نشبت الازمة التي حددت معالم رئاسة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش بينما كان في احدى المدارس الابتدائية بساراتوسا في ولاية فلوريدا. فقد كان من المقرر ان يلقي بوش الذي كان يشعر بارتياح بعد ان امضى معظم شهر اغسطس الماضي في مزرعته بولاية تكساس، خطابا في هذه المدرسة حول التعليم، الذي كان حتى ذلك الحين واحدا من اهم القضايا التي تسيطر على برنامجه السياسي. وانذاك اقترب احد المساعدين من بوش وهمس في اذنه، وتغير كل شيء بعد ذلك قال بوش في وقت لاحق عن اللحظة التي علم فيها بأن طائرة ثانية اقتحمت مركز التجارة العالمي «لقد كنت مهتما تماما بالكاميرات». ويتذكر بوش متأملا «امريكا تتعرض لهجوم» ويستطرد قائلا: «انني احاول استيعاب هذه المعلومة». لقد سلطت الهجمات التي تسببت في بدء «اول حرب في القرن الحادي والعشرين» كما يطلق عليها بوش، اضواء التاريخ على الرئيس وبدلت بشكل جذري من دوره في الداخل والخارج، فقد وجد صاحب فريق البيسبول السابق الذي لم يخض سوى معارك سياسية خفيفة، نفسه فجأة في مواجهة ازمة من النوع الثقيل. ويعتقد معظم الامريكيين ان بوش ارتقى بالفعل الى مستوى التحدي، وقفزت شعبيته من اقل من نصف الاصوات في السباق الانتخابي المشوش ضد آل جور، الى مستويات ربما غير مسبوقة حيث وصلت الى 90% وفقا لسلسلة من استطلاعات الرأي التي اجريت في اعقاب الهجمات الارهابية. كان ذلك وسط الانقاض على حافة «نقطة الصفر» وهي اشارة الى موقع انهيار ناطحتي سحاب مركز التجارة العالمي بقلب نيويورك في 11 سبتمبر الماضي والذي ذهب ضحيته نحو ثلاثة الاف. وحدث ذلك عندما استعاد رئيس الاركان في زمن الحرب «بوش» صوته ليجيب على عامل ذكر انه لا يسمعه صائحا وسط تصفيق هادر «انني اسمعك، وبقية العالم يسمعك وهؤلاء الاشخاص الذي دمروا هذه المباني سوف يسمعوننا جميعا، قريبا جدا». ورددت الحشود تلقائيا نشيد «الولايات المتحدة، الولايات المتحدة»، وذلك في نبرة حزن وغضب ترددت اصداؤها كصيحة حرب وسط الحطام والانقاض الحديدية. واقتنص رجل الاعمال السابق بقطاع البترول وحاكم ولاية تكساس الجنوبية السابق في حديثه وصاحب الخبرة السياسية الضئيلة التي لم تتجاوز ست سنوات الحالة المزاجية التي كانت سائدة انذاك واستحوذ بصورة غريزية على مشاعر شعب يتعرض للهجوم للمرة الاولى منذ الغارة اليابانية على ميناء بيرل هاربور. وبدا بوش على سجيته على غير العادة وخلال اول زيارة يقوم بها لموقع الدمار الذي طال واحدا من اقوى رموز العولمة بقلب نيويورك، لقد كان تصفيق الجماهير خلال هذا المشهد بمثابة صرخة بعيدة آتية من يوم التنصيب عندما اختلطت اصوات الازدراء بهتافات التهليل في اجراء مماثل لدى عبور الموكب الرئاسي بشارع بنسلفانيا الى رحاب البيت الابيض. ففي العشرين من يناير كان الشعب الامريكي مازال منقسما بعد الخلاف المشين الذي استمر لخمسة اسابيع والذي انتهى بقرار من المحكمة العليا بوقف عملية اعادة فرز الاصوات في ولاية فلوريدا وهو القرار الذي حسم الموقعة الانتخابية لصالح بوش ليصبح بذلك الرئيس الثالث والاربعين في تاريخ البلاد. وبمجرد توليه منصبه بعد هذه الازمة تعهد بوش ببعث «روح حضارية جديدة» في العاصمة، الا انه ما لبث بعد قليل، ان اغضب الديمقراطيين بتحوله الحاد الى اليمين بإجراء شمل فرض تخفيضات ضريبية بمقدار 103 مليارات دولار على مدى عشر سنوات، وكذلك بتعهده بمواصلة عمليات الحفر بحثا عن البترول في محمية برية بولاية الاسكا. وعلى الصعيد الخارجي اغضب الرئيس، الذي انتهج سياسة خارجية متواضعة وذليلة حلفاء بمفهومه الانفرادي الذي يضع المصالح والاهتمامات الداخلية فوق نظيرتها الدولية. وفي الوقت الذي عكف فيه على تقوية علاقات بلاده مع المكسيك المجاورة، انسحب بوش او كاد من محادثات السلام في الشرق الاوسط وكوريا وتحدث عن سحب القوات الامريكية من البوسنة ومنطقة البلقان في اطار مهام حفظ السلام الدولية هناك. كما رفض بروتوكول كيوتو بشأن الانبعاثات الغازية التي تتسبب في ارتفاع درجة حرارة الارض وقال انه اصبح «في عداد الموتى» كما استمر في وضع خطط اقامة الدرع الدفاعية الصاروخية المثيرة للجدل والتي ادت الى الغاء الولايات المتحدة لمعاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية. غير انه في الوقت الذي كان يرغب فيه بوش في توجيه امريكا الى مسار انعزالي جديد، وقعت سلسلة من الاحداث العسكرية المؤسفة وكذلك فضيحة استخباراتية اعادت اليه تركيزه على الفور على الشئون الدولية. وتمثلت هذه الاحداث في اغراق البحرية الامريكية عن طريق الخطأ لسفينة صيد يابانية قبالة سواحل هاواي في فبراير الماضي، وفي اصطدام طائرة تجسس امريكية بطائرة صينية في اجواء الصين، وفي القاء القبض على عميل بمكتب التحقيقات الفدرالي كان يتجسس لحساب موسكو لسنوات طويلة مما ادى الى تبادل طرد دبلوماسيين بين موسكو وواشنطن. ووضعت بعض هذه القضايا بوش في موقف الدفاع، الا ان احداث الحادي عشر من سبتمبر حولت «ابن تكساس» الذي تعرض للتقليل من شأنه في احيان كثيرة والذي يفخر بإقليميته الى اشبه ما يكون بالمدافع عن العالم الحر. وذكر بوش امام الجمعية العامة للامم المتحدة «ان المدنية الحضارة الانسانية، ذاتها تلك المدينة التي نتقاسمها، معرضة للخطر. وقال: ان التاريخ سيسجل مدى استجابتنا وسيحكم على او يبريء ـ بناء على ذلك ـ كل دولة في هذه القاعة. وفي تكرار لمقولة «النظام العالمي الجديد» التي كان والده اطلقها، اعاد بوش الابن تذكير المجتمع الدولي بما اطلق عليه اسم بوش وهو «اما ان تكون معنا او انك مع الارهابيين». وقد ادى ذلك المفهوم الى تسارع قادة العالم الى التعهد بمنح تأييدهم للحرب الجديدة ضد الارهاب بقيادة واشنطن. وفي الداخل كذلك، حظي بوش بشهر عسل سياسي جديد، فقد اختفت لغة السخرية منه التي سادت معظم اجهزة الاعلام في السابق خلال اسابيع قليلة. واتجه الشعب الامريكي الذي اصبح بعد عقد كامل من الازدهار محاطا فجأة بالفضيحة والاستخفاف وفي مواجهة تهديدات خطيرة وقائمة، الى حشد قواه بصورة غريزية حول بوش. وضربت لهجة بوش العنيفة في «محو» الارهابيين والقاء القبض على اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الاصولي «حيا او ميتا» على الوتر الحساس للشعب الامريكي، وذلك في وقت بث فيه طاقمه الوزاري المطعم بالمحنكين من قدامى مقاتلي حرب الخليج الثانية ومناضلي الحرب الباردة ـ روح المصداقية والثقة حتى بين الليبراليين. وفي مشهد اخر فريد لوحدة الحزبين الرئيسيين اقر الكونجرس مشروع قانون للطواريء بقيمة 40 مليار دولار كما اطلق يد بوش عسكريا لاتخاذ ما يراه مناسبا. وحظى الزعيم الذي تعهد «بتغيير اسلوب الحكم» في واشنطن، في النهاية بكونجرس مسالم ومطيع يستطيع التعامل معه. ومازال الديمقراطيون ملتزمين بقوة بجهود الحرب، واقتصرت انتقاداتهم على مشروع قانون جديد واجراءات نظامية بعيدة المدى تتعلق بجماعات الحرية المدنية. غير ان النقاش الصارم بين الحزبين حول قضايا اخرى عادت للظهور في كابتبول هيل «مقر الكونجرس». ومن بين القوانين المعطلة الان في الكونجرس والتي تعتبر حاسمة بالنسبة لبوش، قانون مثير يهدف الى تحفيز وتحريك الاقتصاد الكامن من ركوده. ويتذكر الرئيس الجمهوري في هذا الشأن المصير الذي آل اليه والده الرئيس الحادي والاربعين للبلاد والذي ذهبت شعبيته ـ التي كانت وصلت الى اوجها خلال حرب الخليج الثانية ـ ادراج الريح، بسبب عدم اصغائه الى أنات الناخبين الغارقين في مستنقع الركود. د.ب.أ