تعد العمالة الوافدة من الملفات التي لا تغيب عن واجهة الحياة السياسية الكويتية وذلك لما يشمله هذا الملف من قضايا ترتبط بأبعاد مهمة لها تداعياتها وآثارها على محددات المعادلة السياسية والاجتماعية والسياسية في الكويت، ولمناقشة ذلك الملف يجدر بداية الإشارة إلى واقع العمالة الوافدة في الكويت وما رتبته من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية. تعاني التركيبة السكانية في الكويت خللا واضحا فيما يتعلق بنسبة المواطنين إلى الوافدين وهو ما يتضح من التقارير الرسمية التي أعدت في هذا الخصوص وأهمها التقرير الثامن عشر الذي أصدرته وزارة التخطيط الكويتية والذي يعكس حجم وهيكل المجتمع السكاني والقوى العاملة لدولة الكويت، فقد بلغ إجمالي تعداد سكان الكويت 2243080نسمة منهم 855333 كويتيين بنسبة 38.13%، وبالمقابل بلغ عدد غير الكويتيين 1387747نسمة بنسبة 61.87% موزعة بين جنسيات غير عربية بنسبة 34.18% وجنسيات عربية بنسبة 22.62%، كما وصلت نسبة غير محددي الجنسية إلى 5.07%. وقد انعكس هذا الواقع السكاني على سوق العمل الكويتي حيث تبلغ نسبة الكويتيين من إجمالي قوة العمل 19.62%، أما نسبة الوافدين فقد بلغت 80.38%موزعة على العاملين من جنسيات عربية وتبلغ نسبتهم 23.70%، وجنسيات غير عربية بنسبة55.49%، أما نسبة غير محددي الجنسية فبلغت 1.19%. ونظرا لوجود هوة كبيرة بين أجر الكويتيين وغير الكويتيين، كذلك بين ساعات العمل المطلوبة ما بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى عزوف الكويتيين عن القبول بأعمال دون مستوى تسميات محددة، نجد أن النسبة الأكبر من إجمالي قوى العمل الوطنية تتركز في القطاع الحكومي حيث تبلغ 93.5%، في حين لا تتعدى في القطاع الخاص 5.72% وعلى النقيض من ذلك تتركز النسبة الأكبر من العمالة الوافدة والبالغة 61.71% في القطاع الخاص في حين تبلغ النسبة 9.21% في القطاع الحكومي. ويرجع تفضيل القطاع الخاص لاستخدام العمالة الوافدة لقبولها أجور ومرتبات أقل من العمالة الوطنية، هذا فضلاً عن إعراض الأخيرة عن العمل بالقطاع الخاص الذي يتسم بطول ساعات العمل وقلة الامتيازات الوظيفية من بدلات وأجور وحوافز. وبوجه عام يلاحظ أن حوالي 88.44% من إجمالي عدد العمالة الوافدة يتركز في الأنشطة التالية: تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق بنسبة 58.29%، الخدمات الاجتماعية بنسبة 12.93%، الصناعات التحويلية بنسبة 8.83%، التشييد والبناء بنسبة 8.83%، بينما نشاط الكهرباء والغاز والمياه من أقل الأنشطة الاقتصادية اعتمادًا على العمالة الوافدة حيث لا تتجاوز نسبة العمالة به 591 عاملاً بنسبة لا تتعدى 0.08%. ويلاحظ أنه على الرغم من أن الغالبية العظمى من عمالة القطاع الخاص هامشية بمعنى أنها عمالة إنتاجية وعمالة تشغيل تضم عمال مهن مرتبطة بهم، فقد أوضحت إحدى الدراسات التي أجريت على العمالة الوافدة في القطاع الخاص أن نسبة الأمية بين عمال هذه الفئة لا تتجاوز7.7%، في حين أن 64% من أفراد هذه الفئة وصلوا إلى التعليم المتوسط، كما تصل نسبة الحاصلين على شهادة ثانوية أو ما يعادلها إلى 17.25، في حين أن نسبة الحاصلين على مؤهل جامعي وصلت إلى 10.6%. وقد كان للغزو العراقي أثر واضح في تغيير طبيعة العمالة الوافدة في الكويت حيث انخفض حجم الجنسيات العربية بشكل واضح يبرزه الانخفاض في أعداد العمالة الفلسطينية ـ الأردنية في الكويت من 400 ألف فلسطيني عام 1990 إلى ما دون 20 ألف في نهاية التسعينيات وقدرته إحدى الدراسات بحوالي 8640 في عام 1999. وكانت النتيجة المنطقية لهذا الانخفاض في العمالة العربية زيادة مقابلة في أعداد الوافدين من الجنسيات غير العربية خاصة الآسيويين، ساعد على استمرار هذه الظاهرة في السنوات التالية على الغزو مجموعة من العوامل منها: ـ التغيرات الاقتصادية العالمية، خاصة ما يتعلق بسياسات منظمة التجارة العالمية في إسقاط الحواجز الجمركية وفتح الحدود الأمر الذي أثر بدوره في صياغة سياسات استقدام وإقامة العامل الأجنبي. ـ الدور الكبير الذي يقوم به القطاع الخاص أعطاه القدرة على المساهمة في تشكيل التوجه الاقتصادي وبالتالي في طريقة الاستقدام ونوعية العمالة المستخدمة. ـ التحولات المجتمعية أفرزت مجموعة محلية ووافدة ذات مصلحة في استمرارية هذا الوضع. الآثار السلبية بوجه عام نجد أن العمالة الوافدة وخاصة غير العربية قد رتبت عددا من التداعيات السلبية في كل مجالات الحياة بالكويت اقتصاديا وأمنيا وسياسيا واجتماعيا، وهو ما يمكن عرضه في النقاط التالية: ا ـ اقتصادياً: تتمثل في1 ـ تحتل العمالة الوافدة الأماكن التي كان من المفترض أن يشغلها الخريجون الجدد، الأمر الذي أدى إلى انتشار البطالة في أوساط المواطنين، وبطبيعة الحال فإن العمالة الوافدة لا تنقل خبراتها ومهاراتها إلى المواطنين العاملين معها كي يستمر الطلب على تخصصاتها وبالتالي عدم إنهاء عقودها، ومن ناحية أخرى أدت مشكلة الخريجين العاطلين إلى بروز ظاهرة البطالة المقنعة بعد أن قامت الحكومة بتعيين هؤلاء الخريجين في وظائف حكومية قد لا تحتاج فعليًا إلى هذه الأعداد. 2 ـ أدى انتشار العمالة الوافدة إلى إحجام المواطنين عن أداء بعض الأعمال وانخفاض مستوى أدائهم وإنتاجيتهم في أعمال أخرى وبروز ظاهرة تغيب وعدم تحمس المواطنين للعمل مما أدى بدوره إلى قصور مساهمة قوة العمل الوطنية في مسيرة التنمية التي تقودها الحكومة الكويتية منذ سنوات. 3 ـ تستنزف العمالة الوافدة موارد البلاد من خلال التحويلات المالية التي يرسلها الوافدون إلى دولهم في الخارج وتقدرها بعض الإحصاءات بأكثر من ملياري دولار. 4 ـ نتج عن استقدام العمالة الأجنبية التوسع في استيراد الغذاء والسلع الاستهلاكية لتلبية الاحتياجات المتزايدة ومن ثم زيادة الطلب الكلي على تلك السلع والخدمات مدعومة بالقوة الشرائية التي تؤثر على الميزان التجاري نظرًا لكون الكويت تقدم خدمات الإعاشة للأجانب المقيمين على أراضيها بصورة شبه مجانية. «ب» ثقافياً واجتماعياً: تتعلق بالمخاوف السائدة حاليًا من محتوى وطبيعة التنشئة الاجتماعية للأطفال الكويتيين في ظل الانتشار الواسع لاستخدام المربيات الأجنبيات وما ينتج عن ذلك من انتقال قيم أخلاقية متباينة عن القيم الإسلامية وطبيعة المجتمع الكويتي، هذا فضلاً عما تنقله الجاليات الأجنبية من أمراض اجتماعية وممارسات ساعدت على انتشار ظاهرة العنف في المجتمع. ومن ناحية أخرى، يخشى البعض على اللغة العربية من تأثير اللغات الأجنبية التي تستخدمها العمالة الوافدة حيث انتشر استخدام المفردات الإنجليزية والهندية والفارسية في اللهجة المحلية الكويتية. «ج» سياسياً وامنياً: شكلت العمالة الأجنبية غير العربية والآسيوية على وجه الخصوص عامل عدم استقرار مجتمعي في الكويت حيث توفر هذه الجماعات بيئة خصبة لشتى أنواع الجرائم وقد كشفت الصحف خلال الأشهر الماضية عن القبض على الشبكة الآسيوية التي مارست أعمالاً إجرامية تمثلت في الخطف والتهديد وحجز الحريات بالإكراه والابتزاز وممارسة أعمال غير أخلاقية، إضافة إلى الاتجار بالمخدرات وغيرها. ووفقًا للإحصائيات وصل إجمالي الجنايات المسجلة التي نفذها وافدون في عام 1996 2693، وفي عام 1997 وصلت إلى 2686 جناية، وفي عام 1998 وصل العدد إلى 2351 جناية، وشهد عام 1999 ارتفاعًا ملحوظًا بلغ عدد الجنايات 2985جناية، أما آخر إحصائية عام 2000 فبلغ عدد الجنايات التي ارتكبها الوافدون 39196جناية. من ناحية أخرى، تشير نتائج إحدى الدراسات إلى أن هناك مخاوف من تحول العمالة الوافدة إلى قوى تمارس دورا سياسيا يشكل خطرا على الوجود والكيان السياسي ويمارس ضغوطًا معينة على الدولة، فبالإضافة إلى التخوف من تكوين كنتونات عرقية وإثنية يظهر القلق من تزايد أعداد هؤلاء المهاجرين الذين يفرزون أجيالا قد يتحولون بمرور الوقت من مستوطنين إلى متوطنين لهم أوضاعهم الاجتماعية الخاصة بهم. كما تشير السوابق التاريخية إلى أخطار تلك العمالة على الكويت وإلى إمكان سعي بعض القوى الخارجية لممارسة ضغوط على الكويت فيما يتعلق بأوضاع العمالة المنتمية لها، فعندما قام الهنود بإضراب في منطقة الشعيبية عام 1978 مطالبين بزيادة الأجور وتحسين شروط العمل أدى ذلك لردود فعل رسمية في الهند حيث أعلن وزير الصناعة الهندي على إثر ذلك أن الحكومة الهندية تدرس الأسباب والظروف التي أحاطت بتلك الأحداث.. كما أنها سوف تنظر في مسألة «المضايقات» التي يتعرض لها الهنود في بعض أقطار الخليج. كما شهدت الكويت خلال عام 1999 عدة إضرابات للعمالة الآسيوية في بعض شركات النظافة، ومع التسليم بأن تلك الاضرابات لم تكن تستهدف سوى الاحتجاج على الأجور فإنه من غير المستبعد أن تقوم بعض الأطراف الخارجية باستغلالها لتهديد الأمن الداخلي للكويت. «د» ديموغرافيا: ترتبط بما يمكن أن يحدث من اختلال في التركيبة السكانية في الكويت، نتيجة لظروف العمل التي تفرض استقدام عدد كبير من الذكور في مقابل عدد أقل من الإناث، فقد أشارت أحدث الإحصائيات إلى أن هناك تفاوتًا كبيرًا بين عدد الذكور وعدد الإناث من غير الكويتيين إذ بلغ عدد الذكور 932636، أما عدد الإناث فوصل إلى 455111 أنثى، كما أدى نظام الكفيل وفرض رسوم على الوافدين إلى إحجام عدد كبير من العاملين الأجانب عن جلب عائلاتهم إلى الكويت، الأمر الذي يهدد بتحول الكويت إلى مجتمع عزاب بما يشمله ذلك من تداعيات وآثار سلبية على أمن واستقرار المجتمع الكويتي. يضاف إلى الآثار السلبية السابقة ما قد تلحقه العمالة الوافدة من تشويه لصورة الكويت الخارجية نتيجة لما يُثار عن سوء أوضاعها المعيشية وما تعاني منه من مشكلات وهو أمر يجافي الواقع وتستغله العديد من منظمات حقوق الإنسان بصورة سلبية. والواقع أن أوضاع العمالة غير المناسبة-التي يثيرها البعض من آن لآخر-ترجع في حقيقة الأمر إلى دخول الآلاف من هذه العمالة إلى الكويت بطرق غير قانونية أو أن يكون دخولهم قانونيا ثم تنتهي فترة الإقامة المصرح بها ومن ثم يلجأ العاملون للتهرب وقبول أقل الأجور بهدف البقاء بالكويت التي ترتفع مستويات معيشتهم بها مقارنة بأوضاعهم في بلدانهم الأصلية. ولمواجهة هذه الآثار والمشكلات لجأت الحكومة الكويتية لمجموعة من الآليات لتنظيم استقدام ووجود العمالة الوافدة من بين هذه الآليات ما يلي: تعديل قانون العمل الكويتي عام 1995 والصادر في عام 1964 حيث تضمن عقوبة الحبس 3 سنوات وغرامة 500 دينار لمن يثبت إتجاره بالإقامات. إنشاء لجنة ثلاثية من وزارات التجارة، والشئون، والداخلية للتفتيش بشكل دوري عن نشاط العمالة الهامشية التي تتواجد بلا عمل في شوارع الكويت والتأكد من إقامات هذه العمالة. مطالبة وزارة الشئون منفذي المشاريع الحكومية بتنويع الجنسيات داخل المشاريع بحدود ثلاث جنسيات، فضلاً عن اتباع آلية محددة لدفع الأجور حيث أصدرت الوزارة قراراً رقم 110 يلزم أصحاب الأعمال الذين يدفعون راتب أكثر من 100 دينار بتحويلها إلى البنوك. إنشاء مساكن خاصة للعزاب تتوافر فيها جميع الشروط الملائمة للإقامة روعي أن تكون بعيدة عن سكن العوائل. الارتكان إلى تنظيم استقدام العمالة من خلال الاتفاقيات الدولية فقد أعلن في بداية العام الحالي أن وزارة الشئون الاجتماعية والعمل ستقنن العمالة الوافدة ضمن خطة مدروسة بموجب احتياجات سوق العمل وفقًا لاتفاقيات ستبرم مع مصر وسوريا وبنجلاديش وإيران لتنظيم العمالة ورعايتها، إضافة إلى رفض العمالة غير المؤهلة أو الأمية والسماح فقط بدخول العمالة التي تحمل الشهادات المتوسطة أو الثانوية. ولعل أهم الآليات التي لجأت إليها الحكومة الكويتية في هذا الصدد هو قانون دعم العمالة الوطنية وهو مشروع مشترك بين الحكومة ومجلس الأمة صدر في مايو من العام الماضي ويتضمن سبع مواد عبارة عن مزايا تشجيعية تقدم للمواطن الراغب بالعمل في القطاع الخاص وصاحب العمل أيضا ومنها التزام الحكومة بتقديم علاوة اجتماعية وعلاوة أولاد للذين يلتحقون بالعمل في القطاع الخاص تبعاً لمستوى شهادة العامل وحالته الاجتماعية إضافة إلى تخفيض مدة الخدمة العسكرية الإلزامية إلى النصف، وإعطاء بدل نقدي لكل عاطل عن العمل، كما تضمن المشروع ثلاث مواد لتنظيم تحديد نسبة العمالة الكويتية المطلوبة في القطاع الخاص ومادة واحدة تتعلق بتوفير الموارد المالية لتغطية تكاليف تنفيذ المشروع. ويدعم هذا القانون استراتيجية الإحلال أو التكويت التي تنتهجها الحكومة منذ عام 1993، فمنذ ذلك العام تقوم أجهزة الدولة بإحلال ما يعادل 10% سنويا من العمالة الوافدة بعمالة كويتية وطنية وتخفيض الاعتمادات المالية المخصصة لوظائف غير الكويتيين بنفس النسبة عند إعداد الميزانية كل عام. كما ظهرت في الفترة الأخيرة بعض التوجهات نحو تعريب العمالة في الكويت إذا ما تعذر التكويت أو كخطوة مكملة له وذلك في ضوء الآثار السلبية التي ارتبطت بوجود العمالة الوافدة الأجنبية خاصة المرتبطة منها بمنظومة القيم والأخلاق الدينية التي يمكن التقليل من حدتها بإحلال العمالة الأجنبية بأخرى عربية لها نفس الخبرات وتشترك مع المجتمع الكويتي في النسق القيمي والمنطلقات الدينية. وعلى الرغم من تلك الخطوات ثمة بعض التحديات والعقبات التي تواجه السياسة الكويتية في هذا الشأن منها: عدم توافق مخرجات التعليم واحتياجات الأنشطة الاقتصادية المختلفة وهذا ما يتضح فيما أعلنه د. صالح الشيخ الوكيل العام المساعد لقطاع الشئون المالية والإدارية بوزارة الشئون الاجتماعية والعمل من أن الوزارة تطالب بضرورة خفض نسبة ال10% التي تنتهجها في إطار سياسة إحلال العمالة الوطنية محل الوافدة في الوزارات والهيئات الحكومية مشيرًا إلى أن الوزارة لديها بعض المهن التي لا يمكن تطبيق سياسة الإحلال فيها في الوقت الراهن منها المهن الطبية وبعض المهن المتخصصة كالمحاسبين والقانونيين وبعض الوظائف الصغيرة التي لا يمكن شغلها من قِبَل العمالة الوطنية. عزوف الكويتيين عن العمل في القطاع الخاص بسبب انخفاض الرواتب والأجور وطبيعة العمل، وفي هذا الصدد يشير البعض إلى أن معدل رواتب العمالة الوافدة هو حوالي 180 ديناراً وهو ما لا يمكن أن يتناسب مع الظروف الاجتماعية لمعظم المواطنين. كذلك هناك النتائج الاقتصادية السلبية المترتبة على تخفيض أعداد الوافدين في الكويت والتي تؤثر على فعالية تلك العملية ومن أهمها الأزمة المتوقعة بالقطاع العقاري حيث أشارت إحصائية لوزارة التخطيط إلى أن الانخفاض في أعداد المقيمين في ظل زيادة أعداد البنايات السكنية الجديدة التي دخلت سوق الإيجارات في الفترة الأخيرة سيؤدي إلى ارتفاع المعروض من الوحدات السكنية وانخفاض الطلب مما سيؤثر على مستوى الدخول بهذه البنايات التي سيضطر أصحابها لخفض قيمتها بدأت هذه الأزمة في الظهور جليا في المناطق الخارجية التي تعرضت بناياتها في العام الجاري إلى تخفيض في الإيجارات تراوح ما بين 5-20%، في حين بقي كثير منها خاليًا لفترة طويلة. هذا بالإضافة إلى القطاع التجاري الذي يعاني من أزمة بدت واضحة مع ارتفاع أعداد المحال التجارية الخالية خاصة في المجمعات التجارية الكبرى والتي اضطر أصحابها إلى الاستغناء عن شرط الخلو لتأجيرها بسبب عزوف صغار المستثمرين، إضافة إلى ضعف وانخفاض القوة الشرائية في البلاد بالرغم من الدعم الحكومي للتجار والمتمثل في المهرجانات التي تقام في البلاد مثل مهرجان «هلا فبراير» وغيره. أما عن التوجه الحكومي لتوطين الوظائف، فثمة معوقات تقف دون تفعيل هذه الخطوة من أهمها معطيات المنفعة الاقتصادية لدى أرباب العمل الذين يفضلون استخدام العمالة الآسيوية الرخيصة. وبوجه عام يرى بعض الخبراء أن الجهود الكويتية السابق الإشارة إليها لمعالجة قضايا العمالة الوافدة على الرغم من أهميتها إلا أنها لم تصل إلى جوهر المسائل الأساسية ذات الصلة بجوهر المشكلة حيث طرحت التشريعات والقوانين حلولا وقتية تتصل بدعم العاطلين عن العمل وتقديم الحوافز لرجال الأعمال في القطاع الخاص دون أن تطرح الحلول الملائمة للمعوقات التي تحول دون أن يصبح القطاع الخاص مشغلا أساسا للكويتيين. في هذا السياق ونحو سياسة توظيف أكثر فعالية ثمة بعض التوصيات التي يمكن عرضها في النقاط التالية: ضرورة إعداد قاعدة بيانات عن القوى العاملة وتصنيفها حسب المهن والتعليم والتخصص وتحديد المعروض منها والحاجة إليها وذلك حسب النشاط الاقتصادي. وضع خطة مدروسة تحدد احتياجات الدولة من التخصصات النادرة والفنية التي لا يقبل الطلبة على التخصص فيها والتي لا يزال الاعتماد فيها قاصرا على العمالة الوافدة، ويرتبط بهذا ترشيد وتقنين نوعيات العمالة الوافدة التي يتم استقدامها من الخارج وقصرها على المهن التي يحتاجها سوق العمل. إحداث تغييرات نوعية في برامج التعليم وخاصة برامج التدريب والتعليم الفني والمهني، بما يلبي احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية من العمالة الوطنية، مع إيجاد حملات إعلامية موجهة نحو إعلاء قيم العمل المنتج والمهني ودحض الأفكار السلبية لدى الشباب تجاه هذه الأعمال. تشجيع دخول الشباب في مجال المشروعات الصغيرة التي تتيح فرص عمل لأعداد كبيرة ويفترض أن تساهم الدولة وتشجع تلك المشروعات عن طريق تقديم الأرض والقروض بشرط التأكد من عمل الشباب بأنفسهم في تلك المشروعات. ولتفعيل مشاركة القطاع الخاص في جهود الإحلال فهناك مجموعة من المقترحات في هذا الصدد منها رفع تكلفة العمالة الوافدة بفرض رسوم على استقدامها وتشغيلها يتحملها صاحب العمل وذلك لحفزه تشغيل العمالة الوطنية مع تحديد حد أدنى للأجور في القطاع الخاص قابل للمراجعة ويتناسب مع مستويات المعيشة وذلك كحافز لتوجيه المواطنين للعمل في هذا المجال، إضافة لمقترح بإنشاء صندوق للتمويل المشترك تساهم فيه مؤسسات القطاع الخاص لإعداد وتدريب الكوادر الوطنية التي يحتاجها سوق العمل وربط المزايا والحوافز التي تمنحها الدولة لمؤسسات وشركات القطاع الخاص بمدى التزامها بتطبيق القرارات والإجراءات التي تساعد في تنمية العمالة الوطنية. الالتزام بسياسة الإحلال التي تقوم الحكومة بتنفيذها بنسبة 10% سنويا مع إعطاء هامش من المرونة لتلبية الحاجات الملحة لبعض الهيئات خاصة من الفنيين والمتخصصين. يرتبط بهذا تحديد مهن معينة تقتصر على الكويتيين وتحديد نسبة معينة للمواطنين في كل مهنة أو نشاط اقتصادي، كما يقترح البعض منع تأجير المنشآت والأعمال الحرفية للوافدين لأن ذلك يخل بالأهداف المرجوة ويدعم عدم التوازن في التركيبة السكانية التي تسعى الكويت لتعديل أوضاعها. الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في تحديد نسبة العمالة التي تدخل البلاد للعمل تضع الدول الأوروبية والولايات المتحدة ضوابط لدخول العمالة من أهمها ألا تزيد نسبة كل جنسية على 10% من مجموع العمالة الأجنبية وهو ما يحقق المحافظة على التوازن السكاني مع المواطنين، فضلاً عن تخفيف عبء الخدمات التي تقدمها الدولة مجانا للمواطنين. إيجاد الحلول المناسبة للحد من العمالة الهامشية من خلال استقدام العمالة عبر نظام انتقائي لاختيار الأفراد على أساس معايير معينة لخصائص كل مجموعة مهنية وفتح أسواق العمل للعمالة الوافدة في التخصصات النادرة مع تنظيم سبل استصدار التراخيص بأنواعها المختلفة. تشديد العقوبات القانونية المفروضة في إطار مكافحة وتنظيم ظاهرة تجارة الإقامات حتى تكون رادعًا قويًا لممارسي هذه التجارة. يقترح البعض إلغاء نظام الكفيل للعمالة الوافدة واستبداله بنظام أكثر مرونة يحفظ حقوق كل من الوافد وصاحب العمل ويسهم في تفعيل وتسريع عجلة التنمية وحركة الاقتصاد. في النهاية يرى المحللون أن الخروج من دائرة إشكالية العمالة الوافدة في الكويت يحتاج إلى تزامن الحلول قصيرة الأجل مثل القوانين والتشريعات المختلفة خاصة قانون دعم العمالة الوطنية مع الحلول متوسطة وطويلة الأجل مثل إعادة هيكلة الاقتصاد بالتخصيص مع مراجعة خطط التعليم والتدريب وقيم العمل والإنتاج والتعاون الإقليمي بما يحقق أهداف الدولة التنموية. الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية :