لا يحتاج المرء إلى حضور كبير للحاسة السادسة لديه ليقول ان الحريات في العالم بأسره اصبحت محل اختبار شديد بعد 11 سبتمبر، وان العديد من الدول ومنها الديمقراطية ستقتنص الفرصة السانحة لتنقض على شيء من الحريات في مقابل انقضاض دول اخرى على منظومة الحريات باسرها في مجتمعاتها. ولان الاعلام هو المظهر الاشد حساسية من بين مكونات المجتمعات الحديثة خصوصا فيما يتعلق بالحريات العامة فان ما شهده ـ أي الاعلام ـ من تراجع يخشى البعض أن يصبح استحقاقا للسلطات التنفيذية في العالم دون استثناء الدول المتقدمة الديمقراطية تأسيسا على مقولة الامن القومي لهذه المجتمعات. واذا كنا نحن العرب قد أعربنا عن رفضنا للنهج الاعلامي الغربي وطريقة عرضه لقضايانا سابقا، متهمين اللوبي اليهودي في المجتمعات الغربية بالعمل على تعمية الواقع والهاء الرأي العام العالمي بالنتف والتوافه فان علينا الان مواجهة السياسات التي لا بد وانها ستترجم اعلاميا بصورة اكثر وضوحا منها قبل الاعتداءات على أمريكا خاصة. ان الهجمة الأمريكية على وسائل الاعلام العربية واولها قناة الجزيرة بحجة الحرب المستمرة والطويلة ضد الارهاب اذا لم يتم التصدي لها بحزم فانها ستصبح استحقاقا أمريكيا يجب التعاون معه وربما الانصياع له مستقبلا. ولا تقتصر محاولات تقييد الاعلام من قبل السياسة الأمريكية على وسائل الاعلام العربية وهذا مصدر اضافي للقلق بل أن جميع وسائل الاعلام ومنها الغربية مفروض عليها هذا التقييد ومثال ذلك ما حدث بشأن المقابلة التي اجرتها إذاعة صوت أمريكا مع الملا محمد عمر، رغم كانت وبلا شك مادة إعلامية تستحق البث فإن وزارة الخارجية طلبت من الإذاعة عدم بثها، وقد ترددت الإذاعة عدة أيام ثم وضعت مقتطفات من المقابلة في تقرير مطول. وقد أدى هذا الاستخدام المحدود لأقوال الملا محمد عمر إلى تحويل إذاعة صوت أمريكا إلى صوت للسياسة الأمريكية. هذه الاستفسارات وحالة القلق طرحناها على العاملين في وسائل الاعلام وقادة الرأي عن مكونات المرحلة الحالية وما يمكن أن تفرزه من وقائع مستقبلا. في البدء طرحنا سؤالا حول امكانية توصيف دور الاعلام بصورة عامة في ملف الحرب الدائرة الان في افغانستان على فيصل الشبول مدير وكالة الانباء الأردنية بترا فاكد أن ما يجري في افغانستان من حرب وقتل وتدمير تحولت إلى حرب بطريق البث المباشر على الهواء إلا أن هذا البث بعين واحدة تقريبا حيث انه لا يرى إلا ما يريد أن يراه. عيون غير محايدة وشدد الشبول على أن العيون غير المحايدة من قبل الطرفين الاول الأمريكي الغربي والثاني الاخر الذي هو في حقيقة الامر لا يمتلك أي وسيلة اعلامية حتى على الصعيد المحلي دفعت المطلعين على ما يجري في افغانستان الى ان يشعروا بان العالم انحدر اخلاقيا إلى ادنى مستوياته، مشيرا إلى أن حركة طالبان والتي لا تمتلك أي وسيلة اعلامية نظرا لإمكانياتها المتواضعة لم تستطع مخاطبة العالم إضافة إلى التأثير عليه، حيث دفعت هذه الاوضاع إلى الشعور بان الولايات المتحدة تضرب ارضا فارغة من البشر وان القنابل التي تدك يوميا التجمعات البشرية في افغانستان تضرب الرمال ولا تحصد معها اعدادا هائلة من البشر. حروب اعلامية من جهته يرى الكاتب والصحفي الأردني المختص في شئون الاعلام اسامة الرنتيسي أن حرب أمريكا على ما يسمى بالارهاب كانت منذ اليوم الاول لها حربا اعلامية وقال لقد عمد كلا الطرفين سواء أمريكا وحلفائها أو حركة طالبان والقاعدة إلى كسب السبق في الناحية الاعلامية، مشيرا إلى انه في الوقت الذي لاحظت فيه الإدارة الأمريكية بان ما يقوم به اسامة بن لادن من خلال رسائله المصورة بدأت بالضغط على المستوى السياسي القطري من اجل تقييد حرية هذه الرسائل وهذا ما بدأ الجمهور العربي بملاحظته اخيرا. ويؤكد الرنتيسي انه حتى بعد ان سيطرت قوات التحالف والولايات المتحدة الأمريكية على مدينة كابول فان الإدارة الأمريكية باتت تدرك انها يجب أن تقوم بشيء ما للانتصار اعلاميا إلى الحد الذي وصف فيه البعض سيطرة قوات التحالف على مدينة مزار الشريف بأنه نصر اعلامي للولايات المتحدة الأمريكية وهذه مفارقة عجيبة في هذه الحرب. ويلاحظ الرنتيسي في هذا الصدد تحول الخطاب الاسلامي لتنظيم القاعدة وخصوصا الرسالة المصورة التي بثتها قناة الجزيرة لايمن الظواهري الساعد اليمنى لاسامة بن لادن من خطاب يرتكز على مقولة الحرب الدينية الصليبية إلى خطاب معني باعداء أمريكا وهذا التفاف يسجل لتنظيم القاعدة اعلاميا والذي يبدو واضحا أن القائمين عليه يدركون بالضبط ماذا يفعلون. وفي رده على سؤال حول ما اذا استطاعت الصحافة أن تغطي الاحداث بمستوى وحجم يضاهي قنوات التلفزة والاذاعات ووكالات الانباء نفى الكاتب والصحفي الأردني هذا الامر وقال لقد كشفت الشاشة المرئية عيوبا كثيرة للصحافة، خصوصا وان الدور الان للصورة المتحركة المباشرة وليس للكلمة أو الصورة الجامدة التي تأتي بعد الحدث بساعات طويلة. مؤكدا في ذات الوقت أن الفضائيات ما زالت وحتى اللحظة ترفض اعطاء الفرصة للصحافة حتى في الجانب التحليلي الذي اشتهرت فيه، ذلك أن هذا الجانب لدى الصحافة اصبح متعلقا بسياسة الدولة التي تصدر من خلالها الصحيفة، لاسباب كثيرة منها ندرة المعلومة احيانا وسرعة تبدلها في احيان اخرى بالاضافة إلى الضغط الذي تجريه بعض السياسات على ما يكتب. خليني اشوفها يقول الرنتيسي لدى الاتصالات بالعديد من رؤساء الاقسام في عدد من الصحف او مع المحررين يتأكد المرء أن حجم الضغوط والتراجع في الحريات الصحفية كبير جدا، إلى الحد الذي رغب عدد من الصحفيين في ابداء رأيهم ولكن دون أن يتم التطرق إلى اسمائهم. ويؤكد الكاتب إلى أن رئيس قسم في احدى الصحف اليومية قال لا يوجد توجيه مباشر من قبل الحكومة في عملنا، ولكن التوجهات تأتي من خلال رئيس التحرير الذي نفهم من اشاراته ان التعليمات جاءت من جهات حكومية تطلب التعامل بشكل محدد مع الاخبار والتقارير والتحليلات المتعلقة باحداث 11 سبتمبر وتداعياتها. واضاف ان التركيز في هذا المجال يكون مباشرا حول الانشطة الجماهيرية التي تقوم بها الاحزاب والنقابات، فاذا وجدت تلك الاخبار فرصة للنشر وهي قليلة جدا ان لم تكن نادرة، فان رئيس التحرير يطلب بشكل مباشر الاطلاع على تلك المادة بعبارة «خليني اشوفها» مؤكدا على لسان رئيس التحرير «اننا لا نريد تحريض الناس واثارتهم وانما تهدئة الاجواء». ويشير الصحفي الأردني إلى تأكيد رئيس قسم المحليات في صحيفة الدستور الزميل حلمي الأسمر انه لم يتلق أي توجهات حول كيفية التعامل مع تلك الأحداث ان كان عبر ما يكتبه في زاويته او بحكم مسئوليته عن الاخبار المحلية، ولكن الرنتيسي يشير في المقابل إلى ما جاء في حديث الاسمر لاحقا عندما قال زإن الرقابة الذاتية التي يمارسها الصحفيون على انفسهم وبالذات في اجواء احداث جسام كتلك التي وقعت في نيويورك وواشنطن وتداعياتها كافية لان يعد المرء للمائة قبل اقدامه على كتابة تحليل او تقرير او مقال. فهد الريماوي رئيس تحرير جريدة المجد الاسبوعية والتي علقت اصدار اعدادها بحيث اصبحت تصدر كل اسبوعين مرة اعتراضا على اصدار قانون العقوبات المؤقت والمتصلة بعض بنوده بحرية الصحافة اكد على أن للاعلام بصورة عامة في هذه الحرب موقعا اساسيا وكبيرا وقال إن هذا الموقع احيانا كثيرة يتقدم حتى يكاد يكون متقدما على البعدين العسكري والامني لان الحرب الاعلامية الدائرة بين اكبر الدول وبين تنظيم صغير تكاد تكون يومية وتستخدم فيها كل المنابر حتى منبر الامم المتحدة. ويؤكد الريماوي أن سلاح الاعلام لم تظهر اهميته الان فقط بل انه كان دائما في مقدمة طلائع الفتح العسكري، إلا انه لا ينكر أنه في هذه المرحلة وتحديدا من 11 سبتمبر اكتسب اهمية استراتيجية كبيرة. وردا على سؤال حول هل استطاعت الصحافة أن تغطي الاحداث بمستوى وحجم يضاهي قنوات التلفزة والاذاعات ووكالات الانباء اجاب بالنفي. وضرب رئيس تحرير صحيفة المجد الأردنية شاهدا على ذلك في انه لو استطاع مراسلان الاول في صحيفة والاخر في تلفزيون اقتناص سبق صحفي فان على مراسل الجريدة أن ينتظر يوما كاملا حتى يخرج بخبره في حين أن مراسل التلفزيون لن ينتظر سوى دقائق فقط. ولكن إلى أي مدى اثرت التغطية الاعلامية لاحداث 11 سبتمبر وما تلاها من تداعيات ومجريات ضد افغانستان على المهنة الصحفية في العالم العربي والعالم عموما يجيب الريماوي بالقول ان احداث 11 سبتمبر لم تؤثر على موضوع الحريات فقط بل انها اثرت على كل شيء فوق هذه المعمورة، مشيرا إلى انه لا يرى فرقا كبيرا بين مهمات الصحافة قبل وبعد الهجمات. ام الحريات اما من حيث المستوى الرقابي فيؤكد الصحفي الأردني بان جميع الصحفيين في العالم شعروا بالفرق وقال لقد اثرت الاحداث على كل وسائل الاعلام وفي طليعتها الأمريكية بل أن الساحة الأمريكية الان تعاني من ضمور في الحريات العامة بصورة كاملة حيث فرض قانون التنصت على الهواتف ملاحظا أن من يراد التنصت عليه ليس سيدتين تخوضان في حديث عابر بل هو حديث له علاقة ايضا بالصحافة والصحفيين وعلى هذا الاساس فإن الريماوي لا يفرق الان بين الاعلامي العربي والغربي فيما يتعلق بالرقابة وتقييد الحركة لهذا يقول لقد رأينا «ام الديمقراطيات» في هذا الكون تفرض قيودا كبيرة على الصحفي فكيف سيكون حال الصحفي في العالم الثالث وعالمنا العربي خصوصا. ولدى سؤال رئيس تحرير صحيفة المجد الأردنية عن اهم وسيلة اعلامية استطاعت أن تجذب انتباه المتلقي وهل استطاعت التعامل مع ما يطلق عليه ادارة الازمات قال إن الاعلام العربي يقسم إلى قسمين الاول والاهم انتشارا والابرز مكانة الاعلام الرسمي اما القسم الاخر فهو الاعلام الشعبي وهو الحلقة الاضعف كونه يحلق خارج سرب النظام العالمي الجديد مشيرا إلى انه من خلال هذين القسمين يستطيع المتلقي أن يستوعب كيف تدار الأزمة أي ازمة وليس فقط ما يحدث الان في افغانستان. الاعلام المتلقى واخيرا يصف الريماوي الاعلام العربي بأنه اعلام متلق، ويعرب عن اسفه لهذا الحال ويقول أنه ـ أي الاعلام العربي ـ كما القارئ أو المشاهد يتأثر ولا يؤثر، ومنذ 11 سبتمبر شهد العالم العربي والاسلامي حملة اعلامية تشملنا جميعا في ديننا وعقيدتنا وفي منظماتنا وفي نفسيتنا وغاياتنا، مشيرا إلى أن الاكاديمية السويدية التي تنمح جائزة نوبل لم تجد في كل هذا العالم لتمنحه جائزتها إلا الكاتب الثاني في عدائه للاسلام والمسلمين والمتخصص في شتم الحضارة العربية. الحكومات تدخل الاعلام بلال حسن التل رئيس هيئة تحرير جريدة اللواء يؤكد أن الاعلام احتل موقعا متقدما ومؤثرا في هذه الحرب سواء من التهيئة لها ومن حشد التأييد لها وكذلك التبرير لاستمرارها وتبرير ما اسمته الولايات المتحدة بالاخطاء التي نجم عنها قتل المدنيين وتدمير دور العبادة والمستشفيات. وقال إن هذه الاهمية المتزايدة للاعلام هي التي دفعت حكومات الدول المشاركة فيها وخاصة الولايات المتحدة الامريكية الى التدخل المباشر في ادارة المعركة الاعلامية. وفي ذات السياق اعرب التل عن استنكاره لما اسمته مستشارة الامن القومي للرئيس الامريكي بالتمني على وسائل الاعلام الامريكي بعدم اذاعة رسائل ابن لادن وكذلك اجتماع توني بلير مع قادة الاجهزة الاعلامية البريطانية والطلب اليهم الحذر في تعاملهم مع اخبار الحرب الجارية في افغانستان وهذه كلها مؤشرات على الدور المركزي الذي يلعبه الاعلام في هذه الحرب. وفي رده على سؤال حول دور الصحافة ومنافستها للتلفزيون والاذاعات ووكلات الانباء قال: بالتأكيد «لا»، لان قنوات التلفزة والاذاعات تمتلك اولا عنصر الوقت وسرعة البث بالاضافة الى طول الوقت وعناصر التشويق الاخرى، وخاصة بث الصور الحية للاحداث من مواقع وقوعها ولحظات وقوعها في كثير من الاحيان، وهو امر غير متاح للصحافة المرتبطة اصلا بوقت محدد. اما حول مدى اثر التغطية الاعلامية لاحداث 11 سبتمر وما تلاها من تداعيات ومجريات ضد افغانستان على المهنة الصحفية في العالم العربي والعالم عموما فيؤكد رئيس هيئة تحرير جريدة اللواء انه بلا شك ان احداث 11 سبتمبر فرضت نفسها على العمل الصحفي في العالم كله لاسباب كثيرة اولها حجم هذه الاحداث وثانيها لمكان وقوعها وهو الولايات المتحدة. عمان ـ لقمان اسكندر: