قال الدكتور باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في شئون الشرق الاوسط في حديث خاص لـ «الملف السياسي» ان مجلس التعاون مازال يسير بخطى بطيئة دون ان يحقق التكامل او الاندماج الاقتصادي بين دوله. وبخصوص عملية السلام المنهارة في الشرق الاوسط قال سيل وهو كاتب بارز في صحيفة «الجارديان» البريطانية انه لا يرى أي بصيص من نور حول احتمال التوصل الى اتفاق سلام بين السلطة الفلسطينية واسرائيل مؤكدا ان السلام مستحيل اذا بقي شارون في الحكم. واقترح سيل على الدول العربية الصديقة لاسرائيل ان تتدخل وتشجع حزب العمل الاسرائيلي على الانسحاب من حكومة شارون لاسقاطها وتغيير اللعبة السياسية في اسرائيل. وقال ان العرب مخطئين في تقديرهم للدور الامريكي في الشرق الاوسط لان الادارة الامريكية لها اولويات جديدة بعد الحادي عشر من سبتمبر. ووصف محاولات استبدال عرفات او اسقاطه من جانب الادارة الامريكية وحكومة شاورن بانها خطأ كبير لان عرفات هو الذي يمسك جيدا بخيوط الفلسطينيين الشائكة. وفيما يلي نص الحوار الهاتفي مع باتريك سيل : ـ كيف تنظرون الى مستقبل مجلس التعاون الخليجي الذي عقد قبل ايام قلائل قمته الثانية والعشرين في مسقط وهل تعتقدون ان المجلس حقق مايكفي من الانجازات الكفيلة بتمكين دوله ووشعوبه من مواجهة تحديات المستقبل؟ ـ انني من المتابعين لمسيرة عمل مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في ابوظبي قبل اكثر من 22 عاما وارى ان المجلس حتى الان مازال اسيرا للشكليات والاطر الرسمية الجامدة فالاجتماعات التي تعقد لاتحسم القضايا العالقة والتأجيل للمسائل الجوهرية هو دائما السمة الغالبة وهذا يعني ان المجلس يسير ببطء شديد مع ان التحولات المحيطة بدول مجلس التعاون كبيرة وسريعة وخطيرة الا ان الامور في امانة المجلس للاسف لاتتواكب مع تلك التحولات الامر الذي يجعل المراقب العادي يتساءل هل المجلس فعلا قادر على التكامل والاندماج بين دوله؟ ام انه مجرد اطار معنوي يجمع دول منطقة الخليج؟ في الواقع كنا ننتظر حدوث خطوات عملية في السنوات الماضية مثل رفع الحواجز الجمركية بين الدول الاعضاء واطلاق حرية الاستثمار والاتحاد الجمركي وتوحيد التشريعات الاقتصادية الا ان دول المجلس حتى الان مازالت تجتمع من اجل السماح بتبادل بعض المنتجات المحلية وليس فتح الحدود امام التدفق التجاري فيما بينها. ان من مصلحة دول المجلس الاستفادة من الامكانيات المتاحة لها حاليا للشروع نحو تأسيس قواعد صناعية مشتركة للتعاون الاقتصادي مع توحيد سياساتها الخارجية والداخلية مع الاحتفاظ بالخصوصيات الطفيفة التي تميز كل دولة عن الاخرى وبدون توحيد العملة وتوحيد التشريعات وتطبيق الاتفاقيات التي تم التوصل اليها في القمم السابقة فان المجلس سيظل يسير نحو هدف غير مرئي. ـ كيف تنظر الى مستقبل عملية السلام؟ هل تتجه الى النهاية ام مازالت هناك فرصة للوصول الى حل سياسي؟ ـ انا متشائم جدا ، ولااعتقد بامكانية التوصل الى حل سياسي في ظل وجود شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي في السلطة فهذا الرجل لايريد السلام ولايعمل من اجل السلام كل مايريده هو تدمير السلطة الفلسطينية مثلما حاول تدمير منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عام 1982 والدليل على ذلك ان شارون لم يقدم حتى الان أي حل سياسي او برنامج للحل فقط يقوم بالقتل والتدمير ضد الفلسطينيين. ـ ماهي آفاق الحل اذن؟ ـ لاحل كما قلت لك الا اذا تحرك العرب (اصدقاء اسرائيل) وعملوا على تشجيع حزب العمل الاسرائيلي على الانسحاب من حكومة شارون وبالتالي اسقاطها ولن يحدث شئ مطلقا - بل ربما يحدث الاسوأ - اذا استمر شارون يصول ويجول في الحكم. ـ ولكن هل تراهن على ان الدول العربية قادرة على اتخاذ خطوة هامة كهذه؟ ـ يجب ان نعترف بان الدول العربية مقصرة وتبدو عاجزة احيانا ازاء مواكبة الصراع مع اسرائيل ولهذا اقول لك بان الموقف العربي الان سيئ جدا لان الدول العربية تنتظر من الولايات المتحدة الامريكية ان تتدخل لها وتحرز لها تقدما في عملية السلام وان تضغط لها على اسرائيل ، هذا لن يحدث على الاطلاق لان الادارة الامريكية بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر اصبح لديها اولويات مثل محاربة الارهاب وتتبع خلايا القاعدة وتلك هي معركتها الحقيقية بعد الاحداث الرهيبة التي هزتها و لم تعد القضايا العربية او صداقة العرب ذات اهتمام رئيسي لدى صانعي القرار في الادارة الامريكية وللاسف تحول التعاطف داخل ادارة بوش الى جانب شارون واسرائيل بدلا من حدوث تقدم في الموقف الامريكي الرامي للحل العادل والشامل. ـ هل يمكن القول بأن خطة بيريز- ابو علاء تمهد لتسوية جزئية بين الفلسطينيين واسرائيل أم ان انها مجرد خدعة للالتفاف على الانتفاضة؟ ـ بيريز وزير خارجية اسرائيل ملتزم بالسلام لانه واحد من صناع اوسلو ولكنه لايملك الحل لانهم مجرد اقلية ضعيفة داخل حكومة شارون اليمينية وتأثير بيريز في الوقت الحاضر محدود لان همه الاول هو الحفاظ على بقائه على المسرح السياسي ولذلك فانه موافق لكي يعمل بدرجة موظف اتصالات وعلاقات عامة لدى شارون. لقد اتصل بيريز مع ياسر عرفات ومع ابوعلاء احمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني ( عدة مرات خلال الايام القليلة الماضية وفي كل مرة يشاع فيها عن احراز تقدم يقوم شارون بمنع بيريز من اتخاذ أي قرار سياسي بل ويجرده من المهام المكلف بها لذلك فاني اعتبر ان الاتصالات مع بيريز مضيعة للوقت. ـ الا تعتقد بان انتخاب بن اليعازر وزير الدفاع الاسرائيلي الحالي لرئاسة حزب العمل قد يقلب الامور السياسية ويمهد لوصوله الى السلطة وبالتالي التوصل الى حل مع الفلسطينيين؟ ـ لا امل في ذلك لان بن اليعازر جنرال حرب يسير على خطى شارون فهو اولا جنرال وليس سياسيا وهو من يمين حزب العمل وهو من اقرب قادة العمل الى نهج شارون واعتقد ان بن اليعازر لايميل الى فكرة التوصل الى تسوية دائمة وعادلة لقضية الصراع بقدر مايميل الى تكريس هيمنة اسرائيل على الاراضي المحتلة عام 1967 كما اعتقد انه اذا سقطت حكومة شارون يتم بناء تحالفات جديدة وهذا يتوقف على الدول العربية ومدى تحركها لدى العمل ولدى الادارة الامريكية لكي يتم التفاهم على صفقة تنهي الصراع مثلما حدث في عهد رابين الذي جاء الى الحكم باسقاط شامير على خلفية بدء مفاوضات سرية في اوسلو لم يكن يعلم بها اليمين الاسرائيلي المتطرف. ـ وهل تعتبر ذلك ان ضوءاً يبدو في نهاية النفق؟ ـ نعم ، الضوء في نهاية النفق قد يلوح في الافق ولكنه في بعض الاحيان يعني ان القطار قادم اليك ليدوسك «يقتلك» تحت عجلاته.ابوعمار يتحدث عن الضوء في نهاية النفق منذ عقود فهل شارون وارهابه ضد الفلسطينيين هو الضوء الذي يراه الرئيس الفلسطيني. انني استغرب لماذا كل هذا التفاؤل في اوساط بعض السياسيين العرب المخدوعين بالوعود الامريكية والاغراءات الكلامية في حين ان الواقع مظلم وكئيب ولكن على اية حال علينا ان نبتهج بالعام الجديد 2002 وان نصفق له بحرارة لانه قد يخلصنا من الام عام ثقيل وكئيب قد مضي للتو. ـ تردد مؤخرا ان الادارة الامريكية تفكر باسقاط عرفات بناء على نصيحة من الاستخبارات الاسرائيلية وتوصية من مستشارة الامن القومي الامريكي كونداليرا رايس من اجل التوصل الى اتفاق مع قائد جديد على اعتبار ان عرفات يصفه الامريكان والاسرائيليون بانه عقبة في طرق التوصل الى اتفاق تاريخي؟ ـ لاوافق على هذا الرأي وتكون الادارة الامريكية مخطئة اذا اعتقدت ان عرفات هو المشكلة في طرق التوصل الى حل تاريخي، بصراحة شارون هو المشكلة الرئيسية والعقبة الكبرى، وشارون هو الذي يرفض التعامل مع عرفات حتى الان لانه لايريد السلام الفعلي والحقيقي كما ان شارون يعتبر ان كل القيادة الفلسطينية ارهابية وليس عرفات فقط ، اذن الفكرة ان شارون معادي للحل لانه لايريد رؤية قيام دولة فلسطينية مستقلة ولايريد ان يرى الفلسطينيين مستقلين ولهم وطن وقد يقول شارون الشئ ذاته على أي خليفة محتمل لعرفات. بصراحة لامتناهية اقول ان أي قائد فلسطيني اخر لن يملأ مكان عرفات في هذه الظروف الصعبة والخطيرة التي تمر بها المنطقة فهو القائد الفلسطيني الممسك بخيوط اللعبة جيدا وقد تفلت الخيوط المتشابكة من يد أي قائد اخر بسرعة. ـ لكننا سمعنا من المسئولين الاسرائيليين ان شارون مستعد لتوقيع اتفاق مع قائد آخر غير عرفات يكون من الجيل الجديد؟ ـ هذا هراء لان شارون يريد قائداً في الضفة او في غزة يكون رجل شرطة له ولامن اسرائيل لايريد قائدا وطنيا يعمل على التحرر والاستقلال الوطني ودحر الاحتلال وازالة المستوطنات واعتقد ان شارون او اسرائيل لو انتظروا مئة عام اخرى فانهم لن يجدوا قائدا يلبي لهم هذه الطموحات الواهمة. ان شارون لايريد عرفات ويسعى للترويج لفكرة القائد البديل لانه يعلم علم اليقين ان عرفات لن يقبل بدولة منقوصة السيادة على الاراضي المحتلة عام 1967 ولن يوقع على اتفاق يستبعد القدس وقضية اللاجئين الفلسطينيين التي تعتبر قضية مقدسة له ولشعبه. أجرى الحوار: د. جمال المجايدة