كانت (عاصفة الطائرات) على برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك، ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) يوم الحادي عشر من سبتمبر الماضي، صاعقة مروعة، أصابت بالذهول والتخبط أجهزة الادارة الأمريكية، ولم يكن غريبا أن يسيطر الذهول والتخبط ـ عدة ساعات ـ على أجهزة الاعلام العالمية والعربية ذات الطبيعة الفورية، أي الاذاعة والتلفزيون، باستثناء بعض قليل منها، مثل محطة ( CNN) ومحطة (BBC) ومحطة (الجزيرة)، التي سرعان ماملكت زمام الموقف، واستنفرت طاقاتها، وانطلقت تنقل الأحداث والمعلومات وتتابع تداعياتها، بكفاءة واقتدار، الأمر الذي جعل أسماع المستمعين وأنظار المشاهدين تتعلق بها. وفيما يتصل بالاعلام العربي، فإن معظم المحطات الاذاعية والتلفزيونية ظلت فترة أسيرة العجز عن التصرف بسبب انتظارها تعليمات المسئولين! وبسبب انها اصلا لا تملك الجهاز الكفء المستعد لمثل تلك الطوارئ. وهكذا لم يكن امامها ـ حين اتتها التعليمات ـ سوى ان تنضم الى (CNN) وتنقل ماتذيعه بشعاراتها وتعليقها مصحوبا بترجمة فورية متواضعة المستوى. على أن اداء أجهزة الاعلام العربي، أو بعضها، أخذ يتطور، ويحاول تدارك ماظهر فيه من قصور. وقد تكرر الاضطراب عندما بدأت القوات الأمريكية والبريطانية ضرب افغانستان، وهنا فاقت قناة (الجزيرة) الجميع، لا بحسن استعدادها بمراسليها الاكفاء فحسب، وإنما ايضا بانفرادها في داخل افغانستان، حيث لم تسمح سلطات (طالبان) بوجود مراسلين أجانب في افغانستان الا لقناة (الجزيرة) وبذلك صارت (الجزيرة) المصدر الوحيد للصور الحقيقية للقصف الأمريكي واثاره المروعة من الدمار والحرائق والضحايا والبؤس، واضطرت كبريات الوكالات والمحطات التلفزيونية العالمية أن تنقل عن (الجزيرة) رسائلها المحلاة بشعار (خاص بالجزيرة) بل ان (CNN) عقدت اتفاقا معها على تبادل اذاعة الرسائل وتبادل الاستعانة بمراسلي كل منهما، فظهر (تيسير علوني) مراسلا على شاشة (CNN) كما ظهر مراسل (CNN) على شاشة (الجزيرة)وهكذا صارت الجزيرة ـ عن جدارة ـ المصدر الأول والأهم والأوثق لاخبار الحرب، واعتبرها الكثيرون الـ ( CNN) العربية. والواقع أن قناة (الجزيرة) صارت ظاهرة مثيرة في الاعلام العربي، اختلفت فيها الآراء فمن متحمس لها يراها صخرة سقطت في البركة الاعلامية العربية الراكدة، فأحدثت فيها موجة حركة محمودة للرأى والرأى الآخر، الى متحفظ ومتوجس يرى في بعض برامجها اثارة مشبوهة تحدث من البلبلة والوقيعة بين جماعات الأمة وشعوبها أكثر مماتحدث من التنوير والتقارب وخدمة القضايا العربية، ويدين هذا الرأى ـ مثلا ـ محاورة بعض الشخصيات الاسرائيلية على شاشتها، ويعتبر ذلك مساهمة ولو بطريق غير مباشر في التطبيع مع العدو. وحتى خبطة (الجزيرة) الكبرى باذاعة البيانات والرسائل المسجلة لابن لادن واخوانه لم تنج من الارتياب حيث اعتبرت خدمة لدعاوى الأمريكيين واتهامهم لابن لادن وللاسلام بتدبير الهجوم على نيويورك وواشنطن وبالارهاب بعامة. وواضح أن هذا الرأي يستكثر قناة (الجزيرة) على الواقع العربي، وهو مايتفق مع رؤية الادارة الأمريكية لها، فقد فزعت منها، حتى انها طلبت من اجهزة الاعلام الأمريكية عدم نقل ماتذيعه (الجزيرة) بحجة انه قد يتضمن رسائل مشفرة الى أعوان ابن لادن في أمريكا، ولم تذكر ـ بالطبع - انه قد يؤثر في الرأى العام، العربي بخاصة، ويؤجج مشاعره المعادية لأمريكا وحشودها وضربها لافغانستان. وفي هذا السياق، قرأنا عن زيارة وزير بريطاني للدوحة من بنود مهمته نقل ملاحظات غير راضية عن اذاعة رسائل مسجلة لابن لادن وأعوانه. وفي مقابل ذلك، قرأنا للكاتب الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك يقول: إن مشكلة قناة (الجزيرة) تكمن في نجاحها الاعلامي الذي يعتبره البعض وقاحة، (فعقلة الاصبع) التلفزيونية قد اصبحت من الآن فصاعدا على قدم المساواة (CNN)، القناة الأمريكية الكبرى التي وجدت نفسها مضطرة الى اذاعة لقطات خاصة (بالجزيرة) وكان الرأي الراجح هو ماعبرت عنه صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، من ضرورة عدم مقاطعة (الجزيرة) وضرورة الافادة منها، وظهور المسئولين الأمريكيين وحلفائهم على شاشتها، وهو ماحدث بالفعل، حيث شاهدنا توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، وكوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي الأمريكي، ثم وزير الدفاع الأمريكي. وطبعا هذا الموقف الذي يبدو أنه التزام بحرية الاعلام، هو في حقيقته حرص على الافادة مما تنقله (الجزيرة) من داخل افغانستان، تماما كما كانت أمريكا تفيد من رسائل ( CNN) من داخل بغداد في اثناء ضرب العراق. والواقع أن هذه (الأزمة) مع (الجزيرة) تشير الى افتضاح الوهم الشائع عن حرية الاعلام في أمريكا وأوروبا، فقد تجلى انها حرية السادة وأصحاب المصالح الكبرى واللوبي الصهيوني، ويكفينا شاهدا على ذلك شاهد من أهلها، هو مقال صغير في نيويورك تايمز عن اضطهاد الرأى الآخر في امريكا حاليا الى حد ايقاع عقاب اداري على استاذ جامعي أبدى رأيا (مختلفا) في الاحداث، والغاء برنامج موسيقي في نيويورك بسبب ملاحظات (مختلفة) لمؤلفه الموسيقى حول الاحداث، وفصل بعض الصحفيين وكتاب الاعمدة من عملهم بسبب ملاحظات تعبر عن رأى (مختلف) في الأحداث وتداعياتها. وعلى أن الأهم في اداء قناة (الجزيرة) هو حرصها على هويتها العربية، فالاعلام الواعي ليس مجرد نقل معلومات واحداث، وانما هو نقل معلومات وأحداث من وجهة نظر معينة. ومن ذلك حرصها على اعادة تحرير الاخبار الواردة من المصادر الغربية، والتحفظ ـ مثلا ـ في اطلاق اسم الارهاب بلا تفرقة، واستعمال عبارة مايسمى بالارهاب عند اللزوم ومن ذلك ايضا الحرص على عرض وجهة النظر العربية والاسلامية في كل حوار يجري على شاشتها. وفي حوار اذاعي أخذ أحد المعلقين الأمريكيين عليها استعمالها كلمة العدو عنوانا لخبر، وهو مايوحي بأن ذلك يعبر عن وجهة نظرها، وقد برر مدير الجزيرة المشارك في الحوار ذلك بأنه من هفوات سرعة العمل وكثرته. القنوات الأخرى اللمحة العامة في الاداء الاعلامي العربي الخاص بأحداث نيويورك وواشنطن ثم افغانستان، هي لمحة الاجتهاد من أجل مواكبة الاحداث وتقديم خدمة جيدة للمستمعين والمشاهدين. وهنا ينبغي التنبه الى أن معظم المحطات التلفزيونية العربية هي محطات عامة متنوعة البرامج، وليست اخبارية متخصصة. ولذلك كان اجتهادها أن وسعت مساحة الفترات الاخبارية، وخصصت برامجها السياسية والحوارية لمتابعة الأحداث وتحليلها، دون أن تهمل بالطبع برامجها المتنوعة الاخرى وهكذا فعلت قنوات التلفزيون المصري الأولى والثانية، وقناة دبي الفضائية، وقناة MBC، وغيرها. وقد تألقت - من بين كل تلك القنوات قناة أبوظبي التي كادت تتحول الى قناة اخبارية متخصصة ـ مثل الجزيرة وقدمت ـ بحق ـ خدمة رفيعة المستوى شكلا ومضمونا وضيوفا خبراء ومتخصصين، اضافة الى موقعها وهويتها العربية الواعية، ومن النمنمات الصغيرة الدالة على ذلك عدم انسياقها الى الشعارات التي استخدمتها CNN و BBC لتغطيتها الاعلامية للحرب ضد افغانستان، وهي شعارات: الحرب ضد الارهاب، ثم الضرب أو القصف ضد الارهاب وحرصت قناة أبوظبي على أن يكون شعار تغطيتها هو أمريكا الحرب. دروس في مقدمة الدروس المستخلصة من المرحلة الماضية من اداء الاعلام العربي، انه كشف ـ فجأة ـ عن وجود ثورة عربية عظيمة من صفوف رجال الفكر السياسي الخبراء والمتخصصين ذوى المستوى الرفيع العالمي في مختلف القضايا التي طرحتها الأحداث. وقد تجلى ذلك في رسائل برامج الحوار، وبخاصة تلك التي قدمها الاعلامي الموهوب حافظ الميرازي من واشنطن لقناة الجزيرة ، وكذلك مذيعو قناة النيل للأخبار وقناة أبوظبي وقناة MBC والاعلامي المحنك عماد الدين اديب في قناة أوربت الثانية. ولعل تلك الثروة من المواهب والطاقات العربية، تظل في دائرة الاهتمام الاعلامي العربي، بدلا من دوران هذا الاعلام في فلك عدد محدود من الخبراء الى جانب محترفي الكلام، أي كلام، على شاشات التلفزيون. ويضاف الى هذه الثروة العربية، ماظهر ـ فجأة أيضا ـ من شخصيات أجنبية واعية ومنصفة ومستنيرة الفكر. الدرس الثاني الذي نستخلصه هو انكشاف المستوى المتواضع ـ والمتدني أحيانا ـ لكثير من المذيعين والمراسلين في معظم المحطات، الامر الذي نرجو ان يكون حافزا الى سرعة اعادة النظر في أساليب اختيار الاعلاميين وتدريبهم وتثقيفهم وتسليحهم بالمهارات اللازمة. الدرس الثالث، يتعلق بما شاب اداء الاعلام العربي في أزمة العصر، هو انسياق الاعلام العربي، في خضم تيار التدفق الاعلامي الغربي، الذي بطبيعة الحال ـ لم يهتم بغير عاصفة الطائرات وتداعياتها ثم الحرب ثم هستيريا الجمرة الخبيثة وقد كان انسياق الاعلام العربي في بداية الأحداث انسياقا أعمى، أهمل الى حد شائن أحداث الارهاب الاسرائيلي الوحشي ضد الشعب الفلسطيني، فكانت تأتي في ذيل النشرات الاخبارية، بينما تتصدرها - مثلا ـ مشاهد استعراضات القوة الأمريكية، ومشاهد وداع الزوجات الجميلات والأطفال الأبرياء للجنود البواسل عند سفرهم في رسالتهم النبيلة لضرب افغانستان. وهذا الدرس يثير الحلم العربي القديم، حلم تعديل واقع التدفق الاعلامي من الغرب الينا، بسبب احتكار الغرب لوكالات الانباء المصورة الكبرى التي لا تهتم الا بعالمها ولا تلتفت الى عالمنا الا في مدلهم الأحداث والا كعالم زاخر بالطرائف المسلية. والحق، أن نجاح الجزيرة وأبوظبي وغيرهما، يجب أن يلهم الاعلاميين ورجال الاعمال العرب، بتحقيق حلمنا القديم، حلم انشاء وكالة عربية كبرى للانباء المصورة تحقق التوازن المأمول في التدفق الاعلامي بيننا وبين جهات الدنيا الأربع. انه حلم عظيم، ومشروع مربح جدا، فضلا عن قوة فاعليته وتأثيره في خدمة قضايانا ومكانتنا في العالم. بقلم: عبدالوهاب قتاية