نظم مكتب «البيان» في الخرطوم ندوة حول الدور الأمريكي المرتقب في السودان خاصة بعد تعيين المبعوث الأمريكي جون دانفورث وزيارته مؤخراً للسودان حيث التقى بالحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان والتجمع الوطني الديمقراطي وحزب الأمة وبعض الفعاليات والشخصيات القومية. طرح المبعوث الأمريكي ورقة تتضمن أربعة مطالب يعتقد انها تمهد لاحلال سلام دائم في السودان. والمطالب هي وقف القصف الجوي الحكومي للأهداف المدنية، الاتفاق على هدنة في منطقة جبال النوبة، اقامة ممرات وملاذات آمنة لتدفق الاغاثة، وقف عمليات الاختطاف والاسترقاق. شارك في الندوة مبارك الفاضل المهدي عن حزب الأمة، فاروق جاتكوث الأمين العام لجبهة الانقاذ الديمقراطية، والدكتور توبي مادوت رئيس جبهة القوى الديمقراطية، حسن عبدالقادر هلال من الحزب الاتحادي الديمقراطي والمحامي غازي سليمان رئيس المكتب السياسي ل«جاد» علي محمود حسنين، من الحزب الاتحادي الديمقراطي، دكتور حسين أبوصالح رئيس مؤتمر وادي النيل. اخضع المتحدثون اطروحات المبعوث الأمريكي لنقاش مستفيض خلصوا منه الى عدد وافر من الاستنتاجات والقراءات التي تؤشر الى امكانية تفعيل الولايات المتحدة لدورها في السودان بعد أن تستكمل مهمتها العسكرية في أفغانستان مباشرة. وفيما يلي تفاصيل حلقة النقاش. قال مبارك الفاضل المهدي القيادي البارز في حزب الأمة انه وقبل أن نتناول موضوع زيارة المبعوث الأمريكي، لابد لنا من تقديم خلفية للظروف التي تم فيها تعيين جون دانفورث والموقف الأمريكي الذي نتج عن هذا التحرك الأمريكي. انتهجت أمريكا في عهد الرئيس بيل كلينتون سياسة المواجهة مع النظام القائم في السودان واتخذت لها حلفاء في المنطقة هي أثيوبيا واريتريا واوغندا واعتبرت ان هذه هي دول المواجهة مع النظام السوداني واتجهت نحو دعم هذه الدول لتتمكن من دعم المعارضة السودانية لمواجهة النظام واسقاطه. بالنسبة للتجمع الوطني الديمقراطي حينذاك لم تقدم له الولايات المتحدة الأمريكية دعماً مباشراً وفي لقائنا مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أولبرايت في عام 1997 أكدت انهم ضد النظام السوداني ويريدون التخلص منه ولكنهم سيدعمون التجمع سياسياً وليس عسكرياً ولكن قبل أن يدعموا التجمع ينبغي على التجمع أن يثبت لهم بأنه كيان موحد وانه قادر على تشكيل البديل المقنع للنظام القائم. وأذكر في ذلك الوقت ان جون قرنق وقد كان المتحدث إلى جانبي في ذلك اللقاء، قال لها اننا بصدد عقد مؤتمر التجمع للاتفاق على ترتيبات الفترة الانتقالية والاتفاق على حكم المستقبل. وقد تابعتم كلكم التطورات بعد ذلك ولكن أقول ان هذه السياسة أصيبت بنكسة كبيرة نتيجة للحرب الأثيوبية الاريترية ونتيجة للحرب الأوغندية الكنغولية التي أبعدت هؤلاء الحلفاء عن دائرة الاهتمام المباشر، فتراجعت هذه الدول عن الدور الذي كانت تقوم به للتعاون مع أمريكا وأثر ذلك سلباً على وضع المعارضة السودانية في هذه الدول. أيضاً التحول الذي حدث في داخل النظام هنا، والابتعاد عن قضية التطرف وعن التنظيمات المصنفة كتنظيمات ارهابية وتبني دستور عام 1998 ومحاولة الانفتاح واعطاء الصحافة بعض الحريات والاهتمام بقضية حقوق الانسان، كل هذا أدى إلى تحول في الموقف الأوروبي تجاه النظام السوداني وحدث نتيجة ذلك اختلاف بين الموقفين الأمريكي والأوروبي في المواجهة وفقدت أمريكا الحليف ممثلاً في الاتحاد الأوروبي في المواجهة مع النظام السوداني بعد أن فقدت حلفاءها في الجوار السوداني. وانتهت ادارة كلينتون الى وضع، كان واضحاً انه يحتاج الى اعادة نظر والى اعادة تقييم. وأتت الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جورج بوش الابن وأعادت تقييم الموقف واتضح لها ان السياسة التي اتبعتها الادارة الأمريكية السابقة، كانت فاشلة، وان المعطيات التي قامت عليها قد تغيّرت ولذلك قررت الادارة الأمريكية الجديدة أن تنتقل من المواجهة الى خانة الحوار الايجابي. وأدى هذا إلى تعيين المبعوث الأمريكي جون دانفورث والى تعيين مبعوث الشئون الإنسانية، ولكن لا ننسى ان مصالح الأمن القومي الأمريكي واحدة حتى ولو اختلفت الادارات، ولكن قد تختلف الوسائل نتيجة للمعطيات على الواقع والتقييم الذي حدث، فإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن، هي إدارة قاعدتها اليمين المسيحي وجماعات اللوبي البترولي، والرئيس بوتين نفسه كان يرأس مجموعة كبيرة من شركات البترول في تكساس حيث كان رئيساً لمجلس ادارة كنسورتيوم شركات البترول في تكساس والتي لها نفوذ على ادارته، وكذلك اليمين المسيحي يشكل قاعدة لهذه الادارة، وقد اصطدم الرئيس بوش بالموقف المتضارب بين طرفيه، حيث ان اليمين المسيحي يريد المواجهة مع النظام السوداني على أساس ان النظام السوداني يمارس الرق وينتهك حقوق الإنسان ويضطهد الجنوبيين، أما اللوبي البترولي فيطلب تطبيع العلاقة مع السودان حتى ينال حصة من البترول السوداني. واتخذ الرئيس بوش موقفاً وسطاً حيث اتبع الحوار كوسيلة ولكنه عين دانفورث وهو قسيس كمبعوث حتى يطمئن اليمين المسيحي بأنه ـ أي الرئيس بوش ـ لن يحيد عن رغباتهم فيما يتعلق بهمومه بما يحدث في السودان. إذن صار الاتجاه للإدارة الأمريكية الجديدة هو الحوار الايجابي ولكن هذا الحوار الايجابي لابد له من طمأنة اليمين المسيحي ولذلك عندما أتى دانفورث الى السودان فإن النقاط التي طرحها لم تتناول المشكلة السودانية ولم تتناول مشكلة الحرب، ولكنها خاطبت اليمين المسيحي في أمريكا فاختار دانفورث تشكيل مهمته وفقاً لمجموعات الضغط في أمريكا، لأنه إذا عدنا الى موقف المبعوث الأمريكي الذي تم تسميته أولاً واعتذر عن هذا الدور، نجد ان اعتذاره جاء لأنه يرى ان الموقف الداخلي ليس في مصلحته، لأنه سيتعرض لضغوط داخلية في أمريكا لن تسمح له بالعمل بحرية لتحقيق السلام في السودان ولذلك اعتذر. وبدأ دانفورث مهمته برغبته في اشراك اليمين المسيحي وذلك عبر تلبية رغباته أو عبر مخاطبة مخاوفه، على الأقل، ولذلك اتخذ جبال النوبة وقضية الرق وقضية الاغاثة خاصة في مناطق الحركة الشعبية في جبال النوبة مدخلاً. أما عن الاجابات التي طلبها دانفورث حول مطالبه الأربعة والفترة التي حددها ومدتها شهران، فهو يريد أن يقول انه لا يريد أن يسير في حلقة مفرغة، واذا كانت رغبة السودانيين التوصل الى اتفاق فليؤكدوا ذلك، حتى يتسنى للجميع الدخول في نقاش حول تفاصيل الاتفاق، ولكن اذا كانوا لا يريدون الاتفاق بل اضاعة الوقت فليقولوا ذلك صراحة حتى يتم البحث عن حل آخر للقضية، وهذا نوع من الحسم المطلوب وذلك حتى لا يتوه دانفورث ويكون مصيره نفس مصير المبادرات التي تم طرحها «فالايجاد» لها ثمانية أعوام والمبادرة المشتركة لها عامان وابوجا قبلها، ودانفورث لا يريد الدخول في متاهة، لذلك يريد تحديد فترات رمنية ويرى امكانية تحقيق تقدم في هذا الاتجاه. وبالعودة الى من التقاهم دانفورث، ففي تقديري انه لم يطرح هذه النقاط الأربع بالصورة الواضحة، وفي رأيي ان دانفورث حتى عند اجتماعه بحزب الأمة كان يستطلع الآراء، أما النقاط التي دار الحديث حولها بينه وبين الحكومة فإنه لم يتعرض لها إلا مع الحكومة والتي أعلنتها تدريجيا، وكذلك بدأ دانفورث نفسه يتحدث عنها تدريجياً عند زيارته الى نيروبي والقاهرة حيث بدأت هذه المعلومات تتسرب ولكن دانفورث لم يجعل من مادة النقاش مع الحكومة مادة للنقاش مع القوى السياسية الأخرى التي قابلها، بل استفسر من تلك القوى السياسية عن كيفية الحل وماذا ترى أو تنصحه فيما يتعلق بالقضية. إذن القضايا التي تناولها دانفورث أي الاغاثة والرق وقصف المدنيين هي القضايا التي تثير الرأي العام اليميني المسيحي في أمريكا الى جانب قضية جبال النوبة. ونلاحظ ان عدم مخاطبة المشكلة في الجنوب آثار بعض مخاوف السودانيين، ونتساءل هل دانفورث وأمريكا يهدفان الى ايجاد جيب مسيحي في شمال السودان؟ وهل هذا بداية مخطط لسحب مناطق في شمال السودان وفرض وضع معين في هذه المناطق؟ هذه صارت مخاوف بالنسبة للحكومة وعند عدد من القوى السياسية. لهذا ظهر التفكير في وضع ضوابط لهذه القضية، وبدأ التفكير بأن المشكلة الأساسية هي الحرب في جنوب السودان فلماذا تبحث أمريكا عن وقف اطلاق النار في جبال النوبة؟ فإذا أرادت أمريكا أن تكون جبال النوبة مدخلاً فيجب أن يكون هناك اطار عام يربط هذا المدخل، فإذا تم اعلان وقف اطلاق النار في جبال النوبة فيجب أن تكون هناك فترة زمنية ينتقل فيها وقف اطلاق النار الى مناطق في الجنوب وهي مناطق الحرب الأساسية وتكون هناك خطة متكاملة للحوار والسلام تكون جبال النوبة جزءاً منها ولا تكون المدخل والأساس. تقاسم السلطة والثروة د. توبي مادوت، رئيس حركة القوى الديمقراطية (جاد) المعارضة، الرئيس المناوب للمجموعة السودانية لحقوق الانسان رئيس حزب سانو استهل مداخلته بالتأكيد على أهمية اجتماع السياسيين السودانيين لتبادل الآراء حول تحقيق السلام في البلاد. وأشار السياسي الجنوبي البارز الى ان الرئيس الأمريكي بوش الابن أوضح خلال تسميته للمبعوث جون دانفورث انه خلال عقدين من الزمان خاضت الحكومة السودانية حرباً وحشية ضد مواطنيها وان هذه الحرب عرضت الملايين للارهاب والعنف والاسترقاق وان الولايات المتحدة ترغب في ايقاف الحرب والتي تقع أصلاً على عاتق الحكومة السودانية. وأشار مادوت الى ان المبعوث الأمريكي طالب في أول زيارة له الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان بالمساعدة من أجل تحقيق السلام لتبني المقترحات الأربعة التي طرحها. وناشد د. مادوت السياسيين والأكاديميين ورجال الاعلام وغيرهم الضغط على الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان كيمن أجل الموافقة على ايقاف الحرب واشاعة السلام، كما دعا لاطلاق حملة للتعبئة يشارك فيها كل الأحزاب والقوى السياسية من أجل تحقيق السلام وإعادة الديمقراطية وضمان احترام حقوق الانسان. وشدد د. مادوت على أن هناك أربعة عوامل تفرق بين أهل الشمال وأهل الجنوب، حددها في عدم توازن المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وتباين واختلاف وجهات النظر حول نوع الحكم، ومشكلة الهوية وأخيراً مشكلة الدين، مؤكداً ان حل المشكلات السودانية لن يتأتى من خلال الاعتراف بالتنوع العرقي والثقافي، وانه وفقاً لذلك يمكن لجميع أهل السودان أن يتعايشوا في ظل نظام حكم فيدرالي كما في أمريكا والهند، ولن يتم ذلك إلا بفصل الدين عن الدولة. وأوضح رئيس «جاد» ان هناك حلاً آخر إذا لم يقبل الجميع بفصل الدين عن الدولة، وهو امكانية التعايش في سودان واحد ولكن بنظامين «كونفيدرالية»، موضحاً انه يتطلع لأن يكون السودان وطناً للجميع مسلمين ومسيحيين ولكن ما يحدث اليوم يجعل السودان «داراً للحرب»، كما نادى أيضاً بأن يكون هناك تقسيم للسلطة والثروة لأن البلد الذي لا توجد فيه هاتان المسألتان يكون معرضا للحرب في أي لحظة، داعياً الحكومة والقوى السياسية الأخرى بما فيها الجيش الشعبي لتحرير السودان الاستفادة من التجربة الأمريكية لأن الولايات المتحدة اليوم أصبحت بلداً يستوعب كل الأجناس والملل والديانات والجميع يتمتع بحقوقه سواء الدينية أو الثقافية أو السياسية. وأشار د. مادوت إلى ان الاهتمام الأمريكي بمشاكل افريقيا يرجع الى البرنامج الذي وضعته حكومتها لتحقيق السلام والتنمية في افريقيا، لذلك ساندت اعادة انتخاب كوفي عنان أميناً عاماً للأمم المتحدة لدورة ثانية، وان علينا أن نستفيد نحن السودانيين من برنامج الولايات المتحدة خاصة ونحن في حاجة للسلام. وناشد رئيس حركة «جاد» الحكومة والجيش الشعبي لتحرير السودان ورؤساء العالم وشعب السودان تأييد جهود الولايات المتحدة لايقاف الحرب في السودان لكي يعيش الجميع في سلام وأمان وتنحر الهجرات القسرية وتدفقات اللاجئين. وذكر د. مادوت بأن البرنامج الأمريكي لتحقيق السلام والتنمية في افريقيا سبق وان تم تنفيذه بشكل آخر في بعض مناطق العالم وبصورة خاصة في «جنوب افريقيا» التي كانت تطبق نظام التمييز العنصري في السابق، كما انه ساعد في اعادة الديمقراطية في نيجيريا. كما ذكر أيضاً بأن الرئيس بوش في خطابه لدى تعيين دانفورث انه يريد ايقاف الحرب في الجنوب وجبال النوبة. واذا ما نجح في ذلك فإنه سيكون هناك مجال لاتفاق أهل السودان. ايقاف الحرب وتحدث حسن عبدالقادر هلال من الحزب الاتحادي الديمقراطي قائلاً ان مهمة المبعوث الأمريكي في تقديرنا ذات هدف وحيد وهو ايقاف الحرب مهما كلّف ذلك، والبند الأول لإيقاف الحرب تتفرع منه بنود أخرى، ممثلة في ايقاف توابع الحرب مثل الرق والاختطاف والاغاثة، موضحاً ان المبعوث الأمريكي لم يتحدث عن السلام الشامل في السودان اطلاقاً، ولم يتحدث عن الديمقراطية والحرية في السودان ولم يتحدث عن السلام الاجتماعي بل تحدث عن ايقاف الحرب دون تحديد لأي شيء آخر، ولكن ايقاف الحرب بهذه الطريقة المبتسرة في تقديرنا يصب في مصلحة السلطة الحاكمة تماماً ويتجاهل كل مطالب المعارضة مهما كانت عادلة. وأكد ان عملية ايقاف الحرب تتم بإزالة أسباب الحرب نفسها، فإذا كانت الأسباب مستمرة وباقية فإن مسببات الحرب تظل باقية لأنها لم تستأصل، مشيراً إلى انه كان الأجدر بالمبعوث الأمريكي أن يربط ايقاف الحرب بالحرية والديمقراطية والسلام في السودان، الحرية والديمقراطية في السودان تعنيان التداول السلمي للسلطة، وتعنيان احترام الناخب السوداني، والحرب نفسها عندما بدأت لم تكن حرباً دينية، ولم يكن الاسلام والمسيحية طرفاً فيها ولكنها اتسعت بعد قرار الرئيس السابق جعفر محمد نميري بتقسيم الجنوب، حيث تم خرق اتفاقية أديس أبابا عام 1972 وتم تقسيم الجنوب بدلاً عن الاقليم الواحد. وأوضح هلال ان الحرب في الجنوب تحدث لغياب أو تغيب الانسان السوداني والفكر السوداني، حيث انه لم يكن لأحد يد في قرار نميري بتقسيم الجنوب، بل كان قراراً منفرداً أدى لهذه الحرب. وشدد هلال على ان أسباب الحرب ومسببات الحرب تكمن في اعطاء الحق للسودانيين في اختيار النظام الأمثل الذي ينشدونه، أما النظام المفروض عليهم من أعلى، فهو نظام لا يكتب له الاستمرار ولا يكتب له الخلود ولذلك عندما نتحدث عن ايصال الاغاثة لمستحقيها والرق والاختطاف، فإننا نتحرك داخل دائرة مفرغة وسوف تستمر هذه الدائرة، ولكن الى متى؟ وإلى متى يستمر اسقاط الاغاثة للمنكوبين والمحتاجين والنازحين إلى الأبد؟ وهل إذا توقفت الحرب واستمرت الاغاثة هل هذا هو السلام الذي ننشده؟ وأكد هلال ان الحل الناجع يكمن في الحرية والديمقراطية عبر صناديق الاقتراع حتى لا نغيّب الناخب السوداني ولا نغيّب الإنسان السوداني، ولا نغيّب الفكر السوداني الأصيل، موضحاً ان القبول بالتعددية يؤدي تلقائياً إلى القبول بتداول السلطة إذن فإن الحق بأيدينا نحن السودانيين إذا اجتمعنا مسلمين ومسيحيين، إذا اجتماعنا وقررنا سوف نعطي الحل اللائق قبل أن يفرض علينا فرضاً، لأن المبعوث الأمريكي قد جاء بنقاط تستبطن إنذاراً أمريكياً، أما أن تتفقوا أو تقبلوا بالحل فإن الحدود مرسومة ومقسمة إن رضى الجنوبيون أم لم يرضوا رضي الشماليون أو لم يرضوا، كل شيء مرتب ومقسم وليس أمامنا سوى المدة الزمنية التي حددها المبعوث الأمريكي، يتفرغون لنا بعدها. مرارات المشكلة وتحدث فاروق جاتكوث الأمين العام لجبهة الانقاذ الديمقراطية وقال انه من الجنوب ويعيش مرارات المشكلة، وان احساسه هو احساس من هو بحاجة للمساعدة للخروج من هذه الوحدة. وأوضح انه وانطلاقاً من حبه للبلد يؤكد على ان كل مشاكل السودان يجب أن تحل عبر الحوار بين أبناء البلد الواحد، مشيراً إلى انه إذا كانت هناك شركات تصنع وتنتج اللجوء والنزوح فمثل هذه الشركات موجودة الآن في السودان، ولكنها لا تنتج هذا النزوح واللجوء للجنوبيين وحدهم، ولكن للسودانيين كلهم. وأضاف ان مشكلتنا في السودان اننا اعتقدنا ان المشكلة سوف تنحصر بين الشمال والجنوب ولن تنتقل الى الشرق ولن تنتقل الى النيل الأزرق أو جبال النوبة، وكان كل الحديث عن الشمال والجنوب، وفي كل أمر يتم تنفيذه في السودان كان أبناء الجنوب يسألون عن نصيبهم في هذا الأمر، ولكننا الآن ومعنا جون قرنق نفسه، فقد صرنا جميعاً نعيش المشكلة نفسها، وهذا يضع السودانيين أمام ضرورة توحيد الارادة حتى يكون الحل في أيدينا وليس أجنبياً أو في يد أي بلد آخر، وذلك لأن إرادة الشعوب لا تقهر، وإذا لم يوحدّنا السلام فإن المأساة التي نعيشها حالياً من المفترض أن تجمعنا جميعاً، حتى يتم ايقاف هذه المصانع التي تنتج النزوح واللجوء. من جانبي لا استغرب حديث دانفورث لأنه ليس الأول، وهناك شخصيات أمريكية سارت على المنحى نفسه بمن فيهم رؤساء سابقون أمثال جيمي كارتر الذي حاول مرات عدة عبر منظمته جلوبال 2000 الاسهام في محاربة مرض الفرنديد، ولكنه فشل في تحقيق السلام، ولكنه استمر في مكافحة الفرنديد حتى الآن. ان أمريكا تعرف مصالحها جيداً وتجد الوقت مناسباً للتدخل في السودان ولكن ليس لمناصرة أي طرف وذلك بدليل ان دانفورث لم يقابلنا في جبهة الانقاذ الديمقراطية المتحدة، رغم علمه ان هناك اتفاقية للسلام وان هناك أطرافاً لهذه الاتفاقية، وقد قمت بالاحتجاج على ذلك كأمين عام للحزب، لماذا لم يقابلنا دانفورث في الوقت الذي قابل فيه بعض الجنوبيين سواء أكان ذلك سراً أو علناً؟ فقد قابل الجنوبيين المنضويين تحت مظلة الحزب الحاكم أي المؤتمر الوطني وكذلك قابل وفد الاساقفة الى جانب أفراد مثل أبيل الير ومجموعة أخرى من أبناء الجنوب. وعلى كل فإن دانفورث لم يقابلنا في جبهة الانقاذ الديمقراطية كطرف لمبادرة الخرطوم للسلام خاصة وان مهمة دانفورث هي مهمة لتحقيق السلام وبالذات عندما زار البلاد وفد المقدمة للمبعوث، فقد أجرى وفد المقدمة لقاءً مع ممثلي جبهة الانقاذ الديمقراطية، أم ان دانفورث قد اكتفى بما نقله إليه وفد المقدمة وما ناقشه الوفد مع جبهة الانقاذ الديمقراطية المتحدة؟ أم هناك شيء في نفس يعقوب!؟ وحتى لا نظلم دانفورث نسأل ان كان هو قد رفض مقابلة هذا الكم من المواطنين أم ان الحكومة هي المسئولة لأن الحكومة هي التي وضعت برنامج الزيارة. وعن الاجابات المطروحة لأسئلة ومطالب دانفورث الأربعة وعدم مقابلته لممثلين لأبناء الجنوب في الداخل أقول ربما تجاهل دانفورث لقاء الجنوبيين ظناً منه ان أية خطوة تخطوها أمريكا في شأن السلام ستجد التأييد والمباركة من الجنوبيين، وحقيقة فإن كل الجنوبيين استبشروا خيراً بمن فيهم الجنوبيين الذين في السلطة. وزيارة دانفورث تقودنا للسؤال حول فشل المبادرات المطروحة لتحقيق السلام مثل اتفاقية الخرطوم للسلام وكلكم شهد عليها ولماذا تأخذ مبادرة الايجاد كل هذه السنوات، ولماذا يكون مصير المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة مصير أية مبادرة سابقة ولماذا نتمسك بمبادرة دانفورث ونترك كل مبادراتنا السابقة؟ ونحن نريد أجوبة صريحة لكل هذه الأسئلة، وأقول ان دانفورث أعطى مهلة الشهرين، لأنه بعد انقضاء هذه الفترة تكون أمريكا قد انتهت من أفغانستان لتهبط في السودان. وأقول ان الأمريكان قادمون ولهذا علينا أن نستبق التحرك الأمريكي، ومن هنا أدعو الأحزاب السياسية الشمالية لزيارة الجنوب والوقوف على المأساة التي تحدث هناك وانتهاك حقوق الإنسان، رغم ان الجنوب لم يبق فيه أحد فقد نزح أهله شمالاً. وأمريكا تعلم جيداً اننا لا نحترم العهود واننا نقوم بتوقيع اتفاقية سودانية بحتة دون تدخل من أحد ولكننا لا ننفذ بنود تلك الاتفاقية على الاطلاق، الى جانب التضارب في الأقوال والأفعال ويظهر ذلك جلياً إذا قمنا برصد ما يصدر عن وزارة الخارجية مثلاً من تصريحات والتي تختلف عن تصريحات لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس الوطني أي البرلمان، كما تختلف عن تصريحات مجلس الصداقة الشعبية العالمية رغم ان الجهات الثلاث واجهة واحدة للسياسة الخارجية، واليوم نرى ان آليات السلام الموجودة في السودان كثيرة جداً ولكنها غير موحدة. العالم لن يسمح بالحرب وعن المبعوث الأمريكي قال غازي سليمان المحامي، رئيس المكتب السياسي لحركة «جاد» انه يعتقد ان المعلومات التي استمعنا اليها اليوم من مبارك الفاضل والدكتور حسين سليمان أبو صالح هي معلومات مفيدة جداً وفي الوقت نفسه فإن التحليل الموضوعي للأخ فاروق جاتكوث والدكتور توبي مادوت رئيس القوى الديمقراطية والعالم علي محمود حسنين، هذا كله حديث حسن. ان القضية في رأيي بسيطة جداً وتتمثل في امكانية أن يسمح العالم باستمرار الحرب في الجنوب أم لا،. هناك حديث قاله لي مباشرة جون برزدنس، وحديث آخر قاله لي مباشرة جون دانفورث، على ان السياسة الأمريكية ضد التدخل فيما يسمى سيادة أية دولة، ولكن يبقى السؤال المطروح هل يمكن السكوت على ما يحدث في جنوب السودان؟ وكيف يتم وضع حد للحرب الدائرة في جنوب السودان وايجاد حل عادل لهذه القضية، هذه هي الأسئلة المحورية وإذا استقعنا كسودانيين الجلوس معاً، كما ذكر فاروق جاتكوث فإن حل القضية في اعتقادي لا يتطلب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية ولا أية دولة أخرى، ولكن اذا لم نتمكن من ايجاد الحل واستمرت الحرب والقتل والتعالي العرقي والديني والثقافي فإن العالم لن يقف مكتوف الأيدي وأنا أعتقد وأميل الى انه ستصدر قرارات من الأسرة الدولية وليس من أمريكا بل ربما من مجلس الأمن الذي سيفرض وقفاً لإطلاق النار ولكن سوف لن يتم فرض اعادة ترتيب حدود ما يسمى بحدود جمهورية السودان. ان حديث دانفورث الأخير ما هو إلا مقدمة على ان الولايات المتحدة يمكنها أن تفعل كذا وكذا وهذه ليست هي الأمور الأساسية لوضع خط وتكوين دولتين، ان وقف الاختطاف والممرات الآمنة التي يعنون بها مرور الاغاثة ومسألة الفقر ووقف القصف الجوي والاعتداء على الشعب العامل في الجنوب هي المحاور الأساسية لحل المشكلة. هذه هي القضايا الأساسية، وإذا استطعنا نحن أن نحلها فليست هناك أية مشكلة. أسباب الاهتمام الأمريكي وتحدث في الندوة علي محمود حسنين المحامي القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي قائلاً ان الحديث عن أهداف زيارة المبعوث الأمريكي الأخيرة للسودان لا يمكن أن يناقش بمعزل عن المسعى الأمريكي الذي ظل متصلاً منذ انقلاب الجبهة الاسلامية على السلطة، فأمريكا ظلت تعنى بالشأن السوداني لأسباب متعددة، والمصلحة تأتي في المقدمة وهذا لا يعيب أحداً، لأن الدول عندما تتحرك فإنما تحركها مصالحها ولكن في الوقت نفسه هناك مباديء عامة ظلت الادارة الأمريكية تطلقها من وقت لآخر متعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والدليل على ذلك انه بمجرد قيام هذا الانقلاب أوقفت الادارة الأمريكية كل عون ودعم للسلطة الجديدة دون أن تتبين مراميها أو برامجها وأرسلت الولايات المتحدة أحد رؤسائها السابقين وهو جيمي كارتر لكي يعنى بشأن السلام في السودان، والحكومة قبلت واجتمعت به مرات عدة داخل السودان وخارجه، ومنذ عام 1994 جاءت الايجاد وأمريكا ضمن أصدقاء الايجاد فأصبحت الولايات المتحدة مع أوروبا من شركاء الايجاد وبالتالي أصبح لها اهتمام مباشر بالقضية السودانية عبر الايجاد وكان لها دور تحديد اعلان مباديء الايجاد الذي تم اقراره عام 1994 ووافقت حكومة السودان عام 1997 على تلك المباديء، وفي مرحلة سابقة جاء جونستون في ظل الادارة الديمقراطية، معيناً من قبل الرئيس الأمريكي والتقى بالحكومة والمعارضة وبكافة القوى السياسية وفي الفترة الأخيرة جاء مندوب الكونجرس الأمريكي جون كوكسي والتقى بقيادات المعارضة في الشمال والجنوب وكان يستمع الى القضية حتى تكتمل الرؤى لدى الادارة الأمريكية، وجاء وفد المقدمة لزيارة دانفورث والتقى بالقوى السياسية وبالخارج وأخيراً جاء دانفورث والتقى ببعض الشخصيات والتقى بالحكومة أساساً ثم التقى بالتجمع الوطني في القاهرة وحزب الأمة، كما التقى بزعيم الحركة الشعبية العقيد جون قرنق في نيروبي ثم قابل بعض القيادات الأخرى على هامش وجوده وليس في لقاءات متصلة. إذن هذه الزيارة يجب ألا يتم تناولها في معزل عن الموقف الأمريكي إزاء القضية السودانية، والشيء الثابت ان الادارة الأمريكية معنية كثيراً بالحرب في الجنوب لأن الحرب في الجنوب قذرة وطويلة الأمد قتل فيها مليونا سوداني وشرد خلالها ـ كما قال الدكتور توبي مادوت ـ حوالي أربعة ملايين جنوبي نزحوا الى الشمال ونصف مليون لجأوا الى الدول المجاورة، والجنوب الآن خالٍ من السكان تقريباً والذين يسكنون الجنوب الان لا يزيدون على مليون نسمة، لذلك فإن الاهتمام بايقاف هذه الحرب مطلب مشروع وواجبنا نحن في السودان يجب أن يكون مضاعفة الاهتمام الذي نلمسه من الدول الأخرى لأن الذين يموتون هم بعض منا وبالتالي إذا كانت الولايات المتحدة أو الغرب قد اهتموا بأمر الحرب في الجنوب، فينبغي أن يكون اهتمامنا مضاعفاً ان الادارة الأمريكية وفق مقابلات عدة تجريها هنا وهناك ومعلومات من هنا وهناك، لم تخلص حتى الآن الى مبادرة محددة لتحل على أساسها القضية السودانية، وهي في هذه المرحلة تتلمس الرؤى وتستمع الى رأي الحكومة والى رأي الحركة الشعبية ورأي القوى السياسية في الشمال وفي الجنوب حتى تستطيع على ضوئها أن تحدد موقفاً نهائيا ولكنها تريد أيضاً أن تستيقن من القوى التي تقف بصورة مباشرة وعلنية ضد مساعي السلام، هل هي القوى السياسية؟ أم هي الحركة الشعبية؟ أم حكومة الخرطوم؟ يجب أن نستيقن بطريقة واضحة، ولهذا الاستيقان ما بعده من خطر قد يأتي في مرحلة لاحقة، لذلك ما تقدم به دانفورث أخيراً هو ليس مبادرة ولا علاقة له بحل القضية السودانية بصورة مباشرة وانما هي اجراءات تمهيدية أو كما نسميها نحن في الزواج «فتح خشم» انهم يريدون في هذه المرحة أن تهدأ حدة الحرب ويكون هناك قدر من هدوء الأحوال حتى تناقش القضية بأبعادها المختلفة في خطوات لاحقة، لذلك الأمر يتعلق بعدم قصف المدنيين بالطيران والاغاثة والممرات التي تتدفق الاغاثة عبرها، والأمصال والتطعيم وعدم اختطاف الأطفال والنساء ولم يتحدثوا عن الرق، وذلك لأن الاختطاف سمة من سمات الحروب حتى بين القبائل عندما تحدث الحروب يحدث اختطاف هنا وهناك عبر الأسر أو خلافه، هذه المطالب الأربعة ليست موجهة للأحزاب السياسية مطلقاً ولذلك لم تعرض على الأحزاب السياسية بل هي موجهة للحكومة ولأصحاب الشأن الذين ينفذونها، من الذي يقوم بالقصف بالطائرات الأحزاب أم الحكومة؟ الممرات الآمنة لابد من الاتفاق عليها بين الحكومة والحركة الشعبية والاغاثة لابد أن توافق عليها الحكومة وإذا كانت هذه الاغاثة موجهة لمناطق العمليات للحركة الشعبية لابد أن توافق الحركة الشعبية، ولذلك الجهتان المعنيتان بهذه المطالب الأربعة هما الحكومة والحركة الشعبية بدرجة أكبر وليست معنية بها الأحزاب السياسية، لذلك الانذار ليس موجهاً للقوى السياسية دائما موجه للقوى التي تحمل السلام ومرتبطة بتنفيذ هذه المطالب الأربعة. ان هذا الأمر يهدف الى ايقاف المجاعة في مناطق العمليات وايقاف القصف وبالتالي تقليل اراقة الدماء وهذه المطالب لا تتحدث عن وقف لاطلاق النار إلا في منطقة جبال النوبة لأنها منطقة في قلب الشمال ولكن لم تتحدث عن وقف لاطلاق النار بصورة عامة في مناطق العمليات كلها لأن هذا لا يمكن أن يتم إلا في اطار حلٍ سياسي شامل للأزمة السياسية السودانية. لماذا تدخلت الولايات المتحدة؟ تدخلت لأنه كانت هناك الايجاد منذ عام 1994 ولم تنجز شيئاً يذكر، والايجاد كان حواراً بين الحركة الشعبية والحكومة في الخرطوم وبالتالي فإن القوى السياسية السودانية ليست جزءاً من هذا الحوار، وبالتالي فنحن كقوى سياسية شمالية غير معنيين بالايجاد، كما انها من جانب آخر تتعلق بايقاف الحرب في الجنوب، وقضية الجنوب في الواقع هي مظهر لقضية كاملة هي قضية الأزمة السودانية كلها، وإذا تم حل القضية من جذورها تحل القضية تلقائياً في الجنوب، ولذلك حتى اذا قلنا ان قضية الجنوب متميزة بأركانها و،لا علاقة لها بالشأن السوداني، لابد أن تتشارك القوى السياسية كلها في حل هذه القضية، لأن القضية في الجنوب ليست بين الحركة الشعبية وحكومة الانقاذ، وانما ينبغي أن تشارك فيها كافة القوى السياسية لأن الجنوب جزء من أرضنا وترابنا ولابد أن يكون لنا رأي سواء تم قبول هذا الرأي أو تم رفضه. لذلك كان من البديهي أن تفشل الايجاد لأن أطرافها قاصرة وان موضوعها أيضاً قاصر والحكومة ظلت على الدوام ترفض الايجاد من حيث الموضوع حيث العضوية وهناك محاولات ضخمة قادها التجمع لتوسيع الايجاد عضوية وموضوعا ولكن الحكومة هي التي كانت ترفض هذا وتريد أن تحل القضايا جزءاً جزءاً، كما ان الجنوبيين تمزقوا بين الحركة ورياك مشار ولام اكول وتسبب ذلك في تمزيق الحركة الجنوبية، ثم أيضاً في الشمال تريد أن تمزق القوى الشمالية لتناقش هذا دون هذا، والقضية السودانية لا يمكن أن تحل إلا عبر حل شامل جامع تناقش فيه كافة القضايا باتفاق كافة القوى السياسية في الشمال والجنوب. وكان بديهياً أن تراوح الايجاد مكانها منذ عام 1994 حتى عام 2001. وجاءت المبادرة المشتركة لتكمل هذا النقص وقد كانت أكثر شمولاً من حيث العضوية لأنها مفتوحة لكافة القوى السياسية السودانية في الشمال والجنوب ولكن هذه المبادرة حذفت بنوداً تم الاتفاق عليها عبر مبادرة الايجاد منها قضية فصل الدين عن الدولة وحق تقرير المصير الذي كان موجودا في اعلان مباديء الايجاد، مما جعل بعض الأخوة في الجنوب يرون ان هناك حقاً مكتسباً قد تم نزعه، ولكن المبادرة في تقديري يمكن أن تتجاوز هذا النقص اذا ما بدأنا في التنفيذ، لأن البند الثامن يتحدث عن سلطة انتقالية، وهذه السلطة الانتقالية هي التي تدعو الى مؤتمر دستوري، وبالتالي اذا بدأنا تنفيذ الاتفاقية وقامت سلطة انتقالية من كافة القوى السياسية ومنها القوى السياسية التي تحمل السلاح والتي ستكون جزءاً من السلطة لأن السلطة الانتقالية هي التي ستدعو الى المؤتمر الدستوري وتستطيع هي في تلك اللحظة أن تأخذ أمر دينها وتجدد علاقة الدين بالسياسة وحق تقرير المصير وكل البنود الناقصة في المؤتمر الدستوري وبارك الله في المصريين والليبيين لأننا عندما نجلس كسودانيين سوف نصبح أسياد أنفسنا وقرارنا، ولذلك يمكن أن نتفادى هذا النقص إذا نحن نظرنا الى البند الثامن بمعانيه الحقيقية، المعاني اللغوية والقانونية والسياسية والدستورية. ولكن الحكومة وبمجرد أن استبان لها هذا الأمر بعد الموافقة، أعلنت ان الحكومة الانتقالية هي حكومة الانقاذ الحالية وانها هي الحكومة الانتقالية وان الأمر يستمر كما هو فإذا قلنا أكثر من مرة انه عندما نتحدث عن سلطة انتقالية انما نتحدث عن انتقال من مرفأ الى مرفأ، من ميناء الى ميناء، ومن حالة الى حالة، ولا يمكن أن تكون الانقاذ حكومة انتقالية، ويجب أن نبحر من ميناء الانقاذ الى ميناء اخر، وهذا الميناء الآخر هو السلطة الانتقالية، لذلك فإن الحكومة وبإصرارها على انها هي السلطة الانتقالية وانها لا تمانع من مشاركة أفراد أو جماعات أو كيانات لكي تجمّل بها وضعها أثارت كثيراً من الشكوك حول امكانية تنفيذ المبادرة المشتركة. ورغم هذا، ولأن الايجاد ظلت متعطلة لسنوات عدة وظلت المشتركة رغم انها أكثر شمولاً موضوعاً وعضوية من الايجاد وبالتالي أكثر قبولاً من الايجاد وان القوى السياسية في الجنوب والشمال يجب أن تكون أكثر حماساً لها، بسبب هذا النقص في البندين المذكورين. وكان لابد من تدخل جهة ما، وكان علينا أن نتخطى جراحنا ونقوم بمبادرات جادة نعلن فيها انه لا مكان ولا مجال لأن تظل القضية السودانية تراوح مكانها مع هذا التقتيل التخريب في كل البنيات السودانية، ولكن من الواضح اننا في السودان لن نرتفع الى هذا المستوى، وأول جهة رفضت أن ترتفع هي الحكومة التي مازالت تطبق برامجها التي بدأتها عام 1989، ومازالت تعتقل المواطنين تحت طائلة قانون الأمن الوطني. الحكومة مازالت في مربعها الأول، مربع التسلط والقهر والاستبداد، ولا يمكن لحكومة تريد أن تحل قضية الشعب السوداني بصورة جذرية أن تتمسك بسياساتها واطروحاتها وتقول انها تتقدم لحل القضية السودانية، اذن لابد من تدخل من جهات ما. والآن الولايات المتحدة الأمريكية وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمر الماضي في نيويورك وواشنطن، أصبح لها وضع متميز، شئنا هذا أم لم نشاء قبلنا هذا أم لم نقبله، رضينا بهذا أو أجبرنا عليه، أصبحت الولايات المتحدة تقول وغيرها يقول نعم، تضرب بلداً مسلماً والمسلمون يقولون نعم، تهدد بضرب بلد عربي، والعرب أيضاً يؤيدون ويشاركون، والآن إما أن نكون في هذا الجو أو نكون في خسران مبين، هكذا هي الصورة الآن، وفي هذا الجو جاءت مطالب دانفورث للحكومة السودانية في بنودها الأربعة، والشهران لهما معان كما قال الأخ فاروق جاتكوث، أولها تحديد من الذي يرفض اتخاذ اجراءات أولية وتمهيدية لتهيئة مناخ ايقاف الحرب ولم تدخل في اجراءات ايقاف الحرب، وعلى ضوء هذا فإن الادارة الأمريكية كان لابد أن يكون لها رؤاها، والذي نريده انه لابد للقوى السياسية أن تسرع الخطى عبر ما هو متاح في مبادرات، ومنها المبادرة المصرية الليبية المشتركة والايجاد، ومنبر تفاوضي موحد حتى لا يحدث تسويف للمبادرات لأنه عندما تكون هناك منابر عدة فقد يؤدي ذلك الى ربكة، والحكومة تأخذ من هنا ما يعجبها وتترك الأمر معلقاً وتذهب الى منبر آخر يكون أكثر ربحية لها، لهذا نريد منبراً موحداً يكون منبر الايجاد المبادرة المصرية الليبية المشتركة، واذا كان الأخوة في مصر وليبيا والاخوة في الايجاد عاجزون عن توحيد منبر التفاوض، فإنه ستأتي دولة مثل الولايات المتحدة لتفرض هذا المنبر وبالتالي توحد هذه المبادرات أو أن تنفرد بمبادرة لتأخذ من هذا وتأخذ من تلك. وحدة التراب السوداني وتحدث الدكتور حسين سليمان أبو صالح في مؤتمر وادي النيل متسائلا حول مهمة دانفورث، وقال هل مهمة هذا المبعوث تحقيق السلام في السودان؟ أم ان هناك أمراً آخر؟ لأن في الأحاديث التي دارت عن مهام المبعوث فيما يختص بالمسائل الإنسانية فهناك مبعوث آخر للرئيس الأمريكي يختص بالشئون الانسانية في السودان، ولا يعقل أن يكون هناك مبعوثان للمسائل الانسانية وأعيد السؤال ما هي المهمة الحقيقية لهذا المبعوث على الأقل في الفترة الحالية؟ أعتقد ان الجمهوريين في الولايات المتحدة قد تقدموا عام 1990 بمبادرة قدمها وقتها هيرمان كوهين وكان وقتها مساعداً لوزير الخارجية الأمريكية للشئون الأفريقية، وأعتقد ان مبادرته كانت جيدة ومتكاملة ومدروسة، ولو قدمت الآن لوجدت القبول في كثير من القوى السياسية ولكن لأسباب شاركت فيها الحكومة وحركة التمرد تم اجهاض هذه المبادرة والتي كانت تشمل ضمان وحدة التراب السوداني والدعوةة الى تفعيل النظام الفيدرالي والدعوة الى اقامة نظام ديمقراطي ليبرالي تعددي والفصل بين القوات بمراقبين متفق عليهم ثم عقد مؤتمر لمناقشة القضية السودانية برمتها. تلك المبادرة كانت ملفاً كاملاً ولكنها أجهضت، إذن في وقتها كان الجمهوريون والولايات المتحدة تقف مع وحدة التراب السوداني وبقوة وتعمل على تحقيق السلام عبر مبادرة جادة. وأتساءل هل أمريكا مازالت تؤمن بوحدة التراب السوداني أم ان هناك متغيرات جديدة؟ أعتقد ان هناك متغيرات لأنه في ندوة واشنطن عام 1993 والتي شارك فيها تقريبا كل مساعدي وزير الخارجية لأمريكا في حقب ثلاث حيث شارك فيها مستر كوكس، وهيرمان كوهين، وشارك فيها جورج بوش، في هذه الندوة قدمت ثماني نقاط، ولأول مرة يتم الحديث عن تقرير المصير ليس للجنوب فقط وانما للجنوب ولمناطق جبال النوبة والانقسنا، اذن هناك فكرة أو فكرتلن. وأنا أؤمن على حديث مبارك الفاضل بأن الأهداف الاستراتيجية والمصالح الاستراتيجية لأمريكا لا خلاف حولها ولكن الخلاف ربما كان في التكتيك أو غيره. إذن نعود ونسأل مرة أخرى هل أمريكا مع وحدة التراب السوداني أم مع التفكيك لأن تقرير المصير ربما يعني التفكيك؟ وأعتقد ان الدراسة التي قدمها معهد الدراسات الاستراتيجية بأمريكا والتي شارك فيها دكتور فرانسيس دينق مع أكثر من 50 مشاركاً، إذا أخذت بها الادارة الأمريكية أو لم تأخذ بها، حددت ان المبادرات الاقليمية فاشلة سواء أكانت الايجاد أو المشتركة، لأن الأخيرة تريد أن تجهض الايجاد لأنها تحتوي على نبذ تقرير المصير. والدراسة أكدت ان المبادرتين فاشلتين وطلبت بالابقاء على ما جاء في اعلان المباديء علماً بأن اعلان المباديء كان السبب الرئيس لافشال المفاوضات عبر ثمانية أعوام بين الحكومة وحركة التمرد. أما النقطة الثانية فإن الدراسة تدعو الى مبادرة من خارج الاقليم بالتحديد من بريطانيا أو النرويج لأنها يمكن أن تكون وراء الاتفاق ومعها مجموعة من الدول الأوروبية وغيرها فهل ستأخذ الادارة الأمريكية الآن بهذا المنحى أم لا؟ وبالرجوع الى هذه الدراسة وما تم الآن بخصوص المبعوث الأمريكي جون دانفورث نجد انه ليست هناك مبادرة أمريكية، وما قدمه دانفورث لا يعتبر مبادرة مطلقاً، وقد أكد على ذلك المبعوث، والمطالب التي قدمها دانفورث تتركز حول الاغاثة، ولكن كيفية تنفيذها غير واضحة هل عن طريق تحالف أمريكي كما أشارت الدراسة هذا غير واضح، لأن أمريكا لم تقدم مبادرة الآن ولم تدع الى تحالف دولي، وفي الوقت نفسه ليس هناك أي تعليق أمريكي حول المبادرات السابقة، ولكن يوجد احساس ان هناك محاولة للاستفادة من الايجاد بصورة أو أخرى أي تطوير الايجاد وربما الاستفادة من الأفكار التي وردت فيها. وأعتقد انه تم الآن التركيز على منطقة جبال النوبة وقد سبق ذلك حديث تردد عن المجاعة في هذه المنطقة، علماً بأن ذلك لم يكن جديداً، ولكن أعتقد انها بداية لايجاد ملاذ آمن في جبال النوبة علماً بأن جبال النوبة في وسط السودان. وقد يتم خلق ملاذ آمن بصورة خفية أيضاً في مناطق الانقسنا. وان ما أفشل مبادرة هيرمان كوهين هو ان جون قرنق حدد وقتها الحدود بخط 13 شمال خط الاستواء بينما المبادرة تطالب بتخفيض الوجود العسكري في الجنوب بصورة عامة، فيما كان يطالب قرنق بجلاء القوات الحكومية في محاولة لنقل الصراع الى حزام السافانا، وأنا أعتقد ان حزام السافانا هو الذي سيحدد وحدة السودان وربط الشمال والجنوب، وهي المنطقة التي تقطنها القبائل الخليطة وهي منطقة الامتزاج العرقي وليست منطقة التداخل القبلي وهي المنطقة التي تحدد ان الشمال والجنوب بحاجة الى الوحدة. وأعتقد ان التركيز على جبال النوبة ربما يأتي في اطار محاولة للتفكيك وابعاد السيطرة الحكومية عن هذه المنطقة حتى تكون تحت اشراف غير سوداني. ويؤكد على ما ذهبنا اليه المقترحات التي تقدم بها دانفورث بإعلان هدنة في جبال النوبة وايقاف الرق فهذه أمور تسعى الحكومة السودانية لتحقيقها أيضاً، وأنبه ان ما طلب من مناطق آمنة مؤشر لخطر قادم استشعرت جامعة الدول العربية خطورته. وكنت آمل من مبعوث يعمل من أجل السلام أن يبدأ ويستهل مهمته بايقاف اطلاق النار، اذ ليس هناك معنى أن تستمر الحرب والتفاوض جنباً الى جنب، حيث ان جون قرنق يرفض ايقاف اطلاق النار إلا عبر حل شامل بينما أنا أعتقد انه بدلاً من المزيد من الآلام ومفاقمة المأساة الانسانية أعتقد انه يجب اعلان وقف اطلاق النار قبل البحث عن الممرات والملاذات. والحل يتمثل في أن تكون جادة في التفاوض مع المبعوث حول هذه النقاط والمقترحات ولا يمكن القبول بأنها إما أن تقبل أو ترفض دون نقاش حولها، ولا يمكن قبول حديث دانفورث بأنه يريد أن يعلن الجهة التي ترفض ذلك، وجون قرنق سوف يقبل هذه المقترحات ولكن الحكومة السودانية عليها أن تتأنى وتدرس هذه المقترحات لتتأكد ان الغرض منها ليس التهديد أو التلويح بالتدخل، ولذلك فإن الموقف يتطلب من القوى السياسية أن تتوحد ما أمكن حول قضية الأمن والسلام في السودان خلال الفترة التي حددها المبعوث. الخرطوم ـ مكتب «البيان»،أدار الندوة: يوسف الشنبلي