لم يكن الفرنسيون بحاجة إلى مشاهدة الصور التلفزيونية المتكررة للهجمات الارهابية التي تعرضت لها نيويورك في 11 سبتمبر الماضي، لكي يفكروا في وضع القانون والنظام داخل بلادهم. فقد أدى ارتفاع معدل الجرائم وموجة الهجمات العنيفة على رجال الشرطة وسلسلة جرائم القتل الفظيعة التي راح ضحيتها شابات صغيرات والتي تصورها وسائل الاعلام بالتفصيل، إلى تحويل مسألة الأمن إلى واحدة من أكثر القضايا سخونة على الجبهة السياسية الداخلية. غير ان مشاهد الرعب من نيويورك، والتي عرضت مراراً وتكراراً على التلفزيون الفرنسي على مدى أكثر من أسبوع، زادت من تركيز الساسة والناخبين على قضية الأمن. وكذلك فعل، بلا شك اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي سوف تركز حملاتها الانتخابية على قضية القانون والنظام، بل وربما تتوقف نتائجها على تلك القضية. وأكدت دراسة نشرت في يونيو الماضي كيف أصبحت الشوارع في باريس وغيرها من المدن الفرنسية تتسم بعدم الأمان، فقد أظهرت الدراسة ان عدد الجرائم التي ارتكبت في فرنسا عام 2000 نسبة الى عدد السكان فاقت الجرائم التي ارتكبت في الولايات المتحدة التي تعتبر مرتعاً لجرائم الشوارع. وازدادت القضية سخونة في يوليو الماضي، بعد أن حذرت الحكومة ووسائل الاعلام في الصين المواطنين من زيارة باريس بسبب موجة العنف المزعومة ضد التجار والمواطنين الصينيين في العاصمة الفرنسية. وكتبت احدى الصحف الصادرة في بكين «ان الصينيين الذين يذهبون إلى هناك «باريس» يجب أن يتوخوا الحذر، فالمجرمون يستهدفون مجموعات السائحين وأعضاء رحلات المدارس، الذين يجردون من مقتنياتهم في المطارات والمترو والمتاجر والأماكن السياحية. وفي يوليو الماضي، أي قبل عام تقريباً من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، حول الرئيس شيراك مخاوف الشعب رسمياً إلى أحد موضوعات الحملة الانتخابية. ففي حديث له في التلفزيون الوطني خلال ظهوره التقليدي أمام الشعب في عطلة يوم الباستيل، اتهم شيراك اليميني الحكومة اليسارية بزعامة ليونيل جوسبان بأنها تفتقر الى الارادة السياسية لمكافحة الجريمة. وقال شيراك يجب أن يعاقب على كل اعتداء، على كل جريمة .. ان هذا هو ما نطلق عليه عدم التهاون كما فعل العمدة رودولف جولياني في نيويورك. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها سياسي عن عدم التهاون في فرنسا الليبرالية. فقبل عدة أعوام، استخدم عضو بحزب الجبهة الوطنية اليميني التعبير ذاته عندما كان يطالب بسياسة مختلفة «بشأن القانون والنظام» سياسة القمع. ثم جاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي. وأعلنت الحكومة الفرنسية على الفور حالة الاستعداد القصوى، ونفذت اجراءات مشددة مثل إزالة صناديق القمامة العامة التي قد تستخدم في إخفاء قنابل، وإخلاء قطارات المترو ومحطاته كلما اكتشفت عبوة مشتبه فيها. وبعد مرور عدة أسابيع، قتل ضابط شرطة على يد مجرم محترف كان قاضي محكمة جزئية فرنسية أطلق سراحه من الحجز، عن طريق الخطأ على ما يبدو، وقبل إلقاء القبض عليه، يزعم ان المشتبه به قتل أربعة أشخاص خلال عملية سطو فاشلة. وبعد ذلك بقليل، قام موظف بالسكة الحديد مضطرب نفسيا بإطلاق النار على أربعة أشخاص في مدينة تور فأرداهم قتلى. ودفعت هذه الحادثة بوزير الداخلية السابق ومرشح الرئاسة المحتمل شارل باسكوا إلى إعلان ان فرنسا تمر بموجة من جرائم القتل في الشوارع لم يسبق لها مثيل، والمطالبة بإعادة تطبيق عقوبة الإعدام التي تم الغاؤها عام 1981. ولا يتوقع أن يحدث ذلك، ولكن بعد عام من الخوف كعام 2001، فإنه من المرجح ان يستمع الفرنسيون الذين يشتهرون تقليدياً بتساهلهم، إلى الحلول المتشددة للجريمة في الشوارع أكثر من أي وقت مضى. د.ب.ا