كشف الفقيه والعلامة الديني «محمد حسين فضل الله» في حوار شامل مع «البيان» حول عدد من القضايا العالمية الراهنة والمواقف على الصعيدين العربي والدولي خاصة تلك التي تمخضت عن أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها وتأثير ذلك على المنطقة العربية ورؤيته الخاصة للممارسات الأمريكية واستراتيجيتها لما قبل تلك الأحداث وما بعدها. كذلك تناول الحديث مع «فضل الله» التحليل العالمي والموقف الأمريكي من كلمة «الارهاب» وعما اذا كانت تسخرها أمريكا لمصلحتها الخاصة أو تستخدمها أيضاً ذريعة لتمديد استراتيجيات مستقبلية معينة سواء لما يتعلق بمساندتها لاسرائيل أو مباركة الضغوط الاسرائيلية على السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة ورفض الادارة الأمريكية للمقاومة اللبنانية باعتبارها مقاومة شرعية تعبر عن رفض المواطن اللبناني لاحتلال أرضه. وفيما يلي نص الحوار: ـ الأحداث تتسارع في المنطقة والضغط الإسرائيلي يزداد برعاية أمريكية فيما نسمع الفتاوى التي تحرم قتل اليهود لاعتبارهم مدنيين كيف تقيمون هذا الواقع؟ ـ بالنسبة إلى العنوان الأول، أن المسألة الاستراتيجية هي كيف يمكن لليهود أن يسيطروا على فلسطين كلها بطريقة واقعية من خلال الظروف الموجودة داخل فلسطين، أو التي تحيط فلسطين في العالم العربي أو الظروف التي تتحرك في اللعبة الدولية، لان الاستراتيجية الإسرائيلية كانت تفكر في فلسطين كلها وربما الحلم المستقبلي الذي لم تبتعد عنه إسرائيل بالمطلق وهو من الفرات إلى النيل، لهذا فإنها كانت تتحرك بطريقة مرحلية من منطقة التقسيم إلى منطقة الضفة وغزة إلى احتلال كل فلسطين وما حولها، وعندما فرضت عليها الظروف السياسية الدولية أن تنكمش في طموحاتها الواقعية، بدأت تخطط كيف يمكن أن تقضم الضفة الغربية وغزة بأكثر من طريقة وفي مقدمتها الاستيطان. وعندما طرحت مسألة الدولة الفلسطينية، كانت هناك لعبة سياسية أمنية إسرائيلية، تحاول أن تخدر الفلسطينيين ببعض الاتفاقات لتتمرد عليها بعد ذلك ولتحمل الفلسطينيين مسئولية ذلك. وهكذا ارتدت اللعبة السياسية الأمنية الإسرائيلية لتستفيد من كل الظروف الدولية ولاسيما السياسية الأمريكية الخاضعة في سياستها الخارجية لمعطيات السياسة الداخلية من اجل استكمال إستراتيجيتها لتكون هناك دولة فلسطينية تمثل سجنا«للفلسطينيين، فلا يملكوا فيها شيئا»، لينطلقوا إلى العالم كشعب مستقل. وهكذا لاحظنا أن المرحلة الأخيرة التي تحركت بها إسرائيل مستفيدة من بعض الأحداث الداخلية في فلسطين، ولاسيما العمليات الاستشهادية مقارنة بعناوين الحرب على أفغانستان التي انطلقت بها أمريكا ضد نظام طالبان تحت شعار إيوائهم للإرهابيين، ومقارنة بالعنوان الأمريكي باعتبار حركتي الجهاد وحماس والجبهة الشعبية حركات إرهابية. بهذا استطاعت أن تحكم على السلطة الفلسطينية لأنها داعمة أو مؤوية للإرهاب، لهذا تمت المسألة بحيث انطلقت إسرائيل وامريكا في الحرب الأمريكية الثانية ضد الإرهاب بيد إسرائيلية لتحقق لإسرائيل مطامعها وتحاصر الفلسطينيين في دائرة ضيقة قد تسميها دولة. و ما زالت اللعبة تتحرك بتحالف دولي ضد السلطة الفلسطينية لأول مرة مع بعض التحفظات التي تترك ثغرة هنا وثغرة هناك للاتحاد الأوروبي تارة أو لروسيا أخرى. ويمكن أن تتحسن ظروف هذا الوضع ولكن لمصلحة إسرائيل. إنها الحرب الأمريكية الثانية بنفس الشعارات بيد إسرائيلية وبغطاء دولي. أما العنوان الثاني وهي الفتاوى التي صدرت فان مشكلتنا مع هؤلاء المفتين مع احترامنا لمواقعهم انهم لا يملكون ثقافة سياسة الواقع فهم ينظرون إلى الأمور بطريقة تجريدية أن تقتل مدنيا هذا أمر محرم شرعا إذا كان هذا المدني مسالما أو إذا كان ذميا. انه عنوان كبير في الفقه الإسلامي ولكن الفقيه إذا أراد أن يحرك عنوانا فقهيا عريضا بالفتوى الإسلامية يجب دراسة حركية هذا العنوان في الواقع لأننا نعرف أن أي موضوع فقهي في عناصره بحسب الظروف المحيطة به فقد يكون الشيء حراما في ذاته ولكنه يصير حلالا بلحاظ بعض الظروف الموضوعية إسلاميا كما نقدم نموذجا لذلك فيما اتفق عليه المسلمون من أن الكفار إذا تكرسوا بأسرى المسلمين وتوقف النصر على قتلهم جاز للمسلمين أن يقتلوهم بل وجب عليهم أن يقتلوهم ونحن نعرف أن قتل المسلم حرام ولكنه قد صار بفعل الظروف الموجودة واجبا أن نناقش المسألة من ناحية واقعية، أن اليهود احتلوا فلسطين كلها بما فيها القدس وسكنوا الأراضي الفلسطينية وهم يملكون الأسلحة التي أعدت أمريكيا لتتفوق على كل المنطقة العربية امتدادا الى بعض مواقع المنطقة الإسلامية لتكون استراتيجية لهم. أما الفلسطينيون فهم لا يملكون إلا الكثير من حجارة بلدهم وبعض الأسلحة الخفيفة وبعض قذائف الهاون التي يصنعونها بطريقة بدائية،ومن الطبيعي انه ليس هناك توازن بين آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية وبين ما يملكه الفلسطينيون. وهي ليست حربا بين أشخاص هنا وأشخاص هناك ولكنها حرب بين الأمن الفلسطيني الذي تريد إسرائيل أن تسقطه وان تمرغه بالوحل ولا يبقى للفلسطيني أي أمن في بيته أو مدرسته أو في كل موقع من مواقعه إلا بالبركة الإسرائيلية،وبين الأمن الإسرائيلي الذي يمثل العنوان الكبير لحكومة شارون. لذلك فان الفلسطينيين الذين عملت إسرائيل على تدمير أمنهم بحاجة إلى سلاح يدافع عن هذا الأمن ليهز الأمن الإسرائيلي بحيث يؤدي ذلك إلى مسألة سياسية تفرض على إسرائيل أن تنصاع وتتقبل تحقيق بعض حقوق الفلسطينيين المشروعة. لذلك فان الذين يفجرون أجسادهم في سوق إسرائيلي في أرضهم وهي القدس أو في مقهى أو ملهى إسرائيلي إنما يعملون على قتل الأمن الإسرائيلي ولا نوافق على أن غالبيتهم من المدنيين لأنهم في غالبيتهم جنود احتياط لإسرائيل لأنهم عسكريون باحتلالهم لبيوت الفلسطينيين لذلك ليست المسألة هنا قتل مدنيين ولكنها قتل الأمن الإسرائيلي وهذا أمر جائز في الحرب عندما تضطرك حرب الآخرين عليك التي تحاصرك في اكثر من زنزانة وفي اكثر من زاوية فإننا نعرف أن كل العالم يعتبر أن سقوط المدنيين في الحرب أمر طبيعي تفرضه شرعية الحرب لهذا فان هؤلاء المفتين بحاجة إلى ثقافة سياسية ميدانية واقعية تضع المسألة في ظروفها الواقعية التي قد تعطي عمل الفلسطيني معنى الاضطرار ونحن نقرأ قوله تعالى : «فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ». وبهذه المناسبة فإننا في الوقت الذي نتحفظ على فتوى شيخ الأزهر وفتوى العالم السعودي فإننا نقدر الفتوى التي صدرت عن مفتي مصر التي تحدثت عن شرعية العمليات الاستشهادية في القدس وفي حيفا. أمريكا تنظر للمنظمات الفلسطينية كما لطالبان ـ الضغوط الأمريكية والإسرائيلية نتج عنها سلسلة من الاعتقالات نفذتها السلطة الفلسطينية هل ينعكس هذا الوضع سلبا ويؤدي لصراع فلسطيني ـ فلسطيني داخليا يؤدي لإجهاض الانتفاضة؟ ـ إنني أتصور أن الشعب الفلسطيني بمنظماته قد بلغ درجة الرشد السياسي في وعي اللعبة السياسية الإسرائيلية التي تريد أن تربح الحرب داخل الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني،إن هذا الشعب لا يمكن أن يدخل في أي عملية صراع بل انه يعض على جراحه وإنني أتصور أن السلطة الفلسطينية باعتقالاتها لا تصل إلى أن تخلق الظروف الملائمة لحرب فلسطينية ـ فلسطينية ولذلك فان إسرائيل سوف تبقى تتهم الفلسطينيين بأنهم لا يعملون بالاعتقالات بشكل جدي بل إن هذه الاعتقالات قد تتم بالتراضي مع إبراز الصرخات التي تنطلق من المجاهدين خصوصا. أن المطلوب إسرائيليا وأمريكيا ليس هو اعتقال المجاهدين ومحاكمتهم بل تدمير أسلحتهم وإلغاء تنظيماتهم ونحن نعرف معنى ذلك هو إلغاء الشعب الفلسطيني لأنه قد لا يكون منتميا لهذه المنظمات بأجمعه ولكن هذه المنظمات دخلت في عمق وجدان الشعب الفلسطيني مما يعني أن إلغاءها بهذه الطريقة هو إلغاء للشعب الفلسطيني. إن المشكلة المستعصية في هذه المرحلة هي أن أمريكا تنظر إلى حالة حماس والجهاد والجبهة الشعبية وبعض مواقع فتح تماما كما تنظر إلى نظام طالبان وكما كان المطلوب في حرب أفغانستان إسقاط نظام طالبان فالمطلوب إسقاط نظام الجهاد الفلسطيني والانتفاضة المسلحة المتحركة ضد إسرائيل. السلطة اللبنانية في مأزق لا تحسد عليه ـ يحكى عن شروط تفرض على لبنان لتوقيع عقد الشراكة الأوروبية كيف سيتعامل لبنان مع هذه الشروط؟ ـ من الطبيعي أن السلطة تعيش مأزقا لا تحسد عليه لأنها في الوقت الذي تريد ان تحفظ موقعها في الساحة الدولية من خلال بعض العلاقات لهذه الدولة أو تلك لكنها لا تملك الآن بحسب وضعها السياسي المحلي والإقليمي ان تخضع للشروط الدولية أو لأي مشروع من مشاريع المشاركة الأوروبية أو غير ذلك باعتبار أن هذه الشروط تربك واقعها الداخلي كما تربك علاقاتها لذلك فإني أتصور أن الدول التي وضعت هذه الشروط لباريس الثانية والمشاركة الأوروبية أرادت أن تمنع لبنان من الحصول على هذه الجبنة من خلال ما تقدمه من شروط. المقاومة مربوطة سياسيا بالجولان. ـ تعددت وجوه الضغوط الأمريكية وكان للبنان نصيبه كما كان الموقف اللبناني الرسمي لافتا في هذا المجال كيف تقرأون آثار هذا الضغط على بقاء المقاومة أو عدمه؟ ـ عندما نريد أن ندرس المسألة اللبنانية فإننا لا نستطيع أن نفصلها عن المسألة السورية لأن وحدة المسارين لا تتمثل أو على الأقل في المستقبل المنظور في مسألة الصراع مع إسرائيل بل تتمثل حتى في الخطوط المرتبطة بالمواقف الدولية وعلى ضوء ذلك فان هذا بالإضافة أن العنفوان اللبناني الذي يتحدث دائما عن موقع لبنان في قضية استقلاله كذلك لا يمكن أن يسمح أن ترجم المقاومة،لان ذلك يعني أن لبنان الرسمي والشعبي يرجم آيا لان هناك إجماعا شعبيا ورسميا على اعتبار المقاومة حركة التحرير لا حركة إرهاب،وإذا كانت أمريكا تتهم بعض فصائل المقاومة أو بعض مواقع المقاومة الإسلامية بالإرهاب في الماضي فإنها تعرف أن ما تتهمه سواء كان خطأ أو صوابا فقد أصبح من الماضي والتاريخ وان المقاومة ولا سيما المقاومة الإسلامية لم تعد تتحرك خارج لبنان عسكريا وأمنيا لهذا والجميع يعرف أن تلك المرحلة التي كانت أمريكا تتهم بها المقاومة كان الجو في المنطقة جو عنف صارخ في جميع المجالات حتى أن اللبنانيين كانوا يمارسونه ضد بعضهم البعض حتى أن أمريكا مارست هذا العمل الإرهابي في متفجرة بئر العبد التي خطط لها وقادها مدير المخابرات المركزية الأمريكية وليام كايسلي عندما كان يستهدف اغتيالي بأموال عربية وتخطيط لبناني لذلك فان الجميع ينظر إلى المقاومة الإسلامية كحركة تحرير. ثانيا بالنسبة للمسألة السورية فان قضية المقاومة مربوطة ربطا سياسيا بمسألة الجولان ومنفتحة سياسيا على مسألة الانتفاضة الفلسطينية لذلك فان أمريكا تحاول أن تلعب لعبة اتهام المقاومة الإسلامية بالإرهاب لإضعاف كل هذا المناخ السياسي ولإيجاد حالة من الضغط على سوريا أولا ولبنان ثانيا لتقديم التنازلات في بعض القضايا المطلوبة منهم ولتهدئة المقاومة على حدود فلسطين حتى لا تقوم بأي عمل يربك إسرائيل في صراعها مع الانتفاضة وما إلى ذلك. ولهذا فإني أعتقد أن المسألة حتى الآن على الأقل تدخل في نطاق التهويل لا في نطاق التنفيذ خصوصا إذا أخذنا في حساباتنا أن الدول العربية لا توافق على أي عمل عسكري أو أمنى ضد لبنان وسوريا لان ذلك سوف يترك تأثيره على مسألة الصراع العربي الإسرائيلي ويعتبر دعما أمريكيا لإسرائيل ضد الدول العربية. لبنان يفتقد التخطيط والأداة. ـ الوضع الاجتماعي اللبناني مترد والأزمة الاقتصادية مستمرة ويقال أن نسبة الدين العام تزداد بمعدل مليار ليرة شهريا ما هي الأسباب؟ ـ من الطبيعي أن الحرب اللبنانية من جهة والظروف الاقتصادية التي تعيشها المنطقة كلها في عملية اهتزاز أو سقوط اقتصادي بالإضافة إلى الفساد الإداري الضارب اطنابه في كل مفاصل الدولة وفقدان التخطيط لدى الدولة في المسألة الاقتصادية لأننا نلاحظ أن ما تقوم به الدولة من مبادرات تتصل بالخدمات هنا وهناك كانت تمثل عملية ترضية لهذا الفريق السياسي وذاك الفريق دون تخطيط لوضع هذه الخدمات في الإطار العام للواقع اللبناني أو لحاجاته الوطنية العامة لذلك فإني أتصور أن لبنان يفتقر إلى التخطيط الدقيق للمسألة الاقتصادية ويفتقر إلى الأدوات التي يمكن أن تنفذ هذا التخطيط وهما مفقودان في المسألة اللبنانية لهذا نعتقد أن لبنان سوف ينتقل من أزمة إلى أزمة ولكن هناك نقطة كنا نتحدث عنها أيام الحرب في اللاءات الثلاثة : لا تقسيم.. لا انهيار.. لا استقرار. إن لبنان ممنوع من الاستقرار وممنوع من الانهيار لذلك لن تصل الأزمة الاقتصادية إلى حد الانهيار لان لبنان لايزال حاجة دولية وعربية لا لسواد عيونه ولكن لسواد عيون اكثر من حاجة دولية وعربية ومن الطبيعي أن الضغط الأمريكي على لبنان لحساب مفردات السياسة الأمريكية في المنطقة ولا سيما بما يتصل بسوريا. وهذا الضغط الأمريكي الذي منع الدول المانحة من أن تقدم المساعدات الموعودة للجنوب ومنع اكثر من دولة عربية من مساعدته بالحجم المطلوب.. انه الضغط الذي ما زال يتحرك بطريقة أو بأخرى قد يكون أحد العناصر التي شاركت في تعاظم الأزمة الاقتصادية اللبنانية. ـ كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة ومعالجة هذا الواقع؟ ـ إني اعتقد أن اللبنانيين لا بد أن يعيشوا في حالة طوارئ اقتصادية حادة وذلك بان تلتقي المعارضة والموالاة لتقديم كل الحلول التي تتحرك في اللعبة السياسية لا ليسجل فريق من خلالها نقطة على فريق آخر أن على اللبنانيين إن يرتفعوا إلى مستوى قضية الوطن بعيدا عن قضية المحاور السياسية الداخلية لان المسألة تمثل مصير الوطن لان الامتداد في هذا السقوط الاقتصادي الذي يتجه نحو الانهيار حتى لو لم يحدث الانهيار بالضربة القاسية القاضية سوف يسقط الهيكل على رؤوس الجميع. المسألة أن يرتفعوا إلى مستوى الوطن لا أن يبقوا في زنزاناتهم الطائفية والمذهبية والشخصانية وهذا هو الأخطر. أمريكا حاولت اغتيالي.. أليس هذا إرهابا !؟. ـ كيف تقرأون ما جرى ويجري في أفغانستان والدلالات التي يحملها المستقبل وانعكاساتها على المنطقة عربيا وإسلاميا بل وحتى على دول العالم الثالث؟ ـ نحن نعرف أن الحرب الأمريكية انطلقت في أفغانستان لتصطاد اكثر من عصفور أمريكي سياسي واقتصادي أمني بحجر هذه الحرب فهي أولا أرادت لهذه الحرب أن تنفس احتقان الشعب الأمريكي الذي هزته التفجيرات فهي أحدثت في داخله حالة هستيرية عسكريتارية تبحث عن هدف ينفس هذا الاحتقان ويعيد العنفوان الأمريكي للشخصية الأمريكية إدارة وشعبا ويستعيد ذاك الأمن الاسترخائي للشعب الأمريكي عندما ينطلق ليهدد العالم وليخاف كل الناس فيه من أي تجربة مماثلة وهكذا كانت حرب أفغانستان التي عملت أمريكا بكل الوسائل لتعطيها شرعية قانونية وسياسية حتى أنها فرضت على حلف الأطلسي أن يعتبر أن هذا العدوان على أمريكا هو عدوان خارجي يلزم دول الاتحاد والحلف بالمساعدة لأمريكا مع أننا نعرف أن العدوان الخارجي في هذه المعاهدة هو عدوان دولة على دولة لا عدوان منظمة على دولة،وهكذا خاضت أمريكا حربها ضد نظام طالبان الذي لا نوافق عليه من ناحية فقهية إسلامية ولكننا لا نرى للحرب عليه أية شرعية إسلامية أو قضائية أو حضارية ضد هذا النظام ضد أفغانستان باسم إيوائه للإرهابيين لأن أمريكا تؤوي إرهابيين مطلوبين عند دولهم ولأن أوروبا تؤوي إرهابيين أيضا وتعتبر نفسها معذورة بان لا تسلمهم إلى دولهم. لقد كانت الحرب الأفغانية حربا يراد من خلالها إعطاء أمريكا امتدادا في تلك المنطقة يبرر لها وضع قواعد عسكرية ولو على مستوى المستقبل وتحريك اكثر من قاعدة سياسية واقتصادية ولا سيما بما يتعلق ببحر قزوين وغير ذلك مما يتصل بعلاقات أمريكا بروسيا والصين وبتلك المنطقة ولا سيما أنها لا تزال تفكر بمنع روسيا من الوصول إلى المياه الدافئة كما يقولون، وقد استفادت أمريكا فيما تعتبره انتصارا في أفغانستان من هذا التحالف الدولي الذي جعل من الحرب على أفغانستان حربا عالمية بالإضافة إلى التناقضات الموجودة داخل أفغانستان حيث يحارب الأفغان - الأفغان وتكون عنصرا مساعدا للذين يحاربون نظام طالبان،ولولا ذلك لما استطاعت أمريكا أن تحصل على هذا الانتصار الذي تم بأيد أفغانية وبغطاء جوي أمريكي بالإضافة إلى دور باكستان الذي كان دورا كبيرا جدا لأنها تمثل الدولة الوحيدة التي كانت تدعم نظام طالبان وتموله. لذلك فان هذه الحرب تمثل حربا تتصل بمخططات أمريكا في تلك المنطقة كما تنفتح على استعادة النفوذ الأمريكي من خلال العصى الغليظة التي حركتها في أفغانستان لكل الذين يعارضون السياسة الأمريكية حتى الذين يعتبرون حلفاءها لتقول لهم أن العالم بعد 11 سبتمبر يختلف عن العالم قبله أن أمريكا تقود العالم من جديد على طريقتها الخاصة ولكن من اجل مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية وعلى كل العالم أن يحترم ذلك وإلا. ـ لاحظنا الانسياق الدولي خلف الموقف الأمريكي دون تردد لكن الغريب هو إذعان الدول العظمى والسباق فيما بينها لخطب ود السياسة الأمريكية والتسليم بقيادتها للعالم ! بتقديركم لماذا هذا الانسياق؟ ـ نحن نعرف أن الدول الكبرى ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين ليست دولا ضعيفة خائفة من أمريكا لتكون المسألة أن أمريكا تسوق هذه الدول إلى تنفيذ مشاريعها السياسية والاقتصادية والأمنية أن الدول الكبرى ترتبط ببعضها بمصالح واسعة وعميقة سواء من خلال المعاهدات السابقة التي تحمي هذه المصالح وتنسقها وتنظمها وخصوصا في دائرة العولمة والنظام العالمي الجديد أو المصالح التي يراد لها أن تتحرك من جديد بعملية تبادل للمصالح كما هو الحال بين روسيا والصين لان لروسيا مصالح مع أمريكا،وللصين مصالح مع أمريكا أيضا، فمن الطبيعي أن هذه المرحلة تمثل الفرصة الذهبية لهاتين الدولتين بان يدخلا في عملية تجارة لتحقيق مصالحهم هذا من جهة ومن جهة ثانية نلاحظ أن الدول الكبرى تعيش بعض الصراع الخفي والمعلن فيما بينها ولا سيما في الجانب الاقتصادي وخصوصا الاتحاد الأوروبي الذي يحاول أن يبني قوته الذاتية بعيدا عن النفوذ الأمريكي أو الهيمنة الأمريكية ولهذا فان هذه الدول قد تعيش بعض الصراع فيما بينها ولكنها أمام دول العالم الثالث في كل التحركات التي قد تمثل خطرا على مصالحها تقف كل هذه الدول موقفا واحدا ضد أي بلد في العالم الثالث يحاول أن يستعيد لنفسه أو يضمن لنفسه الاستقلال والحرية في إدارة اقتصاده وسياسته بعيدا عن نفوذ الدول الكبرى وهذا ما لاحظناه في اكثر من تجربة خاضتها الدول الكبرى معا ضد الدول التي حاولت كما في الحرب ضد إيران وكما في حرب الكويت ضد النظام العراقي بغض النظر عن رأينا السلبي بالنظام العراقي وهكذا في اكثر من مسألة من المسائل التي تتصل بمصالح الدول الكبرى وهناك رأي آخر قد لا يكون دقيقا جدا وهو أن بعض الدول ولا سيما الاتحاد الأوروبي كانت تحاول أن تورط أمريكا اكثر في مثل هذه الرمال المتحركة لتكسب من أمريكا اكثر ولكن هذه مسألة تحتاج إلى الكثير من الدراسة والمتابعة والملاحقة للنتائج الإيجابية أو السلبية التي تتمخض عنها حرب أفغانستان أو ما بعد أفغانستان. الضغوط الأمريكية ولّدت الإرهاب ـ هل هي صدفة أن يكون معظم المعتقلين والمطلوبين والمتهمين بعد احداث 11 سبتمبر من الشرق الأوسط ومن المسلمين تحديدا؟ ـ أن المسألة هي أن أمريكا تعرف بان الشرق الأوسط هو خزان الرفض للسياسة الأمريكية حتى أن حلفائها بدأوا يشعرون أن سياستها المفروضة عليهم بدأت تهدد مواقعهم لدى شعوبهم والجميع يعرف بان هذه الحركات التي تسمى إرهابية نشأت من خلال ضغوط السياسة الأمريكية على الواقع العربي في المسألة الفلسطينية وعلى اكثر من واقع عربي يخضع للحصار الأمريكي باسم الأمم المتحدة لهذا فان أمريكا قد تشعر ومعها أوروبا بان هذا المناخ السياسي الرافض للسياسة الأمريكية أولا ولسياسة الدول الكبرى ثانية بأنه يعمل على أن يتحرك في خط الحرية وأنها إذا استطاعت السيطرة عليه فإنها تملك السيطرة على مواقع الرفض للسياسة الأمريكية أو الغربية لأن تأثير المنظمات الإسلامية في العالم العربي امتد إلى الساحة الإسلامية بشكل كبير وهذا ما يفسر الحديث عن تنظيم القاعدة لأنه يمتد لأكثر من بلد إسلامي وربما لاحظنا ذلك من خلال هذه الصرخات التي كانت ترتفع في اكثر من بلاد إسلامية غير عربية ضد حرب أمريكا لأفغانستان والتي صنعت من ابن لادن وقاعدته شخصية البطل الأسطوري الإسلامي في العالم من دون أن يمتلك عناصر ذلك. ان ضرب حركة الرفض في الشرق الأوسط ولا سيما العربي يعني إضعاف أو الهاء الحركات الأخرى خارج أمريكا. القمم لحفظ ماء الوجه ـ كيف تقرأون موقف منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية حيال ما جرى على الساحتين العربية والإسلامية؟ ـ مشكلة هذه المنظمة إنها في عمقها خاضعة للسياسة الأمريكية وان كانت تتحدث في الشكل أو في السطح بطريقة أخرى حفظا لماء الوجه لذلك فان هذه المنظمات سواء منظمة المؤتمر الإسلامي أو الجامعة العربية لا تملكان أي قرار فاعل في مواجهة السياسة الأمريكية وبالتالي لا تملكان أي قرار فاعل في مواجهة الواقع الإسرائيلي، ولهذا رأينا أن اجتماعات القمة العربية أو الإسلامية كانت تصدر بيانات ينساها أصحابها قبل أن يخرجوا من قاعات المؤتمر ولم يحصل الشعب الفلسطيني على شيء كبير إلا بما يشبه الفتات من خلال بعض المساعدات المالية التي ربما كانت المساعدات الشعبية في هذه الدول اكثر من مساعدات الدول نفسها. بيروت ـ محمد حمود: