اكد الدكتور سمير مطاوع وزير الاعلام الأردني الاسبق أن العرب قصروا اعلاميا بصورة كبيرة في تعاملهم مع القضية الفلسطينية رغم كونها كانت القضية الابرز التي اجتمعوا عليها سنوات طويلة. وفيما رفض د. مطاوع في حوار خاص مع «الملف» القول بأن هناك مؤامرة غربية ضد العرب تعيق تقدمهم الاعلامي اكد في المقابل أن الاعلام الغربي سجل انحيازا كبيرا لصالح اليهود ضد العرب وقضاياهم العادلة وقال للامر وجهان: الاول عربي اما الاخر فيتعلق بالغرب انفسهم وعلاقة العديد من المؤسسات الاعلامية الغربية باسرائيل بصورة أو باخرى. ـ يتناول العديد من المختصين موضوع الاعلام الغربي على أساس انه اعلام انحاز بصورة مطلقة الى المصالح الغربية دون الالتفات الى ما كان يسميه بالاعلام الحر إلا أن هناك من يخفف من حدة هذا الانحياز بقوله بالتوفيقية فكيف تنظر الى كل ذلك؟ ـ انا ارفض القول بأن هذه الآلة الاعلامية وفي هذه الفترة فقط انحازت إلى المصالح الغربية، فهو كان وما زال دائم الانحياز ضد القضايا العربية وخصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وهذا له وجهان الوجه الاول يظهر التقصير العربي في هذا الجانب وان العرب لم يستطيعوا رعاية مصالحهم عن طريق الاعلام بالصورة المطلوبة. اما الوجه الاخر فهو ما يتعلق بالغرب انفسهم وعلاقة العديد من المؤسسات الاعلامية الغربية باسرائيل بصورة أو باخرى. اما فيما يتعلق تحديدا بسؤالك فلا أحد يمكن أن ينكر هذه الحقيقة، الان، حيث أن هذه الفترة سجلت العديد من الشواهد التي بالامكان اعتبارها شواهد لصالح من يقول «ان الاعلام الغربي تخلى عن موضوعيته» خصوصا بعد أن تم تهديد عمقه الاقليمي. فقد شهدت الفترة السابقة بروز اكثر من شاهد سواء من خلال الضغط على الاعلام الغربي وفي الطليعة قناة الجزيرة القطرية أو من خلال ما يتم تغطيته من احداث سواء في افغانستان وبنسبة اقل في فلسطين. واود التذكير بحادثة تم تغطيتها في الاعلام الغربي وهي اعتقال رئيس تحرير صحيفة في زيمبابوي بأمر من الرئيس روبرت موجابي هذه التغطية التي ذكرت كل شيء واغفلت القول بأن رئيس التحرير شخص ابيض بهدف التركيز على أن موجابي دكتاتور يقمع الحريات الصحفية دون مجرد الاشارة إلى ما يقوله الرأي الاخر من انه بطل يعمل على تحرير الاراضي الزراعية من مغتصبيها لصالح السكان الاصليين. وهذا الاسلوب ليس جديدا على الاعلام الغربي ابدا، خصوصا فيما يتعلق بتغطية الاحداث في العالم العربي بأسره وليس في فلسطين فقط. وعلى الجانب الحي من الموضوع يمكن ملاحظة الطريقة التي يتم فيها التعامل مع القضية الفلسطينية فعلى سبيل المثال الحضور الاسرائيلي في المادة الاعلامية الغربية تجده وافرا في حين الذي يكتفي في احيان كثير الصحفي الغربي للحديث عن العرب بصيغة الغائب. وقد لاحظ بعض المختصين العرب في مجال الاعلام أن إحدى المجلات الغربية وهي«نيوزويك» قامت باجراء اكثر من خمس مقابلات صحفية مع شارون وعدد من المقابلات الموسعة مع شيمون بيريز بالاضافة إلى باراك وكل ذلك في ظل الانتفاضة الفلسطينية في الوقت الذي يجابه في قول الفلسطينيين اذا ما تم التقاط احاديثهم بالكثير من التشكيك تأسيسا على انهم يقولون ذلك لانهم الطرف الاخر في الوقت الذي لا يتم التعامل فيه مع الاسرائيليين بهذه الطريقة. هذا عدا عن استخدام هذه الالة الاعلامية للمصطلحات الاسرائيلية فهناك ارهاب فلسطيني وليس انتفاضة وهناك لدى الفلسطينيين جماعات متطرفة، والكثير الكثير من المصطلحات التي لا يمكن النظر إليها بعين حسن النية. مخاطبة العقل الغربي ـ في الجهة المقابلة كيف تعامل الاعلام العربي مع هذه القضية وهل استطاع تغطية ولو جزء من هذا الانحياز؟ ـ كما تحدثت سابقا فان العرب ورغم أن القضية الفلسطينية كانت القضية الاكثر تجميعا وتوحيدا لهم إلا انهم في المقابل لم يعملوا بصورة ناجحة على الاقل لصالح هذه القضية في جميع الجوانب وخصوصا الاعلامية منها. وطوال عقود من الصراع العربي الفلسطيني لم نشهد قناة عربية واحدة قامت لمخاطبة العقل الغربي. إلا أننا الان استطعنا التقدم في خطوات جيدة في هذا المجال خصوصا وان ناحية حماية الجبهة العربية الداخلية ايضا مهمة وقد استطاعت وسائل الاعلام العربية تسجيل عدد من النجاحات في هذا المجال. فلا يمكن الحديث عن ادانة ما للاعلام العربي خصوصا، ولدينا شواهد عديدة تؤكد مثل تلك النجاحات فقناة الجزيرة وقناة أبو ظبي وعدد من المحطات استطاعت أن تكون مع الحدث اولا باول وقد حققت النجاح تلو النجاح سواء في الانتفاضة الفلسطينية أو الان كما تفعل الجزيرة في افغانستان، بحيث أكدت على أن العيب ربما ليس في جهة آلتنا الاعلامية ومدى تطورها بل في المتلقي الغربي، صحيح أن هناك فرقاً شاسعاً بين ما يحدث في فلسطين من انتفاضة وطريقة تغطيتها اعلاميا وما يحدث في افغانستان وحاجة الغرب اصلا إلى ما تقدمه له الجزيرة ولكن كشفت هذه المسألة بالضبط عن حالة من النجاح الذي ربما لم نكن نحن العرب نشعر به بصورة واضحة. ولكن اريد أن اؤكد في هذا الصدد اننا بحاجة ماسة الان إلى آلة اعلامية واسعة ومتعددة الاتجاهات والمؤسسات فمن الخطر على ما تم انجازه حصر تسجيل النجاحات في مؤسسة اعلامية واحدة إلا انني اتمنى في المقابل أن يدفع ما تقدمه بعض المؤسسات الاعلامية من حرفية عالية ليغري الجميع للعمل الدؤوب من اجل اعلام افضل واحسن حالا. لغة مختلفة هذا لا يعني اننا لا نفتقر إلى اعلام عربي موجه إلى الغرب ومن خلال الخطاب ذاته الذي يوجه للعالمين العربي والاسلامي ولكن بلغة مختلفة إضافة إلى اننا ما زلنا نجهل القيمة الحقيقية للحرب الاعلامية التي يجب أن نخوضها وعلى كافة المستويات الاعلامية والموجهة ضد الاسرائيليين وحتى الان لم نجد من يتبنى مثل هذا المشروع واكاد اجزم انه لو رافقت فعاليات الانتفاضة المتعددة على الارض فعاليات اعلامية بحجم الانتفاضة لوجدنا بالتأكيد أن الامر اختلف في الشارع الاسرائيلي، ونحن هنا لا نتحدث عن اننا بحاجة إلى اقناع الاسرائيليين بوجوب اعطائنا حقنا بل نحن بحاجة إلى اجبارهم وعن طريق الاعلام ايضا لاعطائنا حقنا ودفعهم إلى الايمان بأنه ما لم يتم التخلي عن غطرستهم فانهم لن يعيشوا بصورة طبيعية أو سلام. هذا من ناحية الاسرائيليين اما من حيث المجتمع الغربي بشتى اطيافه فانني أرى اننا انتظرنا طويلا في ادارة ظهورنا للغرب يجب أن يتم مخاطبتهم ليس باللغة التي يفهمونها كما يقول البعض ولكن بلغة المنطق والانسانية ومبادئ حقوق الانسان، وهذا ما يفعله الاسرائيليون هناك ومن قلب الشارع الغربي. تتجه العديد من المؤسسات في الفترة الراهنة إلى الخصخصة تماشيا مع العولمة فهل تعتقد أن هذا التوجه سيدعم ايجابيا فكرة تطوير الآلة الاعلامية العربية؟ ـ ليس من شك في هذا الامر، ولكن هذا يحتاج إلى جهد اضافي شامل. خصوصا وان التطوير يحتاج إلى خطة مدعومة بجهد مؤسسي واضح ومدروس اما اذا ما تم الامر بغير هذه الخطة فان الامر سيتحول إلى مجموعة من الجهود التي لا تصب في خندق واحد. ـ هنا من يرى أن الاعلام العربي يواجه عقبات من الدول الغربية فهل توافق على هذا الرأي؟ ـ هذا السؤال يفترض انني اؤمن بنظرية المؤامرة الغربية ضد الدول العربية، دعني اطرح هذا السؤال هل حقا أن الغرب يتآمر علينا لكي لا يكون لدينا اعلام عربي؟ كشخص عاش في الغرب وعمل في مؤسساته الاعلامية لفترة تجاوزت الثلاثين عاما لا استطيع أن اتهم الغرب بشكل عام واقول انهم وراء محاولات تكبيل الاعلام العربي إلا انني اعتقد من ناحية اخرى أن الدول الغربية التي تنادي بالديمقراطية وحقوق الانسان تدعم انظمة لا يتمتع مواطنوها بمثل هذه المتطلبات الحياتية الضرورية، وهذا يساهم في ايجاد عقبات غير مباشرة تحول دون تطوير الاعلام العربي. ولكن هل يرفض الغرب بصورة مباشرة مثل هذا التطور.. في الحقيقة اجد صعوبة بالغة في تقبل مثل هذا القول. بل انني ازعم أن أي تطوير يسجله العرب وفي أي من المجالات يدفع العرب إلى كسب مزيد من الاسهم غربيا فعلى سبيل المثال من سيعترض على اطلاق قناة تخاطب الغربي بمادة تعكس التطور الثقافي العلمي الحضاري لنا دعني اضرب مثالا واحداً على هذا الامر بحكم صلاتي الوثيقة بالعديد من الغربيين.. انني اؤكد أن كل من يزور دبي من الغرب يشعر بالذهول من حجم التطور الكبير فيها وعلى جميع الصعد. والعديد من هؤلاء اخبرني عن ذلك فهذا النموذج الحضاري لدولة الامارات العربية وتطورها الاقتصادي لم يدفع الغرب إلى محاولة وقفه بل التعامل معه والاستفادة منه. ـ وماذا عن العقبات داخل البيت العربي؟ ـ مثل هذا الجهد كفيل بأن يعري بعض الانظمة العربية من ورقة التوت التي تتستر وراءها فنحن نتكلم عن الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات كشعارات ولا نستطيع ممارستها كما هو الحال في العالم الغربي. والمفارقة أن الغرب الذي يوجه لنا الملامة من خلال التقارير التي تنشر حول ما يسمونه انتهاكات حقوق الانسان هو نفسه من يدعم وبالقوة عدد من الانظمة التي تحول دون تطبيق هذه الشعارات في الواقع. ولكن هذا لا يعني أن جميع الدول العربية ترفض التطوير، فلا شك أن هناك جهوداً حثيثة في هذا المضمار من بعض الانظمة العربية ومن المؤسسات الاكاديمية والثقافية والاعلامية في الوطن العربي ولكن الامر يتطلب المزيد. ـ ربما من الصعب على الكثيرين في العالم العربي تقبل حقيقة أن الغرب يدعمون اعلاما عربيا حرا خصوصا بعد ما رأينا من استياء وصل حد الضغوط لتطويق ما يجري من انتهاكات لحقوق الانسان في افغانستان؟ علينا التفريق في هذا الامر، فأمريكا الان تخوض حرباً على ما تصفه بالارهاب وتريد العالم أن يراها من خلال عيونها أي أن تظل ضمن الوصفة الأمريكية الخاصة بالحرب ضد الارهاب مسيطرة على العالم. وعلى الرغم انني اؤيد تأييدا كاملا كل المحاولات الهادفة إلى محاربة الارهاب والقضاء عليه بكافة اشكاله، بما في ذلك ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل بشكل علني وفاضح ويعيب جميع الانظمة الانسانية رغم انني اؤيد مثلا هذه الحرب إلا اني لا استطيع أن اتجاهل أن هناك نتائج لهذه الحرب انسانية مؤلمة تجعل من هذه الحرب نوعا من انواع الصدام الحضاري الذي ترغب الولايات المتحدة في أن لا يكشف أو يفضح من خلال وسائل الاعلام التي اصبحت في هذه الايام قادرة على كشف كل شيء في كل مكان بكفاءة عالية. ـ هل يعني هذا تبرير لضغط الإدارة الأمريكية على اعلامها ومحاولتها الضغط على الاعلام العربي؟ ـ بالتأكيد لا أحد يستطيع تأييد ذلك، ولكن احب أن اؤكد أن هذا الضغط ما هو إلا نوع من محاولات التقنين خصوصا وان المؤسسات الاعلامية الأمريكية تؤيد بصورة مطلقة هذا التقنين وتذهب إلى ابعد مما تريد الإدارة الأمريكية ذاتها، وهذا بالطبع ليس مستغربا بعد ما حدث في 11 سبتمبر، فما يريده القائمون على الاعلام الامريكي عدم نشر المظاهر الاليمة والبشعة لهذه الحرب، لضمان استمرار الحملة دون معوقات داخلية. عمان ـ لقمان اسكندر: