فتح مكتب «البيان» في بيروت ملف الحريات العامة في لبنان مع عدد من السياسيين والمثقفين والمهتمين منهم غسان غصن رئيس الاتحاد العمالي العام والصحفي والإعلامي سمير عطا الله والدكتور انطوان سيف رئيس الرابطة الثقافية في انطلياس. وبدأ رئيس الاتحاد العمالي العام حديثه عن الاهتزاز الحاصل في وضع الحريات العامة في لبنان بالاجابة عن سؤال حول نظرة الاتحاد إلى هذه المسألة. ـ اريد ان أؤكد على نقطة اساسية في البداية وهي انه اذا كانت الحريات في خطر عندنا، فان هذا يعني ان لبنان نفسه هو في دائرة الخطر، لانه وطن قائم عليها، وبدونها لا وجود له. ـ انطلاقاً مما نلاحظه ونتابعه يجب ان نضع الحرية كواحدة من القيم التي لا يجوز ان تكون في اية لحظة من اللحظات عرضة للتعرض لها بشكل او بآخر. كذلك فانه من غير الجائز ان نصغر قيمة الحرية، ونجعلها في التداول عند اي عارض، خاصة اذا كان هذا الاخير لا يقصدها مباشرة وجاء إلى جانبها. فالحرية واحدة من القيم المثلى الكبرى لايجوز في النهاية استغلالها، أو تصغير دورها وحجمها. اعتبر ان الحريات في لبنان مصانة، ومقدسة، وقيمتها هي قيمة مثلى لا يتعرض لها احد. فالنظام يحميها، كذلك النقابات تدافع عنها وتحميها بدورها، وموضوع الحرية عندنا ليس في خطر على الاطلاق. حديث نظري ـ يبدو انك تتحدث نظرياً، خاصة عندما تقول ان الحرية قيمة مثلى، هذا صحيح، لكن عند ممارسة الأمور تختلف الاوضاع، وتنقلب القيم، وتستبد الاعتبارات المفروضة. هل تستطيع كرئيس للاتحاد العمالي العام القول ان الحركة النقابية تمارس حريتها في المصاف نفسه لتلك المثالية القيمية في الوقت الحاضر؟ ـ بالتأكيد انها تمارسها. ففي الأمس القريب كان الاتحاد العمالي العام يتظاهر في الشارع، عندما اختلف مع الحكومة في الرأي على احدى سياساتها وزؤاها، خاصة لجهة موازنة العام الجديد. اختلف الاتحاد مع الحكومة حول الميزانية العامة، فنزل إلى الشارع وعبر عن رأيه بصورة ديمقراطية دون ان يتعرض للقمع او للإرهاب والترهيب فاخذ مجلسه التنفيذي قراراً ونزل إلى الشارع، وعبر عن رأيه. المنع من التعبير ـ لكن هذا لا ينطبق على الرئاسة السابقة للاتحاد فالسلطة وضعت سلفك الياس ابو رزق، والأمين العام السابق للاتحاد ياسر نعمة في السجن، لانهما قادا تظاهرات عمالية عبرت عن اراء العمال ومطالبهم؟ كيف تفسر ذلك؟ ـ الواقع ان ادخال نقابي إلى السجن، وممارسة السلطة لدورها، امران غير متصلين بالحرية. عادة ترى السلطة انه يجب ان تمارس ضغوطاً على النقابيين من جانبها، وذلك من خلال دعاوي تقيمها ضدهم، فالدعوى على الرئيس السابق للاتحاد «ابورزق» من قبل الحكومة، رأت فيها انه يعرض سمعة لبنان للخطر، او ما شابه من ذلك، فاقيمت الدعوى عليه وسجن، واثناء سجنه جرت تحركات مؤيدة له، فأخلى سبيله، وهو يخضع للمحاكمة اسوة بكل النقابيين الذين تعرضوا في مختلف انحاء العالم وتعرضوا للأمر نفسه. لكن هذا ليس متصلاً بالحرية، أو بممارستها. فنحن قادرون ان نعبر عن رأينا، وطالما اننا كذلك فان الدولة تتبع وسائل تحاول من خلالها ان تمنعنا عن ذلك، لكن حق التعبير مصان، وقدرتنا للتعبير وفيه مؤمنة ـ وفي مواجهاتنا للسلطة نمارس ذلك بحرية. بين الترغيب والترهيب ـ ما هي الوسائل التي تعمد اليها السلطة عادة للتضييق على العمل النقابي؟ ـ غصن: ربما هناك وسائل تحاول من خلالها الدولة ان تثنينا عن مظاهرة، أو القيام بتحرك ما من خلال دعوتها لنا بالتريث او التمهل تحت شعار أو منطق يقول: ان الوضع السياسي لا يحتمل ذلك، أو انه معرض للاهتزاز. لقد مارست السلطة علينا مثل هذه الاعمال الترغيبية اذا جاز التعبير، لكنها لم تمارس الحكومة اي نوع من الترهيب. ـ لكن الا تعتقد ان عدم تحقيق مطالب العمال هو نوع من الترهيب بحد ذاته، وبالتالي انه ضرب من ضروب الاساءة الرسمية إلى الحرية؟ ـ لا يمكن اعتبار ذلك لان الحرية هي قيمة مطلقة لا يجوز تجزئتها وتصغير حجمها. الحرية هي ان يكون عندك حق في التعبير، والتحرك، والقيام بما تراه انه يدفع باتجاه تحقيق مطلبك، لكن تحت سقف القانون بطبيعة الحال، والا يصير للحرية معنى آخر.أما حول ما اذا كانت الدولة، عندما لا تعطيك حقك، تكون لا تؤمن لكن الحرية في هذا المجال، فاننا نكون قد أعطينا للحرية معنى آخر. اعتبر انه لولا الحاجة، من خلال القيام بحركة أو تحرك لتحسين وضعنا الاجتماعي والمعيشي، لما كان هناك نقابات وبمجرد الاعتراف والقبول بها من قبل الدولة، فهذا امر متصل بممارسة الحرية أي حرية تحركك للمطالبة بتحسين وضعك الحياتي، وظروفك المعيشية، او لتبديل ظروف عملك في مواجهة صاحب العمل الذي اذا ما طالبته، ربما لا يعطيك حقك. لذلك اعتبر انه طالما اننا موجودون، طالما اننا نمارس حقنا بحرية، ودورنا في التعبير عن رأينا، وبما ان هذا الدور موجود فان الحرية كذلك. الحرية والجوع! ـ لكن هل التعبير يكفي لتأكيد وجود الحرية؟ الا يعني السماح به احياناً مجرد «تنفيس عن احتقان»؟ وهل هناك حرية مع الجوع الكافر؟ يعني هل مجرد المطالبة بالحق يؤكد وجود الحرية؟ أم الحصول عليه أيضاً؟ ـ هل هناك حرية مع الجوع؟ يمكن مناخ الحرية يصير أكبر، عندما يكون الإنسان جائعا لان الترف ربما يقلل من حركته في المطالبة. ربما كل ما احس الإنسان بالحاجة أكثر كلما احس بأنه يجب ان يطالب. وهنا أهمية وجود مناخ المطالبة والذي هو الحرية. اذا لم يتأمن مثل هذا المناخ يصبح هنالك قمع للحرية. انما الجوع حكماً، هو الذي يجعلنا نرفع صوتنا اكثر، ونزيد تحركاتنا المطلبية ـ فالترف والاسترخاء يقللان من دور الحرية في هذا المعنى. ـ هل يتيح ذلك المناخ التعاون بين النقابات وتجمعاتها؟ فاذا كان السماح بالمطالبة قائماً لماذا لا تتوحد هذه النقابات أو الاتحادات النقابية، بحيث ان ثمة نقابات محسوبة على هذه الطائفة أو تلك، أو تخضع لتأثير هذا المسئول أو الزعيم السياسي أو آخر؟ ـ نحن نعمل على مستويين مستوى الاتحاد العمالي العام الذي يضم الحركة النقابية العمالية كافة، وهو مكون من 37 اتحاداً، واتحادنا هو اتحاد قطاعي واتحاد مؤسسات فضلاً عن ان كل الحركة العمالية تستظل، أو تندرج في اطار «الاتحاد العمالي العام». وهناك على المستوى الثاني: «هيئة التنسيق النقابية» التي تضم مع «الاتحاد العام» ذاك، المعلمين واساتذة الجامعات، ومدرسي المدارس الخاصة، والمتقاعدين، وكل الهيئات التي تلتقي أو تتصل بالوضع الاقتصادي والمعيشي في حركتها المطلبية وتعمل تلك الهيئة تحركها، غالباً بالتنسيق فيما بينها. الواقع الصعب ـ ما هو تقييم الاتحاد العمالي العام لانعكاس الاوضاع والظروف الاقتصادية القائمة على حياة الناس والمواطنين بصورة عامة؟ ما أبرز تأثيراتها عليهم؟ ـ غصن: يجب ان اؤكد في البداية على أمر، وهو انه في بلد يشبه نظامه الاقتصادي النظام القائم في لبنان، أي الاقتصاد الحر، أو القائم على اقتصاد السوق والعرض والطلب، فانه غالباً، ما تمر مثل هذه الأنظمة الاقتصادية بأزمات. ومن الطبيعي ان مثل هذه الأزمات الاقتصادية تنعكس مباشرة على ذوي الدخل المحدود والاجراء وصغار الكاسبين، أي على الشريحة الضعيفة في المجتمع. وتطال أكثر التأثيرات هذه الجماعة من الناس لان قدراتهم على تلبية حاجياتهم تصبح لضعف وقلة ولاسيما منها ما يتعلق بالحاجيات الاساسية. من هنا يأتي دور الحركة النقابية عامة، والحركة النقابية العمالية خاصة، في المطالبة على خطين، الأول هو الدعوة إلى الخروج من الأزمة الاقتصادية، وهذه دعوة اطلقها الاتحاد العمالي العام للتنسيق بين اصحاب العمل والعمال وبالتالي الدولة التي يصر الاتحاد على ان يبقى لها دور الرعاية في المجتمع. من مصلحتنا، كجانب ضعيف في المجتمع ان تبقى الدولة هي الراعية حتى لا يختل التوازن الاجتماعي. لذلك فاننا ندعو باستمرار إلى قيام حوار لانتاج عقد اجتماعي يخرج البلاد من الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها. وبطبيعة الحال فان رسم هذه السياسة يتم بالتفاهم بين الجميع، لان الاتحاد العمالي العام يرى انه لا يمكن لجماعة او لفرد واحد ان يستطيع ان ينتج حلاً اجتماعياً يرضي كافة اطراف المجتمع. بالنسبة للانعكاسات السلبية، فان الأزمة الاقتصادية تطال اكثر ما تطاله تلك الشريحة الاجتماعية، من هنا تزداد في ظل هذه الأزمة، الحركة المطلبية للحفاظ أولاً على الحقوق والمكاسب التي اخذها العمال وحسنوا بها اوضاعهم الاجتماعية، والتي يحاول أصحاب العمل ان يأخذوها منهم تحت شعارات مثل ان ظروف البلد لا تسمح باعطائها كحقوق ومكاسب للعمال. من هنا ينشأ الصراع بين أصحاب العمل وبين العمال، للحفاظ على المكاسب، والحد ما امكن من انعكاس الأزمة الاقتصادية على العمال وذوي الدخل المحدود. الحد الأدنى الصحفي سمير عطا الله يرى ان الحريات في حدها الأدنى لكن لاخوف عليها لأن تراث الحرية لن يتراجع أكثر. ـ ما هي الاخطار أو التحديات التي تواجه الحريات في لبنان؟ ـ الواضح ان الحرية في لبنان ليست في أفضل حالاتها. واننا نلاحظ منذ بضعة اعوام سعياً نحو تضييق الحريات بشكل أو بآخر، منها الحد من التراخيص التلفزيونية والذي عاد والغي فيما بعد، واعيد لأصحاب الامتيازات امتيازاتهم. ومنها معاملة الطلاب والدخول إلى حرم الجامعات كما حدث مؤخراً. وفي رأيي ان انتهاك حرم الجامعة هو أمر لايجوز لا في لبنان، ولا في غيره، وقد سميت الجامعة حرماً لان لها حرمة خاصة هي حرمة العلم والصروح العلمية، وهذه امور لا نقاش فيها. لا بالامس، ولا اليوم، ولا غداً. هذا الأمر بالذات لا يليق بلبنان. ولبنان، ليس فقط من قبيل التكرار، أو ترديد ما يتردد، هو والحرية صنوان حقاً. ولا معنى للبنان من دون حرية، أو اذا كان سوف يتخلى عن هذا التقليد الذي يعود على الأقل إلى بدايات القرن التاسع عشر. لقد حمل اللبنانيون مشاعل الصحافة حين ضاقت بهم الحريات في لبنان الضيق حجماً، في القرن التاسع عشر أي أيام الحكم العثماني، وحملوا اقلامهم وذهبوا إلى المنافي في أوروبا وامريكا اللاتينية، وعلى الاخص في مصر، حيث انشأوا الصحافات الكبرى. فالحرية عند اللبناني هاجس وافتتان، وهي التي ادت في النهاية إلى ما يمكن ان نسميه تجاوزاً، إذا شئت الابداع في الصحافة والاعلام، يعني في لبنان الان مثلاً، وبسبب ذلك التراث، هناك قوة بشرية اعلامية كبرى موزعة ليس فقط في لبنان، ولكن في الخليج واوروبا وامريكا وفي كل مكان، والسبب هو ذلك التراث، ليس معهد الاعلام هو الذي انتج كل هذه الصفوف والطوابير من الاعلاميين، وانما هو المناخ والتراث الاعلاميان. هذا التراث الاعلامي هو الذي انشأ كل هذه الاجيال من ادباء ومفكرين وشعراء. هذا البلد «لبنان» الصغير العدد هو الذي اعطى للعالم العربي، ليس بالضرورة أفضل صحفيين واعلاميين، وانما العدد الاكبر منهم. بهذا المعنى، فان للحرية في لبنان معنى خاصاً، وأهمية خاصة، ودوراً خاصاً، ومهمة خاصة، ولو ان هذه الحرية شابها من الشائبات ما شابها عبر السنين، وهذا أمر طبيعي، دائماً الكثرة تولد نوعاً من الاخطاء، غير ان القلة، ينطبق عليها القول الكريم: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، يعني الاعلام اللبناني يجب ان لا يؤخذ بالقلة التي عابته، او التي شابته، الان كما قلت في السؤال، هو: هل كل هذا التراث مهدد؟ انا اعتقد انه ليس مهدداً، واظن صادقاً انه في اللحظة التي تصبح فيها الحرية في لبنان امراً ملغياً، او منسياً، يكون البلد نفسه قد انتهى، لا تعود آنذاك المسألة تتعلق بالحريات أو بالاقتصاد أو ما شابه من عناصر يتركب منها البلد، انما مسألة هذا البلد كله بحد ذاته. يكرر الرئيس اميل لحود القول دائماً انه مع الحريات وان اي مؤسسة اعلامية لن تطال في عهده. وقد رأينا ان اول ما فعله هو اعادة الامتيازات التي حرمت منها الفضائيات. فاعيد تنظيمها لكن من الواضح ان هناك من لا يروق له جو الحريات القائم، بل لا تروق له ممارسة الحرية، واحياناً الحد الأدنى منها. وهذا برأيي، قد يريح أصحاب هذا المنحى، وهذا المنهج، ولكنه يؤثر على لبنان سياسياً واقتصادياً وسياحياً، ويفقد لبنان وجهة المعين، خاصة عند اخواننا العرب بالدرجة الأولى، ثم بالنسبة إلى العالم الاوسع. واذا ما فقد لبنان مثل تلك المعالم، أو أي معلم منها، فسوف يكون الضرر شاملاً. واقع النقابات ـ في ظل تلك المناخات هل تستطيع التجمعات على اختلافها التعبير عن آرائها وافكارها وما إلى ذلك؟ ـ مع الاسف الشديد ان العمل النقابي في لبنان اصيب ببعض ما اصاب معظم المؤسسات، أي ان نوعاً من الخلل قد اصابه، أو الاهتراء. لم يعد كما كان. انني مع العمل النقابي من دون تحفظ، ومع وجود النقابات لانها تضمن حقوق العمال وأصحاب الاجور، وتدافع عن اشخاص قد لا يستطيع احد الدفاع عنهم، سواء في وجه الدولة او حيال المؤسسات الموظفة «اي التي توظفهم». انما نلاحظ ان النقابات العمالية اما قد دجنت نفسها إلى حد بعيد ضمن المناخ العام المائل إلى التدجين الذاتي، أو انها قد دخلت وتداخلت أكثر مما يجب في الاهواء والاعمال السياسية. انني أفضل ان لا تكون هناك أية نقابة على الاطلاق، اذا لم تكن قادرة على الاستقلال الذاتي، وعلى رعاية وملاحقة والمطالبة بحقوق العمال والموظفين والنقابيين. دخول النقابات في السياسة وفي العمل السياسي، وفي السياسات الصغيرة في لبنان، وليس في السياسات الكبرى، كل ذلك قد خفف كثيراً من موقعها، وتأثيرها. لذلك اتمنى ان تعود النقابات إلى عصر تصبح فيه قادرة على المشاركة الحقيقية في وضع تصور لحاضر البلد ومستقبله. هذا هو دورها عادة في الدول الراقية. ليس دورها في الاضرابات وان كانت هذه جزءاً لابد منه، لكن دورها الحقيقي هو ان تشارك الدولة والمؤسسات البانية الكبرى في وضع تصور للعلاقة الكاملة بين القطاع العامل والقطاع الموظف أو المستثمر. الممارسة الراقية ـ اذا كان مستوى الحريات في لبنان دون اللازم، أو هكذا اصبح، هل يبدو انه إلى مزيد من التراجع والانهيار والاهتراء مستقبلاً؟ ـ لا اعتقد ان الحرية لدينا إلى مزيد من التراجع مستقبلاً، لانه اذا تراجعت أكثر مما هي عليه الآن، يعني لم يعد لدينا حرية. نحن نمارس الآن الحد الأدنى من الحريات، وليس الحد الأقصى، أو حتى الحد الوسطي الذي عرفناه قبل الحرب «بعد العام 1975». ويجب ان لا نخلط على الاطلاق الأمور. اريد ان اوضح انني اميز تماماً بين ما هو حرية، وبين ما هو خرق لها. لهذا فانني لا اقبل بما صدر من بعض الفئات تجاه رئيس الدولة، وهو كان متسامحاً حيالها. من جهتي، انا كانسان عادي لا اقبل الشتيمة، أو الافتراء، أو السخرية، هذه امور لا يقبلها أي انسان، ولا الطبع البشري بصورة عامة. للحرية مقاييسها وسقوفها وسطوحها، فلذلك لا نخلط الأمور، فالحرية لا تمكنني انا من الاعتداء أو الافتراء، على الغير. باستطاعتي ان اقول رأيي بمنتهى الحرية، لكني، أيضاً، بمنتهى الادب. واقدر ان اعبر عن موقفي بكامل حريتي، لكن من دون ان اوذي احداً واقدر ان اعبر عن مطالبي بمنتهى الحرية من دون ان اعرض البلد للخطر. انني تماماً مع ممارسة الحرية كما يجب ان تمارس الحريات، أي ضمن جوهر متجانس ومتآلف مع الشكل الراقي للحرية. الحرية شرط للحكم ـ الا تعترض مثل تلك الممارسة المنشودة عمليات قمع من قبل السلطة؟ ـ عطا الله: ليس من السلطة. لا اقول انه ليس هنالك قمع. المظاهر التي رأيناها لا نستطيع انكارها، لكن لنضع مظاهر اخرى في المقابل، مرة تمت مظاهرة خرج فيها 4 آلاف أو 5 آلاف طالب بالاتفاق مع وزير الداخلية الياس المر. وحصل ذلك مع بدايات مجيئه إلى الوزارة. طلعت مظاهرة بمنتهى البساطة لم تحصل فيها ضربة كف. وطلب الوزير آنذاك ان لا يشرف على هذه المظاهرة ضابط دون سن الخمسين سنة لكي لا يكون ومتوتراً يفقد أعصابه. هذا التوافق حاصل الان في بريطانيا، مثلاً. اذا اردت ان تعمل مظاهرة تطلب اجازة، وترافقك الشرطة لحمايتك، ربما من فريق آخر، ولحماية الأملاك العامة من بعض المخلين بالأمن الذين قد يكونوا جزءاً من المظاهرة، أو من المندسين فيها. لا يجب ان تكون الحرية موضوع خلاف بين الدولة والناس. بل يجب ان تكون موضوع توافق بين الجانبين. هذا يستدعي تنظيم الحرية. لا اعتقد انه سيبقى للدولة الكثير اذا اخذت كل الحريات من الناس. سمعتها سوف تسوء، مصداقيتها والاداء في الحكم كذلك، لانه كيف يمكن ان تضبط اداء الحكم والسلطة، والوزارات، اذا لم تكن هنالك حريات؟ يعني اذا لم تكن هنالك حرية في ان تبلغ وزير الاشغال بأن الطرقات عاطلة مثلاً، أو وزير الكهرباء بأن التيار مقطوع، كيف لنا معالجة وضع الطرق والكهرباء إذن، فالحريات شرط اساسي في النظم الديمقراطية، والا لماذا هناك مجلس نواب ووزارة اعلام، وصحافة. مازال لبنان حتى الآن، ربما بعد مصر اوسع مركز للانتاج الإعلامي في الوطن العربي. الدور للسياسة الخارجية ـ إلى أي مدى تملي الظروف الدولية والعامة في المنطقة سلوكاً معيناً يحد من الحريات؟ كالظرف الذي نحن فيه منذ تفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً؟ ـ لا يمكن لأي دولة من الدول الا ان تأخذ الظروف الخارجية في الاعتبار خاصة في لبنان باعتبار ان كل ظرف خارجي له فيه امتداد داخلي. سواء كان ما يتعلق في الوقت الحاضر بالوضع الافغاني، أو القضية الفلسطينية أو الشرق أوسطية وفي وجه ذلك نرى وحدة المسارين لبنان وسوريا، ليس فقط بالنسبة للجنوب والجولان المحتلين بل أيضاً على صعيد عالمي، ومنه القرار المتعلق بمكافحة الإرهاب الصادر عن مجلس الأمن ـ هناك وحدة لبنانية ـ سورية في مقاربة الفارق بين الإرهاب والمقاومة. نحن بلد صغير. وهنيئاً لامريء عرف قدر نفسه فوقف عنده. اذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية، اكبر دولة في العالم، وهي الاقوى، تتجاذبها العوامل الخارجية، فكيف الأمر بالنسبة للبنان؟. لم يعد يوجد في عالم ما يسمى بالسياسة الداخلية لهذا البلد أو ذاك. سياستك الداخلية الآن هي جزء من سياستك الخارجية. ليس فقط في لبنان بل في العالم كله، لكن عندنا طبعاً نعرفها ونشاهدها ونعيشها، لاننا معنيون بالأمور، ليس هناك ضغوط خارجية، بل وقائع ومعطيات. ليس هناك موضوع املاء أو ضغوط على لبنان، هنالك حقيقة هي اننا نواجه الواقع الذي نعيش فيه، وهو صعب، يحمل ازمات متعددة، ومرحلة شديدة الخطورة نمر نحن فيها، لكن لسنا منفردين، ولا لوحدنا ـ فهذه المنطقة التي تعرف باسم الشرق الأوسط، والممتدة من باكستان إلى عكا، يعني إلى المغرب، حتى شمال افريقيا، تعيش مرحلة مخاض، لم تعشه، برأيي الشخصي، حتى أيام الثورة العربية، أي في مرحلة الخروج من الاستعمار التركي إلى الاستعمار البريطاني، آنذاك، حتى الرقعة كانت اضيق، وكانت الحركة القومية لا تشمل كل هذا المدى الواسع، وهذا الامتداد على مستوى العالم العربي كله. كما يجب ان نلاحظ شيئاً أساسياً في التحول الحالي، وهو ان العالم العربي لم يعد فقط عالماً عربياً. لقد اصبح خصوصاً بعد الانتفاضة الفلسطينية، والآن بعد افغانستان، من غير الامكان ان نذكر عبارة «العالم العربي»، دون ان نضيف اليها كلمة لتصبح «العالم العربي والإسلامي». لقد انخرط العالم العربي الآن في الشأن الإسلامي، كما لم يحدث في أي مرحلة من قبل. لم يعد بمقدورنا القول انه لدينا «قضايانا العربية»، فقط، وهي التي تهمنا فقد أصبحنا جزءاً عضوياً أساسياً من مجمل القضايا الإسلامية في العالم. في مواقع الخطر الدكتور انطوان سيف رئيس الرابطة الثقافية في انطلياس يقول ان الحريات في لبنان موجودة باستمرار في ظل مواقع الخطر وان السلطة تتذرع بحماية السلم الأهلي لتقمع المواطنين. ـ هل الحريات في لبنان مهددة فعلاً؟ ومن يهددها؟ فيجيب الدكتور سيف بقوله: ـ يأخذ الكلام عن الحريات في لبنان بعدين باستمرار لابد من ذكرهما. الأول هو ان التراث اللبناني عريق جداً بالتعددية على المستوى السياسي والاعلامي وحرية الفكر وحتى على الصعيدين التربوي والتعليمي. ويظهر هذا التعدد اجمالاً، والذي هو ضد الحريات في لبنان بقوة المجتمع المدني فيه، والذي هو القطاع الخاص. الدولة اللبنانية اجمالاً هي من اضعف الدول العربية تجاه شعوبها. وقد نوه لهذا الأمر الفيلسوف المصري حسن حنفي في مداخلته ومحاضرته بمعرض الكتاب العربي في بيروت. وهو يقول ان المجتمع المدني في لبنان هو اقوى مجتمع مدني في العالم العربي على الاطلاق. بمعنى ان قوة اللبنانيين ليست موجودة في دولتهم، بل هي بالاساس في الشعب، وفي القطاع الخاص. يمكن نحن البلد الوحيد في الوطن العربي، قبل الخليج، الذي ينتمي فيه الاعلام إلى القطاع الخاص. ليس للدولة اللبنانية قطاع اعلامي خاص بها، حتى «تلفزيون لبنان» الذي يقال انه للدولة، كان شركة بحد ذاته، وهو اضعف وسائل الإعلام، يعني ان الدولة عندما لا تتكل على وسائل اعلامها حتى توصل مواقفها السياسية للشعب انها تعتمد في هذا على القطاع الخاص. ثم ان القطاع الإعلامي الذي هو خارج الدولة قطاع قوي جداً، ويضم مؤسسات كبيرة. وهي ليست موحدة فيما بينها الا على هدف واحد هو: حرية الاعلام. اما سياسياً، فانها مختلفة تماماً. وتمثل شرائح داخل المجتمع اللبناني، كذلك أخرى خارج هذا المجتمع. خلفيات الحريات عندنا نابعة من التركيبة الاجتماعية اللبنانية. كلنا نعرف انها تركيبة متعددة الطوائف، والنظام اللبناني يرتكز في تراثه على ميثاق وطني، ووثيقة وفاق وطني وتوافقي، الدستور عندنا هو واجهة لتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية، وعندنا شيء خلفه هو الميثاق الوطني، أو التوافق، أو وثيقة الوفاق في الطائف والتي تعتبر أساساً من بعد الدستور القائم من جهة ثانية. وقد خلق هذا التنوع القائم، خاصة على المستوى الطائفي، نوعاً ما تعدداً وهوامش حريات على المستوى العام. بمعنى انه صار لكل طائفة من الطوائف المتعايشة منبر خاص بها، ومؤسسات خاصة بها، ومنها تربوية وتعليمية، وحتى جامعات. لم يكن هذا الأمر قائماً من قبل لكنه صار موجوداً. فلبنان هو أكثر دولة عربية تضم جامعات، رغم ان عدد سكانه لا يتجاوز الاربعة ملايين. لكن ذلك كله يبقى انعكاساً للحريات القائمة. انما الشيء الاساسي الذي يدعو إلى الخوف الذي تحدثت عنه في سؤالك، هو ان تراث الحريات في لبنان، والذي كان مقبولاً به دائماً، والى حد ما، رغم انه جرى احياناً منع تداول بعض الكتب، كان يتأثر بوشايات صادرة عن المجتمع المدني نفسه، أو عن مرجعيات دينية، وليس عن الدولة نفسها.أ غلب الكتب التي منعتها الدولة جاءت من ضغوط من خارجها عليها، وليس منها وخاصة من مرجعيات دينية بالذات. اذن الدولة تقع دائماً تحت ضغوط، على أساس انها هي توليفة واسعة. السلطة في لبنان الممثلة في الحكومة، لا تمثل حزباً واحداً، ولعله من الغريب في لبنان هو ان السلطة السياسية هي تجمع كبير من القوى المتنافرة على الصعيد السياسي العام. ولكن هناك نوعاً من الاتفاق على ان الحكومة يجب ان تكون منسجمة فيما بين اعضائها. لذلك فإن لا نتعجب ولا نستغرب ان فريقاً متواجداً في السلطة التنفيذية في الحكم يطرح مواقف وكأنه معارض لها وحتى خارجها. هذا الأمر غير شائع أبداً في أي بلد خارج لبنان. فكل واحد لا علاقة له بالسلطة التنفيذية يكون خارجها من ضمن معارضيها. والسبب في ذلك يعود إلى ان المطلوب في لبنان باستمرار، ان تكون هناك «توليفة» واسعة جداً من القوى كافة. ما يحصل منذ فترة من الوقت تحت ستار واحد هو الحفاظ على السلم الاهلي. وبات من يطالب بالحريات ويتمسك بها وكأنه يهدد هذا السلم الذي يجب ان نؤكد انه توازن قوي واسع جداً. الدولة تحاول ان تلعب في هذا التوازن دور الحكم. يعني انها لا تلجم فريقاً لصالح فريق اخر، لان هذا يناقض الدستور نفسه أساساً والذي يجب ان يكون معبراً دائماً عن كل القوى الموجودة على الساحة. فتحت ستار الخوف على السلم الاهلي، وتحت ستار ان الدولة هي الوحيدة التي تحافظ عليه عمدت الى «شرعنة» ـ من تشريع ـ القمع وتقييد الحريات في لبنان، وتحديدها. نحن نندفع دائماً نحو الحريات ويجب ان تكون عندنا حجة وطنية دافعة لها، هذه الحجة هي اننا نحاول ان نحمي السلم الاهلي ونؤمن المصلحة العليا في لبنان. لكن حماة هذا السلم في ظل غياب الدولة هم قوى المجتمع المدني، وليس الدولة بحد ذاتها التي كانت اخر الاطراف ذات تأثير خلال الحرب فيه. نحن الان، تحت هذا الستار من الخوف المفتعل والمصطنع على السلم الاهلي، تتخذ الدولة الكثير من الاجراءات التي ليس لها تراث في تاريخنا الحديث. ليس لها تراث لدينا اطلاقاً. مثلاً للجامعات عندنا حرمة. اذكر انني كنت سابقاً رئيساً لرابطة الطلاب في كلية التربية في الجامعة اللبنانية، وكنت احد قادة الاضراب الشهير عام 1968، وكنت الناطق الرسمي باسمه. مرة واحدة اقتحمت قوى الامن معقل المضربين، فنفذ اضراب شامل في الجامعة اللبنانية وكل الجامعات في لبنان، استمر لعدة ايام، حيث اصر المضربون على تحديد اسم المسئول الامني الذي اعطى الاوامر بالاقتحام. وقد صار آنذاك اعتذار من قبل الحكومة، وجرى الاعلان ان عميداً للكلية في الجامعة طلب من القيادات الامنية القيام بعملية اقتحام الكلية. لكن كان هذا الكلام مجرد «تخريجة» لا اكثر لكن لا يجوز اطلاقاً ان تقتحم الدولة جامعة، وكأنها في عملية اقتحام لوكر لصوص. للجامعة حرمة تماماً مثل المنازل، لا يتم اقتحامها عند الحاجة الا عبر اصول قانونية وامنية معروفة. اجمالاً، هذه مظاهر لجهة الاقتحام والحد من الحرية ـ لكن هناك اموراً مستترة تقوم بذلك أيضاً. وهذا ما قد نجده في وسائل الإعلام مثلاً. فاصحابها والقيمون عليها عملوا فيما بينهم اتفاقاً حضارياً يقضي بأن يرقبوا انفسهم ومطبوعاتهم. يعني كل وسائل الإعلام في لبنان تعرف ما يجوز، وما لا يجوز على المستوى الأمني. الاحظ ان هناك الان نوعاً من الضغط على الحريات، لان ما يحصل على صعيد التعبير هو مجرد تظاهرة سلمية، أو لقاء عام، أو اجتماع حول طاولة غداء أو عشاء مثلاً. وهذا لا يهدد السلم الاهلي لان اي فريق يخرج عن الاجماع لا يدعو إلى الخوف. لان لدى المجموعة التي تتولى السلطة في لبنان حصانة عندما تكون تمثل الجبهة الداخلية. وفي ظل هذا الوضع تنتفي امكانيات أو احتمالات اللجوء إلى السلاح او العنف مثلاً من ناحية المجتمع المدني. ليس هناك أي مبرر في هذه الحالة للحديث عن ان السلم الاهلي مهدد من هنا، أو هناك، لا وجود لأي تهديد، ولامبرر له، ولا قاعدة. وعلى هذا الاساس ارى ان الحريات في لبنان موجودة دائماً في موقع الخطر. فاذا كانت السلطة مقتنعة بانها تقوم بما هو مطلوب منها، وتراعي مواطنيها، وتمثلهم، وتدافع عن حقوقهم ومصالحهم بحاضرهم ومستقبلهم، فانه لا يعود لديها أي خوف من أي امر داخلي يهددها اطلاقاً. لكن السلطة في لبنان، ليس بالضرورة الحالية القائمة تتعامل مع الاخرين بين فترة واخرى، وكأنها تتجاهل جهلاً قطعياً مرتكزاتها والتراث الموجود في العمل السياسي. اتصور ان لدى السلطة حالياً الكثير من التحصين القوي، وهو نابع من مجالين، الأول هو الاضعف، اي انها لا تمثل كل اللبنانيين بالمعنى الواسع للعبارة. والثاني يرتكز إلى دخول لبنان في تحالف متين اجمالاً مع سوريا التي تدعم السلطة اللبنانية، وهي قوة موجودة على الارض. فلذلك فان هذه السلطة لا تعود تكترث إلى أي اعتراض اخر قد يأتيها من أي مكان. طالما ان لديها قوة اقليمية دولية موجودة على الأرض تدعمها. وهذا امر اساسي جداً. اتصور انه عندما لا تعود السلطة تتأثر بضغوط صادرة من شعبها مباشرة يكون هناك تقليص في الحريات. لان الديمقراطية الحقيقية تعني عندما تكون الـ «تحت» قادرة على ممارسة الضغط على الـ «فوق» لتعديل قراراته، اما كلياً، واما جزئياً،و اما اعادة النظر في القرارات بصورة عامة. لكن عندما لا يعود «تحت» أي تأثير، لكن «الفوق» يستمد قوته من مكان اخر، تكون الحريات تعاني فعلاً من مأزق ووضع متأزم. هنا تكمن الخطورة على الحريات، اي عندما لا تكترث السلطة لاي اعتراض يأتيها من شعبها. والمثل الشعبي يقول: «الولد الصغير اذا لم يصرخ فلا يطعمه احد» فالدولة لا تستطيع ان تعرف بالضبط ماذا يعتلج في نفوس اللبنانيين الا اذا كانت الحريات تسمح بأن يقولوا «اخ»، وينفذوا اضراباً، ولديهم الحرية للتحرك. فعند ذلك تصبح على وتيرة واحدة مع ما يعتلج بالمجتمع اللبناني بصرف النظر عن القوى السياسية التي تقول «اخ». في أغلب الاحيان تقف القوى المعترضة خلف اعتراضات ليس لها علاقة بالسياسة مباشرة. مثلاً، عندما كان الاتحاد العمالي العام يقوم بتحرك في الماضي، كانت المعارضة تدعمه، وكان هذا الدعم يتم ليس لان الاتحاد العمالي بحاجة للمعارضة، بل الاتحاد بمواقفه المطلبية اقوى بكثير منها، ولكن كان المطلوب أن تدرك الدولة ان ثمة أصواتاً اخرى يجب ان تصل إليها. برأيي ان الخوف على الحريات من جانب المجتمع المدني هو خوف حقيقي في حال لم تتم المعركة بشكل عام اعتراضاً على بعض القرارات التي تتخذها الدولة. ففي هذه الحال يحصل تراجع يومياً، وننسى نحن اننا نتراجع. أما الخوف من قبل السلطة على السلم الاهلي هو خوف مفتعل. لا يريد احد من اللبنانيين ان يعمل حرباً اطلاقاً. ولا احد منهم لديه مشروع حرب داخلي، حتى وان الذي حصل وسمي بحرب اهلية لم يكن من صنع اللبنانيين. اذا لم تكن هنالك قوى تساند في الخارج، وتريد ان تفتعل حرباً داخلية، فليس لدى احد امكانية بأن يعمل حرباً كهذه. نحن بلد صغير لا نستطيع ان نعمل حرباً لفترة 16 سنة لوحدنا. امكاناتنا لا تسمح لنا بذلك. ليس عندنا مصانع، ولا انتاجاً داخلياً، وبالتالي لا نستطيع ان نمول الحرب حتى ولو لاربعة أو خمسة اشهر. اذن لا صحة للقول ان هناك فئة تهدد السلم الاهلي ان كلاماً من هذا القبيل مصطنع بهدف الحد من الحريات. «الوظيفة» الاقليمية لضرب الحريات ـ هل امام الهيئات والنقابات والتجمعات فسحة حقيقية قادرة من خلالها على التعبير الحقيقي عن ارادتها وخياراتها ومواقفها؟ ـ الجامعة اللبنانية هي اكبر الجامعات في لبنان وتضم حوالي 80 الف طالب. ويقول بعض التربويين بانه قد تكون هذه الجامعة هي الاكبر في العالم. فليس هناك جامعة في العالم يكون عدد طلابها حوالي 100 ألف. اذن قطاع هذه الجامعة واسع جداً. وفي فترة من الفترات كانت النقابات تشتغل كلها مع بعضها البعض. وكلنا يعرف ان الدولة دخلت على الخط حتى «تفرط» الاتحاد العمالي العام فدخلت فيه السياسات الصغيرة، وبعض الضغوطات الهادفة إلى شل قدرته على التحرك. ـ ليس على الأرض اللبنانية في الوقت الحاضر قوى تملك القدرة لتجمع العدد الكبير فيها، نظراً إلى هيمنة سياسة الاستخبارات على صعيد الارض اللبنانية كلها. وهذا الامر كان قائماً على ايام «المكتب الثاني» شعبة المخابرات في الجيش اللبناني منذ زمن. ولكن عندما تجري أي مقارنة بين ما كان يقوم به هذا المكتب ايام الشهابية «عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب وما حصل فيه، وما بعد أي في الفترة التي سبقت الحرب الاهلية بحوالي ست سنوات، وبين الحضور المخابراتي الموجود حالياً في لبنان يرى اللبنانيون انفسهم امام دولة لاتشبههم كثيراً في ظل وجود اجهزة استخباراتها صار اللبنانيون يعرفون ان هناك واجهات للسلطة، وشيئاً يديرها في الخارج، في ما لا يظهر في الاعلام كل شيء. لذلك، يمكن القول ان التجمعات الموجودة حالياً مهمة جداً، ولديها قدرة على الاعتراض لكن اعتراضها محدود، لان السلطة نفسها لا تخضع للاعتراضات التي تأتي من تحت، فلذلك هي لا تكترت كثيراً. وتعرف ان لديها حصانة اكتسبتها من حساسية الوضع الاقليمي. والمبدأ الذي كان يطرح في العالم العربي بهدف تقليص الحريات او الغائها او لتعليق العمل بها، يقول: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». لكن نرى في حقيقة الأمر ان هذه المعركة ليست دائرة بين الأنظمة العربية وبين إسرائيل. فالأمر اذن ليس اكثر من حجة لتضييق العمل بالحريات في العالم العربي اجمع. اعتبر ان القدرة على الاعتراض مازالت موجودة حتى الان ويجب عدم الاستهانة بها. ولكنها محدودة. ونأمل لو كانت اكبر من ذلك بكثير. لكن هذا الطموح يبقى بدوره محدوداً بالقول ان الدولة اللبنانية خاضعة لاعتبارات اقليمية، وليس للضغط الديمقراطي المباشر والمنظم والمشروع من قبل المجتمع المدني الذي تمثله. الاستبدادية المموهة ـ هل يمكن القول ان ذلك الوضع سائر إلى مزيد من التراجع في رأيك؟ ـ الامر يحصل مثل المد والجزر، غالباً ما نشعر ان القدرة على التعبير السياسي ضئيلة، جداً. فالقرارات الاقتصادية مثلاً هي دائماً غير شعبية، ولا تتجاوز الاعتراضات عليها مجرد الكلام، اطلاقاً، اي لاتتم مشاركة واسعة جداً على الصعيد الاقتصادي في لبنان، خاصة عند اتخاذ قرارات تلزم اللبنانيين باشياء كثيرة، مثلاً اغلب المواطنين لا يعرفون لماذا غرقت دولتهم تحت ديون تفوق 22 ملياراً في الوقت كان الدين العام لدينا عام 1992 مليارين. لو كانت السلطة تجاوبت مع مطالب اللبنانيين منذ ذلك الوقت لما غرقت خزينتها تحت الحجم الكبير لمديونيتها في الوقت الحاضر. والكل يعرف ان معظم هذه الديون ناتج عن الهدر الذي يعني في القاموس السياسي اللبناني ما يوازي كلمة فساد. ليس هناك هدر ناتج عن خطأ. بل هو مال يذهب من جيب إلى آخر. لم نخرج بعد الحرب مهزومين كثيراً على صعيد العجز. وهذا يعكس نوعاً ما النتائج التي يمكن ان تنتج عن الخوف من الديمقراطية، بحيث ان يصبح اللبنانيون غير قادرين على التعديل في سياسة حكومتهم، خاصة وان الحكومات اجمالاً، وعندما تصبح بمنأى عن الضغوط، يمكن ان تمارس استبدادية مموهة. لكن رغم التمويه فانها موجودة. استباحة للمؤسسات ـ ما هي أدوات هذا الاستبداد، هذا القمع، لدى السلطة في لبنان؟ ـ الادوات التي تستخدمها للقمع واسعة جداً فالأجهزة المختصة على هذا الصعيد كبيرة جداً، تحت ستار اننا بلد محاذٍ لإسرائيل وكانت ارضه محتلة، وعليها حرب داخلية.. كل هذه المقولات تهدف إلى تبرير استخدام أدوات القمع والاستبداد. صحيح ان الامن يجب ان يكون قائماً في البلد، وان لا تكون الأمور سائبة، لكن ثمة فارقاً بين القمع وهو قائم، وبين متطلبات حفظ الأمن والامان للبلاد والعباد. هناك شعار يجب تطبيقه في لبنان، ويصونه الدستور، وقد عبر عنه رئيس الجمهورية اميل لحود عندما تحدث ويتحدث باستمرار عن ضرورة قيام دولة المؤسسات. بمعنى ان يكون هناك مربع قانوني قضائي مستقل على ان تعمل المؤسسات من دون ضغوط السياسيين. ذلك في الشعار، لكن ما نجده حقيقة على الارض هو ان هناك استباحة للمؤسسات. يعني عندما تبقى الجامعة اللبنانية بلا عمداء لاكثر من سنة وثلاثة اشهر، فهل هذا هو مجرد خلل اداري؟ ابداً الدولة لا تعرف او لا تريد ان تأخذ قراراً. الولد الصغير بات يعرف انه يحصل في هذا الامر كما في الكثير من التعيينات الادارية مقاسمة يستبيح فيها رجال السلطة الدولة. كل واحد منهم يريد ان يأخذ حصة من مؤسسة «كالجامعة اللبنانية مثلاً» من دون ان تكون لها اية علاقة بالتوازن السياسي في البلد، اطلاقاً لكن ليس من الصعب تحويلها إلى ما يشبه المزرعة، وهذا ما هو حاصل حتى الآن. وهذه هي الاستباحة بعينها». ـ هل لهذا علاقة بما يمكن تسميته بالقمع المقنع، وليس بالقمع بصورة عامة؟ ـ القمع كله مقنع المهم انه يجب ان لا نعتبر ان استتباب الأمن وكأنه انجاز لانه حتى في الدول الستالينية كان فيها أمن كالذي كان حاصلاً في الدول الديكتاتورية. الأمن ليس مقياساً بحد ذاته لحرية موجودة. بل المقياس الاساسي هو ان لا تخل المظاهرات بالأمن، كذلك ان لا تكون الاعتصامات اخلالاً به. كذلك ليست الحريات مخلة به. واكرر القول انه لا خوف على السلطة في لبنان في مثل هذه المواقف. لانها ليست لفريق واحد دون فريق آخر ليأخذها منه. فالسلطة في لبنان موزعة على كل الاطراف. هذه هي التركيبة الموجودة لدينا. وبالتالي فان الخوف من ان يعكر فريق أو اثنان من خارج السلطة عملها، هو تخوف مصطنع يخفي عملية قمع موجودة وراءه.