يروي المؤرخون الذين نبشوا وثائق الاحتلال الامريكي لليابان عقب انكسارها في الحرب العالمية الثانية ان المخططين السياسيين الامريكيين ارسلوا الى بقايا السلطات السياسية اليابانية تصورا كاملا لمستقبل البنية السياسية اليابانية ووظائفها، وقائمة المحرمات التي اخترمت السيادة القومية اليابانية ويؤكد هؤلاء المؤرخون ان التصور الأمريكي رغم صرامته قد صيغ في لهجة مهينة وأرسل الى اليابانيين، ليقوموا بإعادة صياغته وانتاجه، كما يشاءون على شرط ألا يخرجوا عن جوهر المتبنيات الامريكية التي ارتكزت على ضرورة ابعاد العسكرتاريا عن السياسة، وإقامة نظام ديمقراطي تعددي مفتوح، ومنع اعادة تسليح اليابان. وقد تولت النخبة السياسية اليابانية اعادة بناء تلك التصورات مما يكفل حفظ ماء وجه وكرامة الشعب الياباني، واظهار التغييرات الدستورية الجديدة وكأنها من بنات افكار النخبة اليابانية ومر الامر بسلام تحت مراقبة قوات الاحتلال الامريكية، وتناسى اليابانيون جراحهم القومية، ولفظوا كبرياءهم، وادعاءهم بالتفوق وطفقوا يتفانون في تلبية اوامر وتوجيهات الامريكيين في كل جوانب العمل السياسي، مع الانصراف الى تجويد العمل في مجالات الصناعة والاقتصاد والتعليم ومجاراة الامريكيين ومبارزتهم احيانا في تلك الجوانب، لكن مع عدم المخاطرة بمجاراة الامريكيين او مبارزتهم او حتى الاستقلال عنهم في اي جانب سياسي. الحالة الافغانية ترى هل هذا هو ما ستكون عليه اقدار افغانستان بعد احتلالها بواسطة الامريكيين؟! لا شك ان الاعتداء الذي وقع على أمريكا بواسطة العناصر المنسوبة الى تنظيم القاعدة هي افدح بكثير مما الحقه بها عساكر اليابان في 1941 ولذلك فمن الراجح ان تكون الاجابة بالايجاب ومن الراجح ان يأتي القول بأن على الامريكيين ان يرفعوا ايديهم ابدا عن افغانستان بعد ان ذاقوا منها الوبال، وان سيطرتهم عليها ستظل محكمة بواسطة سفارتهم، وبواسطة قوات الاحتلال، وحكومة الانتقال وما تتلوها من حكومات لن تختلف كثيرا عنها في الجوهر. لقد دبر الامريكان عبر مؤتمر بون امر الاتيان بحليفهم القديم حميد قرضاي رئيسا انتقاليا لمدة ستة اشهر، هي فترة تجربة ريثما يقرر الامريكيون بشأنه من ناحية الصلاحية او الفشل في اداء المهام التي كلف بأدائها، وقام بالاشارة إليها في صيغة القسم الرئاسي، الذي أداه امام ألفي شخص من المراقبين السياسيين الاجانب وأفراد النخبة الافغانية، وهي مهام مكافحة الارهاب واعادة الاستقرار الى البلاد، والشروع في بناء اقتصاد وطني حديث. وسيبدأ قرضاي كما ذكر من الصفر. حيث يحتاج قبل كل شيء ان يبدأ ببناء مكاتب للوزارات المقترحة في التشكيل الحكومي الذي يترأسه، ثم يتجه الى بناء بعض مراكز الخدمات الاساسية كالمدارس والمستشفيات والطرق ووسائل الاتصال. كما سيسعى في نفس الوقت الى تأكيد الانسجام بين عناصر تشكيلته الحاكمة وهي عناصر غير متوازنة على الاطلاق اذ اتضحت صبغتها العسكرية وهيمنة قوات التحالف الشمالي عليها رغم الهوية البشتونية لرئيس الحكومة، كما قلت عناصر التكنوقراط الى حد التلاشي وهي وحدها العناصر القادرة على احداث التغيير في الحالة الافغانية المحتقنة بالضغائن والثأرات القبلية، واما القادة العسكريون فمن الصعب ان يتناسوا جراحات الأمس. ومع ذلك فالامل كبير ان يهتم الامريكيون بانفاق بعض المال على افغانستان بغرض نشلها من وحدتها السحيقة التي هوت فيها بحيث اصبحت على حافة المجاعة بعد ان تدمرت الزراعة مع ما تدمر من امكانيات الاقتصاد البدائي الذي كان يتعيش عليه المواطنون طوال العهود التي شهدت انحلال الدولة وتسلط الايديولوجيات الصبيانية التي قادت الى الاقتتال والحروب الاهلية التي برهن فيها من حكموا كابول انهم لم يختلفوا كثيرا عن الماركسيين في الرعونة والتطرف والعمل على اقصاء الاخر وعدم التردد في اللجوء للعنف وسفك الدماء، وفي خلال ذلك سادت القناعة بعدم اهلية احد للحكم المستقر الذي ينفعل بقضايا الاقتصاد ويهتم بها. الفقر والعنف واذا كان الفقر سببا للعنف فمن امارات العقلانية والبراجماتية ان يهتم الامريكيون بمحاربة الفقر في افغانستان والمبادرة بانشاء مشاريع اقتصادية تسهم في رفع مستوى معيشة مواطنيها، مثلما فعلوا في اوروبا بمشروع مارشال، وللامريكيين ان يقارنوا مابين حجم الخسائر الفادحة التي تكبدوها بالاحداث الارهابية الاخيرة، وما بين انفاق متواضع لو كانوا بذلوه لأفغانستان عقب تحريرها من سطوة الروس، وانقاذها من آثار الحرب الضروس، وهو انفاق ربما ادى الى نوع من الاثر المعادل لعلامات الاحتقان والتطرف والبدائية تمثلت في السلوك السياسي الافغاني. ان هذا هو التحدي الحقيقي امام الامريكيين الان وليس لهم من مخرج من ارتباطهم بالحالة الافغانية الا ان يؤدوه وبسواه فلن تجدي كل محاولاتهم لكتابة دستور جديد لافغانستان، وتنصيب حكومة علمانية لمكافحة الارهابيين وادخال المرأة في الحكومة، والسماح بسماع الموسيقى، وحلق اللحى، وغير ذلك من القضايا الصغيرة، كانت كبيرة في مخيلات الطالبانيين وغدت كبيرة اليوم في مخيلات الامريكيين والعلمانيين، فهذه ليست هي القضايا الاساسية للشعوب، وانما قضايا الايديولوجيين الطفوليين، اما القضايا الكبرى للشعوب فهي تبدأ بالاقتصاد وتنتهي بالاقتصاد، وتدور حوله مابين المبدأ والختام. وقد احسن حميد قرضاي بالانتباه الى شئون الاقتصاد التي لم يعرها قبله ممن حكموا افغانستان حديثا اي اهتمام، ولكن يبقى السؤال الكبير: هل يسمح التحالف الهش الذي يرأسه قرضاي له بالتفرغ لخدمة تلك الشئون؟ هو السؤال الاساسي وان جاءت اجابته بالايجاب؟ فسيتفرع عنه سؤالان تاليان: عن امكانيات افغانستان الاقتصادية الذاتية للخروج من حالة الانهيار التي تعانيها، وعن مدى جدية الامريكان للمشاركة في انعاش الاقتصاد الامريكي والاجابة عن السؤال الاول هي سلبية الى حد بعيد، والاجابة عن السؤال الثاني متعذرة او سابقة لأوانها، لان الامريكان لما يتفرغوا من حالة الحرب ومطاردة شظايا القاعدة، حتى يجيبوا عن هذا السؤال. وعلى كل فإذا استمرت حالة الفقر والتدهور المعيشي في افغانستان، فإن ذلك يعني استمرار حالة اللا استقرار، وليس بعيدا ان تتشكل طالبان من جديد، كما ليس بعيدا ان ينفرط عقد التحالف الحالي، لاسيما ان بعض القادة الشماليين الاساسيين ليسوا طرفا فيه حتى الان، ولا يعني وجود وصاية اجنبية حتى ولو كانت عسكرية الطابع، انها قادرة على ضبط نزوات ومطالب امراء الحرب القبليين وتطويعهم لصالح المشروع الامريكي لمستقبل طالبان، وقوى الاحتلال تدرك جيدا ان الافغان هم اخر من يمكن تطويعهم سواء بالقوة او بالاستلاب وقد اثبتوا ذلك مرارا خلال التاريخ. المشروع التركي ان الحماقة التركية المقدمة بشأن علمنة افغانستان وتغريبها على النموذج التركي الاتاتوركي هي اسوأ مشروع يمكن ان يقدم لشأن المستقبل الافغاني، واذا تورط الامريكان في قبوله وتشجيعه والسعي لاقراره على ارض الواقع، فإنهم يرتكبون اسوأ الاخطاء بشأن مجتمع قبلي شديد المحافظة وشديد العزلة، وبالغ البعد جغرافيا وثقافيا عن النموذج الأوروبي او الامريكي، ان افغانستان لا يمكن تطويعها عن طريق استلابها ثقافيا، وفرض نماذج الحياة الغربية عليها قهرا كما فعل الأتاتوركيون بتركيا، بل ان ذلك مما يدعو الى اثارة الافغان ودفعهم للتمرد على قوات الاحتلال، وممثليها من الحكام المحليين، واعادة البلاد من جديد الى حالة الغليان. ان افضل ما يقدم للافغان لتهدئة خواطرهم، وللجم حركات التطرف في اوساطهم ان يشغلوا ببرامج تنمية واسعة النطاق، تستوعب طاقاتهم وتحقق تطلعاتهم، وتخلصهم من حالة البداوة الى عيش حضري افضل، وان ينشر التعليم في اوساط ناشئتهم ذكورا وأناثا، ولكن على اساس تصورات غير بعيدة عن الاسلام، وإلا فإن اي برامج تعليم منافية للاسلام قد تثير ردود فعل عنيفة تطيح بها، وتعرقل بالتالي اي حملة ترنو لوضع الافغان في مسار تحول سليم. ان هذه هي مشاكل افغانستان الكبرى وتلك هي حلولها، والأمل كبير ان يتخلى الامريكيون عن نظرتهم الاستعلائية تجاه الافغان، وهي نظرة لا تضع الافغان في سياق النوع الانساني، ولا تعالج مشاكله كما تعالج مشاكل سائر شعوب الارض، واذا ما تخلى الامريكيون عن نظرة الاستخفاف تلك فسيهتدون الى نقطة البدء في معالجة شئون الافغان. من المؤسف ان يضع الافغان انفسهم تحت وصاية اجنبية ولكن هذه هي ثمرة تصرفاتهم ونتاج صراعاتهم فقد اثبتوا بما لا يدع مجالا للشك انهم في حاجة الى تلك الوصاية لضبطهم وتوجيههم.. والمهم الآن ان تحسن تلك الوصاية التصرف بشئون الافغان. بقلم: د. محمد وقيع الله استاذ العلاقات الدولية - الولايات المتحدة