مكافحة الارهاب تستهدف تكريس وتوسيع نطاق الوجود الاستعماري الامريكي وفرض الهيمنة والسيطرة على العالم. وامريكا تدعو لوقف الانتفاضة بصرف النظر عن استمرار اسرائيل في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني. المأزق الذي تمر به القضية الفلسطينية ناجم عن غياب الوحدة والوضوح في رسم الاستراتيجية للانتفاضة والسلطة الفلسطينية رأت في الانتفاضة وسيلة لتحسين شروط التفاوض. «الملف السياسي» التقى قيس عبد الكريم «ابو ليلى» عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والرجل الثاني فيها وأجرى معه الحوار التالي: ـ ما هو مستقبل الانتفاضة وأين هو مأزق السلطة الفلسطينية ؟ ـ بالرغم من الصعوبات الجمة التي تواجهها الانتفاضة «الاسابيع الاخيرة» لكن نحن واثقون باستمرار الانتفاضة والتصاعد حتى ننجح في تحقيق اهدافها الوطنية «جلاء الاحتلال الاسرائيلي عن الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 » وتسليم اسرائيلي بقيام دولة فلسطين ذات السيادة وعاصمتها القدس، والمأزق الذي تمر به القضية الفلسطينية هو مأزق عام تعاني منه مجموع الحركة الوطنية الفلسطينية، والمازق ناجم عن عناصر متعددة ابرزها غياب الوحدة والموضوع في رسم الاستراتيجية للانتفاضة، فطيلة الفترة الماضية رسمت الاستراتيجية عدة اتجاهات سياسية، والاخطر من بينها مثلته السلطة الفلسطينية وقيادتها، الذين رأوا في الانتفاضة وسيلة لتحسين شروط التفاوض مع اسرائيل في اطار نفس المعادلة المجحفة التي كانت ترسمها اتفاقات اوسلو. إن الموقف الفلسطيني اخذ يتحول تحت الضغطوط الامريكية والاسرائيلية الى موقف يقوم بوقف العنف من جانب واحد اي وقف العمليات الفلسطينية المسلحة بصرف النظر عن استمرار اسرائيل في عدوانها «بالقتل والتدمير ضد ابناء الشعب الفلسطيني » والموقف الفلسطيني كان سببا في واقع تدهور وضع الانتفاضة خلال الاسابيع الماضية، فالاجراءات والمواقف التي اتخذت من قبل السلطة الفلسطينية تحت الضغوط الدولية والامريكية، بالاضافة الى الاملاءات الاسرائيلية، فتحت شهية الادارة الامريكية والاسرائيلية واخذت تزداد الطلبات التعجيزية التي تحولت مؤخرا الى محاولة متعمدة من قبل واشنطن وتل ابيب لاحداث فتنة داخلية في صفوف الشعب الفلسطيني خلال دفع السلطة الفلسطينية الى مجابهة مع الشعب بحجة ممارسة الارهاب وتفكيك البنى التحتية الارهابية، وهذا لا ينفي ان هنالك اخطاء ارتكبت من بعض فصائل العمل الوطني والاسلامي، ولا ينفي ان القوى الوطنية والاسلامية لم تتمكن طيلة 15 شهرا من تطوير العمل الى المستوى الذي يجعله اكثر تأثيرا في الضغط على مركز القرار الفلسطيني السياسي الوطني بما يمكن لجم هذا التدهور في الوضع الداخلي الفلسطيني. والخروج من المأزق نظريا بسيط ولكنه عمليا صعب جدا، فالخروج من المأزق يمر عبر حوار وطني شامل بمشاركة جميع القوى الوطنية والاسلامية الى جانب قيادة السلطة الفلسطينية بالاضافة الى مؤسسات المجتمع المدني، والهدف من الحوار هو بلورة استراتيجية موحدة وواضحة لدفع مسيرة الانتفاضة في المستقبل ولحمايتها من الاخطار التي تتهددها ولتأمين مقومات استمرارها وتواصلها وحل المعضلات المعقدة الذي بات يعاني منها فئات واسعة من ابناء الشعب الفلسطيني بفعل استمرار الحصار الاسرائيلي الوحشي وسياسة التجويع والاغلاق التي تمارسها حكومة شارون، فالحوار يفترض منه ان يبلور برنامجا يحدد بوضوح ما هي اهداف الانتفاضة في ازالة الاحتلال الاسرائيلي وفرض حل سياسي يضمن حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة على أرضه ويضمن حقوق اللاجئين في العودة، وكذلك البرنامج عليه ان يحدد اساليب الطابع الشعبي والجماهيري للانتفاضة الذي هو طابعها الرئيسي ومواصلة وتحسين الاداء في عملية المقاومة الموجهة ضد جيش الاحتلال واهدافه العسكرية وميليشيات المستوطنين في الاراضي المحتلة وتجنب الاعمال التي تسيء الى صورة النضال الفلسطيني العادل امام الراي العام العالمي، فبعد احداث 11/9/2001 في امريكا نشهد حملة امريكية واسعة تريد ان تستغل الاحداث من اجل تكريس الهيمنة الامريكية على العالم بحجة مكافحة الارهاب وتشكل الحملة غطاء لحكومة شارون في عدوانها على الشعب الفلسطيني، من خلال استخدام ذرائع واهية من نمط العمليات العسكرية التي كان معظم ضحاياهم من المدنيين، وصورت امام العالم وكانها ارهاب، مع ان العالم كان مطلوب منه ان يدرك بان من بدأ في قتل المدنيين في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، كانت اسرائيل وهي المسؤولة عن قتل ما لا يقل عن 190 طفلاً دون سن الخامسة عشرة من الفلسطينيين «الابرياء المدنيين» . وما يعرقل اجراء الحوار الوطني الشامل هو التباين في السياسات وبسبب الضغط تدفعها ليس باتجاه الحوار الوطني مع القوى الوطنية والاسلامية، والضغوط تتجه نحو تصفية القوى من خلال وضعها بقوة ارهابية، وهذا العائق الرئيسي الذي ينبغي تجاوزه من خلال المزيد من الضغط الجماهيري والسياسي، وهذا ممكن خلال الاشهر المقبلة وان كان هذا يمثل امراً شديد الصعوبة وشديد التعقيد. ـ تصعيد العدوان الاسرائيلي على الفلسطينيين هل يفضي الى اشعال حرب شاملة بالمنطقة؟ ـ ان الاوضاع العربية المحيطة بفلسطين ليست في وارد الدخول في اي شكل من اشكال الاحتكاك مع الاسرائيليين بالرغم من الاستفزازات الاسرائيلية المتواصلة والمتكررة من جانب حكومة شارون، وبالرغم من المذابح التي ترتكبها حكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني، وفي ظل الظروف الدولية الراهنة التي تسعى فيها امريكا الى تركيز اولويات جدول الاعمال الدولي على ما يسمى بالحملة ضد الارهاب، فالامتداد الاقليمي للانتفاضة تراجع الى حد كبير. ـ ما هو مصير اتفاق اوسلو وهل صحيح ان الائتلاف الاسرائيلي على مفترق طرق؟ ـ اتفاق اوسلو مات من جانب واحد، اسرائيل لا تلتزم ببنوده ولكنه لا يزال «اوسلو» ملزما واساسا للسياسة المنتهجة من قبل السلطة الفلسطينية بالرغم من التنصل الاسرائيلي من الاتفاق، لذلك لا نستطيع الحديث عن نهاية اتفاقات اوسلو الا عندما نرى نهاية الاحتلال الاسرائيلي وقيام دولة فلسطين ذات السيادة، وانهاء الترتيبات «الانتقالية» المجحفة، المفروضة على الشعب الفلسطيني، التي تبقي زمام الامور كلها بيد المحتلين الاسرائيليين. واعتقد انه لا يمكن للمؤسسة السياسية الاسرائيلية ان تحافظ لفترة طويلة على هذا الاجماع العدواني الذي تعكسه حكومة شارون «الوحدة الوطنية» وسياستها تتضمن ميول وممارسات عدوانية وحشية منافية لكل الاعراف ولحقوق الانسان، والقطاع الاوسع من الاسرائيليين سيكتشفون ان سياسة الحكومة الشارونية لن تؤدي الا الى الكوارث التي تلحق بهم خسائر وويلات، فالشعب الفلسطيني يكافح من اجل الحرية والاستقلال، وهذا سينقل الاسرائيليين الى موقع المعارضة لحكومة شارون، وحزب العمل معروف بتلونه السياسي وربما يكتشف حزب العمل ان هناك مصلحة سياسية تجبرهم على مغادرة حكومة شارون. ـ هل المخطط الامريكي يهدف لاعادة رسم خارطة الشرق الاوسط؟ ـ اشك في ان تقدم امريكا على خطوات تغيير جذري من الحدود التي تنطوي عليها خارطة الشرق الاوسط اذا كان المقصود الجغرافيا، ومن المؤكد ان امريكا تريد ان تعمل من اجل تغيير الخارطة السياسية للشرق الاوسط من خلال ازالة آخر بؤر التمرد او بؤر الاستقلال في الارادة السياسية عن امريكا في المنطقة، وهذا هو في الواقع الهدف الثاني من اهداف الحملة الامريكية المسماة بالحرب ضد الارهاب. ـ الحرب الامريكية ضد الارهاب الى اين؟ وما هو مداها الزمني؟ ـ لا يوجد مدى زمني محدد لهذه الحرب، هذه الحرب في الواقع تستهدف تكريس وتوسيع نطاق الهيمنة الامريكية على العالم كله، وترغب امريكا بفرض املاءاتها على كل دول العالم بما في ذلك على حلفائها في اوروبا وغيرها من البلدان الرأسمالية المتقدمة وستبقى الحرب الامريكية مستمرة وتنتقل من هدف الى آخر، الى ان تفقد زخمها بفعل المقاومة المشروعة التي ستبديها في وجهها بالضرورة شعوب العالم، بما في ذلك الشعب الامريكي نفسه الذي يمكن ان يظل العوبة بأيدي اساطين الحرب والمال والبترول في واشنطن. ـ ما هي المتغيرات العالمية عقب 11 سبتمبر؟ ـ المتغيرات كان من ابرزها الحرب الأمريكية التي نسميها الحرب ضد الارهاب، الذي هو في الواقع محاولة من امريكا لفرض قيمها ومعاييرها على العالم وعلى مراكز القرار السياسي. ـ كيف ترى المشهد الدولي وخارطة التحالفات الدولية الجديدة؟ ـ ليس هناك تحالفات دولية جديدة هنالك قطب واحد يتمثل في الولايات المتحدة، وامريكا تريد ان تفرض نفسها باسم التحالفات وتريد ان تتعامل مع سائر مراكز القرار السياسي في العالم بطريقة الاملاءات في التعامل مع الحلفاء في الحرب في افغانستان واوروبا خرجت من المولد كله «بلا حمص» وايضا واضح من الخطوة الامريكية عندما انسحبت من جانب واحد من معاهدة ستارت التي شكلت تحديا ليس فقط لروسيا وانما ايضا لاوروبا حلفاء امريكا، واخلت امريكا اخلالا جوهريا في توازن القوى الاستراتيجية في العالم، أمريكا تخرق كل الالتزامات التي تفرضها الكثير من المعاهدات والمواثيق الدولية، لتثبت من جديد مبدأ قوامه ان العولمة في عصرها الجديد تساوي الامركة وليس شيئاً آخر.