أكد رئيس اتحاد لجان الاغاثة الطبية الفلسطينية د. مصطفى البرغوثي انه ما لم تستطع الانتفاضة اسقاط الازدواجية في الخطاب السياسي الفلسطيني، واسقاط عملية التطبيع بشتى اشكالها لن تستطيع تحقيق مطالبها. وقال في حوار خاص مع «البيان» انه ورغم ان الانتفاضة وعلى مدار العام الماضي استطاعت محاصرة ازدواجية الخطاب السياسي الفلسطيني وعدم انتشار عمليات التطبيع بكافة اشكالها الا انها لم تستطع الغاءها. وشدد البرغوثي ان نظرة الشعب الفلسطيني للانتفاضة نظرة استمرارية ليست تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية ممرحلة أو آنية، وقال ان ما قام به هذا الشعب من تضحيات وخسائر بشرية ومادية، ليس لتحقيق فقاعات سياسية وانما لهدف تحقيق حق الشعب الفلسطيني في بناء مستقبله كما يراه وتحرره بحيث تترجم هذه التضحيات إلى منجزات استراتيجية وليست تكتيكية. وتالياً نص الحوار ـ البيان: بعد مرور عام على الانتفاضة ماذا حققت؟ ـ البرغوثي: ان أبرز ما قامت به انتفاضة الاقصى من حيث الداخل الفلسطيني هو اعادة توحيد الشعب الفلسطيني على هدف مشترك، وهو انهاء الاحتلال والاستيطان وتحرير القدس واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وتأمين حقوق المواطن في العودة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. بالاضافة إلى انها احيت من جديد وبدفقات شابة الكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال وتقديم القضية الفلسطينية للمجتمع الدولي كقضية ضد احتلال، وفتحت افقاً لبناء حركة تضامن دولي مع الشعب الفلسطيني وفتحت افقا نأمل ان يتطور من حيث تقرير الوحدة والصمود الفلسطيني. وتبرز بالاضافة إلى كل ذلك نتائج الانتفاضة من حيث النظرة الإسرائيلية حيث تعتبر عامل ضغط كبير على كل عناصر المجتمع الإسرائيلي، بحيث عمدت إلى تعريته امام نفسه وكشفه على انه مجتمع هش قابل في أي وقت للانهيار، اضف إلى ذلك الخسائر البشرية ومحاصرة التطبيع وفضح إسرائيل امام المجتمع الدولي، وادخالها في اكثر من شيء تكرهه الا وهو ان تكون في مواجهة طويلة الأمد، كما كشفت عن محدودية القوة العسكرية الإسرائيلية، وأكدت فشل شارون في تحقيق الأمن والاستمرار بالقوة. وقد ساهمت ظروف المجتمع الإسرائيلي من حيث اعتبار شارون رمز القوة الإسرائيلية مما يعني ان اسقاطه يعني في المقابل اسقاط نهجه الدموي المتمثل بامكانية الضغط على الفلسطينيين بالقوة. اما من حيث النتائج الاخرى التي ظهرت على هامش الانتفاضة فهي انها وبكل ابداع استطاعت ان تشكل للشعب الفلسطيني نماذج لقيادات فلسطينية مرشحة للبروز في الفترة المقبلة. على انني للأسف اقول انه ورغم ذلك فان الانتفاضة للآن لم تستطع اسقاط الازدواجية في الخطاب السياسي الفلسطيني، كما لم تستطع اسقاط عملية التطبيع بشتى اشكالها وانما حاصرتها وحالت دون انتشارها. وحتى تتحقق المطالب الفلسطينية يجب الغاء ازدواجية الخطاب السياسي الفلسطيني وان يكون هناك ربط عربي واضح مع القضية الفلسطينية وتعزيز الطابع الشعبي للانتفاضة للحد من تطلعات شارون لاستغلال هذه الأحداث. ـ «البيان»: كيف استغلت إسرائيل حادث نيويورك؟ ـ البرغوثي: قبل ان اجيب على هذا التساؤل اريد ان أؤكد على مسألة مهمة وهي نظرة الشعب الفلسطيني للانتفاضة حيث يشدد في كل مرة ورغم كل التضحيات التي قدمها والخسائر البشرية والمادية التي لحقت به ان أهم شيء في المرحلة المقبلة هو المحافظة على استمرار الانتفاضة وترجمة تضحيات الشعب الفلسطيني إلى منجزات سياسية استراتيجية وليست تكتيكية تشبه الفقاعات، ورفض اعتبار المكاسب السياسية الآنية مكاسب يمكن الاقتناع بها من حيث هي. أما فيما يتعلق بسؤالك على الطريقة التي عمدت بها إسرائيل وفي مقدمتها شارون إلى استغلال اعتداءات 11 سبتمبر فان شارون والحكومة الإسرائيلية حاولت استغلال التفجيرات التي حصلت في الولايات المتحدة لتشويه الفلسطينيين والعرب من جهة ومن جهة أخرى احراز تقدم على الأرض مستغلة انشغال العالم بما جرى لأمريكا. أما من جهة أخرى فقد حاولت اقتحام المدن الفلسطينية الا انها فشلت الا ان الفلسطينيين يدركون ان هذه المحاولات الفاشلة ليست هي آخر المطاف. فإسرائيل ستكرر محاولتها باستمرار خصوصاً وان ظروف بدء الأعمال العسكرية ضد أفغانستان تغري شارون بأن يقوم بأي شيء. ـ «البيان»: ما الذي يجب فعله اذن فلسطينيا؟ ـ البرغوثي: كل ما هو مطلوب من الفلسطينيين الآن هو التصدي لمحاولات اجهاض الانتفاضة بحجة الوضع الدولي الهش، والدعوة بوضوح وباستمرار إلى الكفاح الوطني الفلسطيني واستمرار الانتفاضة، بحيث يدرك الإسرائيليون بصورة لا لبس فيها ومعهم كل دول العالم ان راية الكفاح العربي الفلسطيني ستبقى مرتفعة طالما بقي أي جزء من الأراضي الفلسطينية محتلة. ـ «البيان»: بعد التفجيرات التي حدثت في أمريكا، قسمت غزة إلى ثلاث مناطق وقسمت الضفة إلى أكثر من 330 كنتوناً وكان الهدف بحسب محللين فلسطينيين المزيد من الضغط على الفلسطينيين فما الذي يريده شارون من وراء هذا الاغلاق والتقسيم؟ ـ البرغوثي: شارون من خلال الحصار الظالم ومن خلال 190 حاجزا عسكرياً يهدف إلى تحويل الهدف الفلسطيني إلى سجون ومنازل تفصل السكان عن الأراضي بحيث تتيح له فرصة لتهويد الأراضي الفلسطينية. الا ان الشيء الرئيسي والمهم هو ان أياً من المحاولات مهما كان توجهها أو قوتها لن تقتل اصرار الشعب الفلسطيني على النضال والمقاومة من اجل استعادة حقوقه المغتصبة. وقد تطور الأمر لدى الشارع الفلسطيني إلى الحد الذي أصبحنا نرى فيه ان ولادة الام لطفلها، وعلم الطالب نضال وعمل المزارع نضال أي ان الجميع اصبحوا مشاركين فاعلين في النضال من اجل تحرير فلسطين واقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف. وهذا ما لا يستطيع فهمه شارون.. مدى عظمة ارادة الشعب الفلسطيني واصراره على الحياة وتحقيق الحرية. لقد قامت إسرائيل بتقطيع اوصال الأراضي المحتلة، بحيث يتطلب الوصول من مدينة فلسطينية في الضفة أكثر من ثلاث ساعات، إلى جانب عملية الحصار المفروضة على أبناء الشعب الفلسطيني التي جعلت الوضع الاقتصادي للضفة الغربية وضعاً سيئاً للغاية، بحيث اضاعت مبلغ مليار ونصف المليار على الاقتصاد الوطني الفلسطيني، وجعلت 53% من ابناء الشعب الفلسطيني يعيشون تحت خط الفقر، وزادت البطالة بين صفوف الشباب حتى بلغت 257 ألف عاطل عن العمل، كما تم اغلاق 174 مدرسة وهذا اثر على 90 ألف طالب اصبحوا بلا مقاعد دراسية. إلى جانب هدم البيوت وقلع الاشجار وخاصة شجرة الزيتون ذات المردود الاقتصادي، فقد بلغ ما اتلفته إسرائيل من اشجار الزيتون 112 ألف شجرة. ولهذا اقول ان الانتفاضة ليست سلاحاً تكتيكياً أو رهناً بأحد يوقفها حينما يشاء ويحركها متى شاء بل هي ارادة شعب. ان الانتفاضة حالة سياسية اجتماعية نفسية متكاملة جددت عملية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أقنعت الرأي العام العالمي بأن الانتفاضة هي حركة تحرر لشعب محتل من دولة عسكرية مدججة بالسلاح في مواجهة شعب اعزل يحتاج إلى حماية دولية. ان وتيرة الانتفاضة قد تتصاعد وقد تهبط الا انها لن تتوقف قبل ان تنجح في تحقيق نصر سياسي على الارض. وان الانتفاضة التي قدمت حتى الآن 717 شهيداً ما بين طفل وامرأة وعجوز ورجل بالغ، مما اثبت ان إسرائيل لا تفرق بين مختلف فئات العمر، لا سيما وان 99% من اصابات الشهداء كانت في المناطق العلوية من الجسم، ممما يثبت ان إسرائيل تقصد القتل في تعاملها مع الشعب الفلسطيني والانتفاضة. عموماً انطلاقاً من كل هذا اقول ان الشعب الفلسطيني وبعد كل هذه المعاناة والخسائر ليس على استعداد للتراجع عن المطالبة بحريته واستقلاله. ـ «البيان»: هل نحن في هذه المرحلة بصدد عمل سياسي عالمي يتواصل مع طروحات المفكر هنتنكتون، وما هو موقف الفكر الصهيوني ازاء افكاره؟ ـ البرغوثي: الفكرة هي ليست فكرة جديدة هناك كما اتضح في الفترة الاخيرة خطر ان تستغل الحضارات في الدعوة إلى الصراع كما قال رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني بصورة فوقية واستعمارية حول تفوق الحضارة الغربية فذلك ليس مدخلاً قصير النظر، وانما عنصري وهذا ما يحاول شارون ان يستفيد منه فينقسم العالم إلى معسكرين فيه الغرب وإسرائيل والدول الصناعية معا مقابل العرب والمسلمين. هذا تقسيم بائس ولن ينجح ومتناقض مع معطيات الواقع العالمي الذي يفرز العالم من حيث الغنى والفقر وليس من حيث الحضارات والايديولوجيات فالانقسام الحقيقي في عالمنا ليس بين حضارات وانما بين شمال غني وجنوب فقير، ولا يمكن لمن يريد العولمة ان يتحول إليها بصورة انتقالية والحالة العالمية تتحدث عن جزء غني ومستقر وهاديء وجزء فقير مليء بالحروب والمجاعات والامراض ويعيش نصف سكان العالم تحت خط الفقر. ويعرف من يدرك نتائج وسلبيات العولمة انها ليست حرية الاتصال أو رأسمال أو رفع الجمركية بل اصبحت تعني عولمة المشاكل لذلك فالعلاج الصحيح ليست بتوتر صراع حضارات وانما بناء تحالف دولي من اجل فرض القانون والشرعية الدولية والقيم الانسانية ومعالجة مشاكل الفقر والبيئة والحروب وأول اختيار يكون في فلسطين هو اجبار إسرائيل على احترام القانون الدولي والانسحاب من الأراضي المحتلة وتطبيق القرارات الدولية لأن الصراع العربي الإسرائيلي هو أهم عنصر مؤثر ومحرك ومزعزع للاستقرار الاستراتيجي. ـ «البيان»: اذن انت لا ترى ان هناك امكانية لبروز صراع حضاري مستقبلي رغم تأكيدات بعض المحللين السياسيين، وتراها في عالم غني ولديه كل شيء وعالم فقير ليس لديه أي شيء؟ ـ البرغوثي: نعم، انه صراع بين الجشع والانانية والفكر العنصري الاستعماري وبين حاملي رؤية عولمة الطمأنينة والحرية والديمقراطية والتحضر والعدالة وبين الاشخاص الذين لا يحملون هذه الرؤية. انه صراع بين الذين يحاولون ان يعملوا على حل المشكلات في العالم بالقوة العسكرية، وبين من يرى ضرورة حلها بالقانون والشرعية الدولية وبأسلوب يؤمن توازن المصالح. ـ «البيان»: هذا يعني ان العالم لم يسلم من امكانية حدوث حرب عالمية ثالثة خصوصاً بعد تفجيرات أمريكا؟ ـ البرغوثي: انا لا احب هذه التجيرات «حرب عالمية ثالثة» بل نحن بحاجة إلى سلام وجهود عالمية لتحسين اوضاع العالم بأسرها وانتزاع فتيل الحرب وذلك بحل جميع القضايا على اساس القانون وحقوق الشعوب. ـ «البيان»: عودة إلى الشأن الفلسطيني ما هو موقفك من عودة المفاوض الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات؟ ـ البرغوثي: انها ليست مسألة تصفية المسائل ولا يمكن ان يتم تناولها على هذا الأساس، انما هي مسألة نهج اعتمدته الانتفاضة، بحيث أصبح من المستحيل العودة إلى الوضع السابق أي ان حالة الصراع هي من جانب واحد فالجانب الفلسطيني هو ملتزم وإسرائيل هي غير ملتزمة بالقوانين وتطبيق الشرعية الدولية فدولة الاحتلال هي التي تقوم بتهويد القدس وتتطاول على واحد من أهم المقدسات الإسلامية اذن لا يمكن العودة إلى المفاوضات ولا يمكن العودة إلى الاتفاقيات الجزئية اذن المطلوب هو استمرار الكفاح واستمرار الانتفاضة حتى ولو كان هناك مفاوضات لا يجب ان تنتهي الانتفاضة. وانطلاقاً من هذه القراءة اعتقد انه لن يكون هناك جدوى من المفاوضات التي تجري بصورة فردية اذا اردنا مفاوضات يجب ان تجرى في اطار دولي متوازن وتتمحور حول نقطة واحدة وهي تطبيق القانون والشرعية الدولية وبالتالي اجبار إسرائيل بالانسحاب كما جرى في جنوب لبنان. ـ «البيان»: هناك من يرى ان فشل المفاوض الفلسطيني هو الذي ساهم إلى حد كبير في اندلاع الانتفاضة؟ ـ البرغوثي: كان على المفاوض الفلسطيني ان يصر على وضع جدول زمني مهما طال الانسحاب للجيش الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية عام 67 طبقاً للشروط والأسس التي نصت مبادرة الرئيس بوش والمبادرة التي عقد على أساسها مؤتمر مدريد للسلام أكتوبر عام 91. بمعنى ان الشرعية الدولية تتطلب من إسرائيل انسحاب قواتها العسكرية من جميع الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة، ولكن ما تم لاحقاً اننا دخلنا في تفاصيل متعددة افقدتنا القدرة على التأكيد أو العودة إلى النصوص الاصلية لمبادرة السياسة التي تعطي بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشريف التي احتلت عام 67. ـ «البيان»: ماذا عن المساعدات العربية المادية؟ ـ البرغوثي: للأسف ان معظم هذه المساعدات لا تأتي من العالم العربي بل من المؤسسات الإنسانية الأوروبية رغم ان بعض الدول العربية تقدم ما تقدر عليه ولكن ليس كل الدول. عموما احب ان أؤكد ان انتصار الشعب الفلسطيني حتمي وليس امام العالم حل الا ان يعترف بحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والحرية، والقضية بالنسبة لنا قضية حياة أو موت وباذن الله سيتحقق الاستقلال ويندحر الاحتلال. عمان ـ لقمان اسكندر: