حين الحديث عن «مذكرة التفاهم» التي مازالت قيد الإعداد بين أبو العلاء ـ رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وشيمون بيريز وزير الخارجية، يتذكر الكثيرون وثيقة أبو مازن ـ بيلين، التي وضعت إطار الخطوط العامة للتسوية النهائية في حينه، وتم تجاوز بعض خطوطها في كامب ديفيد، وقال لي أبو مازن إن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون كان يعود لوثيقة التفاهم أو «الأفكار العامة» تلك، بين فترة وأخرى ليهتدي بها في إقتراحات الحل الوسط التي عمل عليها طوال الوقت. ربما تفيد الذكرى، فهي تنفع المؤمنين، ولكن المقارنة غير واردة. لقد جاءت الوثيقة الأولى حين كان الجميع في حالة إسترخاء سياسي، يفكرون بصوت عال دون قعقعة السلاح وجنازات الشهداء. اليوم يبدو الحديد ساخناً وثمة تسابق محموم حول ضرورات إحداث إختراق سياسي مع وقف إطلاق الرصاص. أفق سياسي يقترن بوقف المواجهات، كما يقول شيمون بيريز. العالم كله يتسابق مبعوثوه لاحداث هذه الإختراقات، أزعم أن «التفاهم» قيد الإعداد بين بيريز وأبو العلاء له حّظ أوفر من النجاح. أصل لمثل هذا الإستنتاج، بعد أن تحدثت للكثير من الأخوة، وأتحدث عن تفاؤل حذر، إذ مازال الوضع هشاً قابلاً للكسر ويستطيع أي فصيل، مهما كان صغيراً ومحدود الإمكانات أن ينجح في عملية عسكرية وسط الشوارع والساحات والمطاعم التي تعج بها حيفا وتل أبيب، وكذلك القدس، مما سينسف كل شيء. لا تصدقوا أن موجة العمليات في ظّل وجود الجنرال زيني كانت مصادفة، إذ أظهرت هذه الفصائل قوة مفاجئة، كان الهدف إفشال المهمة الأمريكية، وتقول مصادر السلطة الفلسطينية إن أطرافاً إقليمية، عربية وغير عربية ضالعة في العمل على إفشال الجنرال زيني، وحين تظهر في الأفق علامات نجاح جديد في فتح الملف السياسي، فقد يكررون المحاولة للإفشال تلو الإفشال. ولكن إذا سارت الأمور بعد أن يهدأ الرصاص ونجحت مذكرة التفاهم في أن تصل لصياغات نهائية فإن الملف السياسي سينفتح وأراهن أنه سيؤدي، على الأغلب، دون حسم قاطع، إلى سقوط حكومة شارون وخاصة حين يحين أوان التجميد الكامل للإستيطان بما في ذلك البناء الذي يقتضيه التطور الطبيعي حسب تقرير ميتشل. هناك مؤتمر الليكود ويستعد نتانياهو ورجالاته لشحذ السكاكين وإسقاط شارون، وإذا تزامن المؤتمر مع السير في الملف السياسي فإن إحتمالات صعود بيبي لزعامة الحزب تبدو كبيرة، وذلك ما سيأخذه شارون بعين الإعتبار. لقد قرأت ما قيل إنه مذكرة تفاهم قام وزير الدفاع بنيامين بن اليعازر بتسريبها إلى صحيفة «يديعوت أحرونوت » والواضح أن ثمة ربطاً بين «الأمني» والسياسي«وذلك ما يطالب به الفلسطينيون والواضح أيضاً أن هذه الوثيقة نتاج مفاوضات، حتى لو كانت سرية، دون وقف شامل لوقف إطلاق النار كما يطالب شارون الذي حسم الأمر بتأييد بيريز ووجّه سهام الخلاف مع الوزراء الأكثر تطرفاً في حكومته» يقول بعض الأخوة الذين عارضوا «المذكرة» في إجتماع اللجنة العليا للمفاوضات في رام الله ـ وهم يحسدون أبو العلاء على إحتمال نجاحه، بأن الوثيقة إتفاق إنتقالي مطّول وهو ما رفضه الجانب الفلسطيني طوال الوقت، وذلك صحيح، لكن الأغلبية رأت في الأمر إتفاقاً نهائياً متدرجاً وذلك صحيح أيضاً، إذ يعتمد الأمر على نظرتك لنصف الكأس: الفارغ أو المملوء. يتناسى الأخوة الذين عارضوا المذكرة (وهم أقلية)، بأن الدبابات الإسرائيلية تبعد مئتي متر عن مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ويتناسون، في غمرة حسابات شخصية بائسة، أن العالم كله، وواشنطن في المقدمة، سيتقدم للضغط على شارون من أجل التوصل لحل نهائي أساسه دولة فلسطينية مستقلة. ويتناسون أن الإنجاز الفلسطيني كله على كف عفريت، وأن عملية كبرى في مدينة وسط إسرائيل ستطيح بكل شيء، وأن الإسراع في جّر شارون لطاولة المفاوضات أمر ملح ومستعجل ولا يعلوه أي أمر آخر. يجادل بعض الأخوة أن إقامة دولة فلسطينية على نصف أراضي الضفة والقطاع سيمتص التوتر والضغط العالمي على إسرائيل للإنسحاب من باقي الأرض الفلسطينية، وحين يكون الموضوع حواراً بين دولتين على حدودها فذلك سيعني تخفيف التدخل العالمي، وهي فكرة تحتاج للنظر الجّدي إذ يوجد فيها ما هو خطير بالفعل، لكن التفاوض مع حكومة شارون لن يتواصل حتى ذلك التاريخ، لأنها ستسقط على الأغلب، قبل ذلك. لو كان الأمر بيدي لوقْعت عند ذلك إتفاق ظّل مع حزب العمل وحركة ميرتس حول قضايا الحل النهائي يذهبان به لإنتخابات عامة ويكون إتفاقاً واضحاً ومحدداً وعندها ستتغير الصورة، وتتغير النتائج. كتب : توفيق أبو بكر