحدة، ونظراً الى سقوط كابول بيد التحالف الشمالي، على انه خطوة مفاجئة لم يكن قد اتفق عليها، وبأنه تمهيد عسكري لمكسب سياسي اكبر يخطط التحالف للحصول عليه بدون وجه، عند الجلوس الى مائدة اقتسام السلطة فيما بعد.. كما ان تصريحات الملك بشأن حجز مقعد لطالبان او لفريق منها في الائتلاف القادم المدعو لاستلام الحكم لم يغير من مجرى المعركة العسكرية، خاصة ان الامريكان لم تكن لديهم اعتراضات جادة على التقدم المتنامي لقوات التحالف الشمالي، التي كانت تواكب وتخدم اهداف الضربات الجوية، علاوة على ان واشنطن بحضورها العسكري الكثيف تستطيع ان تعيد صياغة الوضع السياسي وفق مشيئتها، بغض النظر عن حجم الدور والنفوذ العسكري لتحالف الشمال. لقد فشلت تجربة الائتلافات السياسية المعنية بادارة الحكم في افغانستان، في مطلع العقد التاسع من القرن الماضي، عقب نجاح قوات المجاهدين الافغان في دخول كابول، وسقوط حكومة نجيب الله، التي كانت تحظى بدعم الاتحاد السوفييتي آنذاك، فما ان وطئت اقدامهم كابول، حتى افترقت السبل بالاطراف المكونة لحركة الجهاد الافغاني، وانتقلت الى طور عنيف من المواجهات المسلحة فيما بينها البين، تغذيها الى ذلك انتماءاتها الاثنية والعرقية والمذهبية المختلفة، التي يتألف منها الشعب الافغاني، وحرص كل طرف منها على الفوز بحصة اكبر من السلطة والنفوذ، ولم تفلح القوة التي مدت غير ما طرف بالتفوق في اخماد الدوافع الاثنية والمذهبية، التي وضعت اطراف الفسيفساء الافغانية في حالة من المواجهة الدائمة، وكان تفوق طرف ما سرعان ما يخلي السبيل لتفوق طرف آخر، وبدا ان موازين القوة في كل الاحوال لا تعدو ان تكون مؤقتة غير قابلة للاستمرار والاستقرار. لقد ظهرت حركة طالبان على المسرح السياسي الافغاني في وقت متأخر، وتحديداً منذ عام 96م إلا ان تمكنها من احراز انتصارات سريعة ومفاجئة لم يكن بمعزل عن عدد من العوامل الداخلية والخارجية، من بينها حالة الاعياء التي استبدت بالشعب الافغاني جراء التناحر المسلح للفرق الجهادية الاسلامية، التي استلمت السلطة في كابول، واستناد طالبان الى اكبر جماعة اثنية افغانية هي قبائل البشتون، التي تشكل اكثر من نصف الشعب الافغاني، البالغ تعداده حوالي خمسة وعشرين مليون نسمة، وكذا استناد طالبان الى الدعم العسكري والمالي الواسعين من الحكومة الباكستانية والتأييد غير المعلن من قبل الولايات المتحدة الامريكية. وكما نجحت طالبان في اضعاف خصومها وعزلهم، والسيطرة على معظم الاراضي الافغانية، إلا انها فشلت في الوقت نفسه في خلق ظروف الاستقرار الداخلي وعجزت عن وضع قاعدة مستقرة تقوم على الاعتراف والتعايش مع كافة الاطراف الافغانية الاخرى علاوة على النهج المغلق والظلامي الذي تبنته الحركة، والتوترات التي شابت علاقاتها بكافة الاطراف الخارجية وخاصة الولايات المتحدة وايران. ان العزلة الظاهرة التي تبدو انها تلف الكيان الديمجرافي الافغاني لا تتوافق مع حقيقة الأمر من الناحية الواقعية اذ ان افغانستان كجغرافيا وكشعب وربما كتاريخ نشأت على شبكة كثيفة من عوامل التواصل والتشابك مع نسيج البلدان المحيطة بها، ولذلك جاء الكيان الافغاني ليشكل لوحة متنافرة في داخله، ولكن اجزاءه المحاذية للبلدان الاخرى تنسجم مع نسيجها العرقي والقبلي والمذهبي، من هنا يكون من الصعب فهم الوضع الافغاني الممزق والمتناحر بمعزل عن العوامل الخارجية، التي تشكل لوحة متنافرة من المصالح والتوجهات والانتماءات، فالعامل الخارجي حاضر بقوة في تكوين المشكلة الافغانية ليس بالمعنى الحرفي لمصطلح العمالة للخارج ولكن بفعل التجاذب الذي تمليه الانتماءات المذهبية والاثنية والقبلية التي تبين ان قيام الدولة الافغانية، كان اقرب الى قيام كيان مفتعل، جرى انتزاع عناصره انتزاعاً من كيانات قومية وسياسية اصلية قائمة. وفي ظل هذا التكوين الفسيفسائي المتنافر للكيان الافغاني، تبدو الصراعات التي عصفت بالشعب الافغاني هي اقرب الى الازمة الاقليمية بين مجموعة الدول المحيطة بافغانستان، حيث تمتلك كل دولة منها ورقتها الافغانية الخاصة بها، وبالتالي يكون من الاستحالة العثور على حل للازمة الافغانية، بدون التوصل الى اتفاق اقليمي، بل ودولي يكون مقبولاً من كافة الاطراف. ومع انتقال الازمة بين طالبان والولايات المتحدة الى حالة المواجهة المسلحة بعد احداث 11 سبتمبر الماضي تكون الورقة الامريكية على طاولة اللعب الافغانية، والتي كانت تمثلها حركة طالبان نفسها، قد سقطت مما حدا بامريكا البحث عن ورقة اخرى، وفعلاً وجدت ورقتها في الملك المخلوع ظاهر شاه المنفي في ايطاليا منذ ثلث قرن. لكن مشكلة امريكا في هذا السياق انها وجدت هذه الورقة مرمية على الارض، فقامت بالتقاطها رغم ما تبدو عليه من اهتراء، مشكوك في مدى تأثيرها السياسي والاجتماعي.. غير ان امريكا تريد ان تحصل من خلال هذه الورقة على حصة وافرة من الفطيرة الافغانية اليابسة، تليق بمكانة الدولة الاعظم في العالم. وفي سياق التحضير السياسي لاقامة تحالف جديد يحكم افغانستان حرصت واشنطن على القيام بعدد من الترميمات واعمال التلميع لورقة الملك، اذ حرصت في بداية الامر ان تقدمه كطرف قوي يحظى بدعمها وتأييدها، وجعلته قبلة اتجهت نحوها الفرق الافغانية المختلفة، بعد ان تخففت من تحفظاتها عليه، وعلى مدى جدوى مساهمته في حل المشكلة الافغانية، ثم قامت باستدعاء اعوانه وتحويلهم الى كتلة سياسية معترف بها، يؤهلها انتماؤها البشتوني الى شغل المواقع الاساسية في الحكم خلفاً لطالبان، وعن طريق هذه الكتل يمكن الرهان على كسب ولاء الغالبية البشتونية للنظام الجديد، بدلاً من العمل الى صف حركة طالبان المندحرة، كما لم يكن عبثا ان ركزت وسائل الدعاية الامريكية والمعركة لاتزال مشتعلة في اوجها، على مشكلة المرأة الافغانية، وابراز المعاناة المأساوية التي تعرضت لها النساء الافغانيات سواء على يد حركة طالبان، او على يد فرق المجاهدين قبل ذلك في عهد حكمهم، وبلغ الامر حد ان طغت مأساة النساء الافغانيات وصور الشقاء المفروض عليهن على مأساة افغانستان كلها، وتقدمت سيدة امريكا الاولى لورا بوش لتحمل راية تحرير المرأة الافغانية وفي اتون ذلك نشط تجمع النساء العامل الى جانب الكتلة الملكية في تسيير المظاهرات وعقد الندوات المؤيدة لحقوق المرأة الافغانية، وبالتالي اضيف رصيد التعاطف العالمي مع النساء الافغانيات الى الرصيد السياسي لكتلة الملك، وجرى تصويرها بملامح جذابة من الانفتاح الاجتماعي والحداثة والنزوع الانساني، ككتلة يقع بين يديها الحل الحقيقي للمشكلة الافغانية. وقبل ان يسدل الستار على الفصل النهائي من المعركة الافغانية، ظهرت بوضوح القوة الضاغطة المسنودة بالآلة العسكرية المتطورة، المتاحة امام واشنطن للتحكم بأوراق اللعبة السياسية الافغانية، وهو الامر الذي امكن معه التوصل الى اتفاق سياسي يقوم بموجبه تحالف جديد للحكم يقف على رأسه احد اعوان الملك، واحد اقاربه السيد حامد قرضاي وانسحب تحالف الشمال ليشغل المقعد الثاني في الائتلاف منتزعاً لنفسه عدداً من الحقائب الوزارية الاساسية «الدفاع، الداخلية، الخارجية». ان الولايات المتحدة التي تقود التحالف الدولي المناويء لطالبان، سعت لضمان جعل مركز القيادة في الائتلاف الحاكم الطرف الذي يدين لها بالولاء، مهيئة له الاستعانة بوجوده العسكري المباشر، وبوجود قوات دولية مسئولة عن أمن العاصمة كابول في المرحلة الاولى من حكم الائتلاف كنوع من التعويض المادي، الذي يعادل ويوازن الانتصارات العسكرية الميدانية التي احرزها تحالف الشمال، ان لم يكن لتحجيم قادتها. غير ان التوقعات تشير الى ان الوجود العسكري الامريكي والدولي في افغانستان لن يستمر لوقت طويل الامر الذي سيجعل المعادلة السياسية الافغانية عرضة للاختلال في حال انسحاب هذه القوات، وفي هذه النقطة بالذات يكمن مدخل الازمة الافغانية القادمة.. ومعها تبقى احتمالات الانقسام والتشرذم والاقتتال مفتوحة. يبقى السؤال المهم: ما هو الحل اذاً، لكي تكون الحرب الاخيرة، آخر حروب افغانستان؟ من الطبيعي ان الحلول المؤقتة تجلب معها استقراراً مؤقتاً، وبالنسبة لدولة كافغانستان لم تعرف الاستقرار منذ قيامها في القرن السابع عشر، تحتاج الى اقامة توازنات داخلية دقيقة، لا يسمح معها باهمال اي شأن من الشئون او المصالح والحقوق لهذه المجموعة او تلك مهما كانت صغيرة، وهذا لن يتأتى ما لم تتوصل الاطراف الاقليمية والدولية المعنية بالمشكلة الافغانية، الى صيغة حل فعالة، تقوم على مباديء الاعتراف بحقوق الفئات الافغانية المختلفة وتوفير شروط التعايش والتفاعل الايجابي بينها. بقلم: علي محمد الصراري ـ كاتب يمني