خلافا لما هو سائد في غالبية وسائل الاعلام العربية منذ زمن يقدم الدكتور عبد المنعم سعيد مدير مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية رؤية مختلفة لدور الاعلام منذ 11 سبتمبر وحتى الآن، ويعتقد ان غالبية ما يقدم في الاعلام العربي يقوم على الانحياز وكراهية الغرب، وان هذا الاعلام تناسى كل مواقف الغرب الجيدة في كوسوفو والبوسنة وركز فقط على موقف الغرب من اسرائيل، والنتيجة ان هذا الاعلام في معظمه اصبح اما مهادنا او متحيزا للارهاب وهكذا كما يعتقد الدكتور سعيد اختطاف العقل العربي بواسطة المتطرفين. الدكتور سعيد واضافة لمنصبه الاكاديمي فهو ايضا يقدم برنامجا سياسيا في التلفزيون المصري«وراء الاحداث» وهو عضو ناشط في جماعة القاهرة للسلام «التي تعنى بالحوار مع اسرائيل». ـ أصبح الاعلام جزءا هاما من صناعة الحدث الدولي في الواقع المعاصر ماهو تقييمكم للدور الذي يلعبه الاعلام في هذا الشأن؟ ـ الاعلام أصبح مهما جدا وأحد الأطراف الفاعلة والاستراتيجية الهامة في صناعة الأحداث على مستوى العالم والمثال القريب لدينا الآن أنه رغم موقف قناة الجزيرة من الولايات المتحدة الأمريكية وطريقتها الغاضبة في عرض الأحداث الا أننا وجدنا أن المسئولين الأمريكيين والبريطانيين قد تسابقوا من أجل عمل مقابلات وحوارات مع الجزيرة ومن هؤلاء توني بلير ورامسفيلد وكولن باول، وذلك يرجع في رأيي الى أن قناة الجزيرة لها نفوذ وقدرة على الوصول للمشاهد العربي وهذا لم يتح لأي قناة أخرى ـ ولأن الاعلام مهم وكان مهما الوصول للرأي العام العربي الذي كان يستمع لوجهة نظر وحيدة فقد سعى هؤلاء المسئولون وغيرهم الى اجراء المقابلات مع الجزيرة. ـ هناك رأي يقول بأن الاعلام العربي في أحداث 11 سبتمبر ومابعدها كان بمثابة الصدى لبعض وسائل الاعلام الغربية فهل تعتقد بصحة هذا الرأى؟ ـ في الحقيقة أنا رأيى في هذه القضية مركب ومعقد، فالاعلام يعني أن هناك معلومات وخبرا وتحقيقا وخلفية تاريخية وتغطية كل الجوانب والابعاد وفي الأزمة الاخيرة عرف الناس بأحداثها بسرعة بفضل التطور التكنولوجي فبمجرد قصف برج التجارة الأول تابعت وسائل الاعلام المختلفة حتى أصبح الناس يشاهدون بشكل مباشر قصف البرج الثاني، أما بالنسبة للاعلام العربي فقد أضاف جزءا معينا من الخبر حيث استطاعت قناة الجزيرة أن تقدم وجهة نظر أخرى بنقل المأساة من داخل افغانستان بشكل مباشر وأيضا من داخل باكستان والى حد ما من داخل الولايات المتحدة. ولكن في تصوري أن الاعلام العربي لم يعط اهتماما كافيا بخلفيات الأحداث وتعامل مع افغانستان فيما بعد 11 سبتمبر فقدم لنا القليل جدا عن أفغانستان ولم يراع ماحدث فيها خلال العشر سنوات الماضية من تطورات فالاعلام العربي تصور ان القصة بدأت بعد الضرب في حين ان قصة أفغانستان طويلة. كما انني لا اعتقد أن الاعلام العربي ـ الا فيما قل ـ لعب دورا تنويريا في مناقشة بعض الافكار الخاصة بالجهاد وبن لادن والظواهري الى جانب ان الاعلام وقع في تعريفات متداخلة للأزمة وكانت كثيرة منها مضللة، مثل ترويج وسائل الاعلام العربية لرواية امتناع أربعة الاف يهودي عن الذهاب لمبنى التجارة العالمي يوم الأحداث وقام الاعلام العربي بتشجيع هذه الفكرة رغم انها كانت شيئا مضحكا لأنه لا يوجد مايؤكده كما انه من الصعب حدوثه بالنسبة لمبنى تجاري يتردد عليه الآلاف يوميا ومات فيه اسرائيليون أيضا ولم تتناول أي من وسائل الاعلام في دول أخرى كالصين وروسيا هذه الرواية وانما رفضتها. وأعتقد أنه في حين لام الاعلام العربي الاعلام الغربي لانه وقع بسهولة في الأمور المتعلقة بالكراهية الا ان توجه الاعلام العربي كان بشكل عام يقوم على الانحياز والكراهية للغرب بشكل عام ولم يحدث أن قدم رؤية حقيقية لبقية العالم وكأنه لا توجد فيه أمم أخرى فلم يتم تقديم الموقف الهندي أو الصيني أو الياباني أو الروسي وتعامل الاعلام العربي على اننا نحن العرب وحدنا والغرب الموجودون في هذا العالم، ورغم ان الاعلام العربي كان يدعو من قبل لتعدد الأقطاب الا انه تعامل على أن أمريكا وحدها هي الموقف الذي يجب تقديمه. كل هذه الامور اثارت تساؤلا مهما عن علاقة شعوب العالم العربي والاسلامي بشعوب العالم الأخرى وجرى اختطاف لفكر الجماعات النشطة في العالم العربي من قبل الجماعات المتطرفة برغم انها ـ الجماعات المتطرفة ـ هي التي أذاقت الجماعات الأولى الأمرين من عدم الاستقرار والارهاب وحولت افغانستان الى مواطئ للارهاب وفي كل هذه الأمور لم يقم الاعلام العربي بواجبه تجاهها. ـ هل تعتقد أن موقف الاعلام العربي كان باهتا ازاء الحملة الغربية المنظمة على العرب والمسلمين؟ ـ هذا الأمر غير صحيح فموقف الاعلام لم يكن باهتا وانما قام الاعلام العربي بحملة مبالغ فيها ازاء ماحدث في الغرب من بعض الأمور وقام الاعلام العربي بتضخيم الحوادث التي جرت ضد العرب والمسلمين وحين قام الغرب بتصحيح هذه المواقف والحوادث لم يقم الاعلام العربي بتغطية هذا التصحيح وانما أخذه باستخفاف أحيانا واعتبره نوعا من ترضية العرب ليشتركوا في التحالف الدولي، ففي الحقيقة أن الاعلام العربي لم يعبر عن موقف أصيل وانما كان يحاول أن ينفخ في الموقف. ـ هل تعتقد أن الاعلام العربي يمتلك القدرة على التأثير في الرأي العام الغربي بمستوى يضاهي تأثير الاعلام الغربي في تشكيل الرأي العام وخلق اتجاهات وتحديد موقف ازاء القضايا الدولية المطروحة؟ ـ أعتقد انه لا توجد مشكلة في هذا الأمر ولكن المشكلة هي في الرسالة التي يقدمها الاعلام العربي، فهذا الاعلام يتخيل انه لا يوجد غير العرب والمسلمين ومشكلاتهم في العالم وان العرب والمسلمين في موقع عداء دائم للغرب وينسى أن الكرة الأرضية مليئة بشعوب أخرى وبعضها له مشاكل كبيرة للغاية، لكننا لا نأخذ ذلك في الاعتبار واعلامنا يحمل رؤية مغلقة قليلا للعالم وهنا نزعة شديدة لتمجيد الذات فلا يوجد أحد يمكن ان ينتقد الانتفاضة مثلا أو هذه العملية الاستشهادية أو تلك أو ينتقد موقف هذه الحكومة أو تلك فإعلامنا يتصور اننا دائما على حق ونحن بالفعل لنا مشكلة مع العمليات الاسرائيلية الوحشية ولكن لم نسأل لماذا اتخذت الصين نفس الموقف وهي دولة صديقة ولماذا تنظر الهند للعرب والمسلمين بتوجس شديد وهي التي كانت أيضا صديقة للعرب وتدافع عن قضاياهم وكذلك روسيا. هناك مشاكل حقيقية مثل الصراع العربي الاسرائيلي ومواقف الغرب مع اسرائيل ولكن هناك قضايا عربية واسلامية وقف الغرب فيها مع العرب مثل قضية الكويت والبوسنة ولكن موقفنا نحن من الغرب يستند على أمر واحد هو موقف الغرب من اسرائيل. ـ هل ترى أن الاعلام العربي قدم تغطية تعكس الواقع العربي بكل تقاطعاته وتناقضاته؟ ـ الاعلام العربي يعكس الجزء الذي ذكرته في كلامي سابقا وأذكر لك مثالا على ذلك أن الاعلام العربي قام بتضخيم قصة الرجل الذي اتهمته أمريكا بالتورط في الأحداث ثم تم اكتشاف انه ميت وروج الاعلام العربي لهذه الواقعة ليوحي بأنه حتى أمريكا تقع في اخطاء فادحة في حين تجاهل الاعلام العربي تماما اعتراف السعودية بأن هذا الرجل كان ضمن نشاط متطرف ونجد أن هذا الامر ذكر مرة واحدة ولا نجده على لسان أي أحد من المحللين الذين تختارهم أجهزة الاعلام العربية لأنه لا يخدم خط الاعلام العربي القائم على أن أمريكا قامت بتلفيق تهمة الارهاب لأبرياء عرب لتغطي على الحقيقة وبدت أمريكا كأن لديها سادية أو نزعة ماسوكية لقتل آلاف من مواطنيها وعدم معاقبة الفاعل الحقيقي. فالاعلام العربي كانت لديه ثلاث قصص لمرتكبي أحداث 11 سبتمبر الأولى اليهود والثانية نحن العرب كنتيجة للغطرسة الأمريكية والسياسات المنحازة لاسرائيل، والقصة الثالثة أن أمريكيين هم الذين ارتكبوا ذلك وفي كل هذه القصص تجاهل الاعلام العربي تماما واستبعد جهات التحقيق الأمريكية التي تحاول ان تصل للفاعل الحقيقي ونسى انه في اوكلاهوما اعتذرت جهات التحقيق عن اتهام عرب بارتكابها وقبضت على الجاني الحقيقي وعندما سقطت طائرة تي دبليو ايه 800 في نفس مكان سقوط الطائرة المصرية وجه البعض اتهاما للعرب لكن حدثت عاصفة في أمريكا ترفض اتهام العرب والمسلمين بارتكاب هذه الحادثة فمعنى كل ذلك أن هناك جهات تحقيق يمكن أن تتراجع عن موقفها. ـ ولكن الادارة الأمريكية هي نفسها التي تجاهلت جهات التحقيق لديها واتهمت منذ اللحظة الأولى أسامة بن لادن والعرب والمسلمين بارتكاب أحداث 11 سبتمبر وأعلنت الحرب عليهم دون أن تنتظر نتيجة التحقيق؟ ـ من الطبيعي أنه عندما تكون هناك جريمة ويكون لديك مشتبه فيهم أن تسعى للقبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة وهذا لا يمنعك من استكمال التحقيق ومحاولة التعرف على بقية الشبكات وهم في أمريكا حددوا 19 جانيا في هذه العملية ربطوهم بالقاعدة وبن لادن ولم يقولوا أنهم مدانون وانما مشتبه فيهم وأرسلوا يطلبون تسليمهم فرفضت طالبان تسليمهم، وأنا لا أجد أي مصدر أمريكي يقول ان هؤلاء الأشخاص قد أدينوا ولكن هم فقط مشتبه فيهم والأخطر أن هؤلاء الأشخاص ـ تنظيم القاعدة ـ قد اعترفوا وقالوا ان ذلك سيحدث مرة أخرى وحذروا العرب والمسلمين من التواجد في الأبراج العالية فعندما تحدث جريمة تجد شخصا يعلن فرحه فيها وأنه فعلها وسيكررها لابد أن تتهمه. ـ لكن جهات التحقيق أعلنت أنها لديها أكثر من ربع مليون خيط واشتباه في هذه الحوادث؟ ـ هناك نقطة لا يفهمها الناس وهو أن كثيرا من هذه الأدلة تتعلق بموضوع الهجرة غير الشرعية لأمريكا، ففي اثناء التحقيق فوجئوا بأن كثيرين دخلوا الى أمريكا بطرق غير مشروعة وجوازات سفر مزيفة وهؤلاء اعتبروا خيوطا لابد من تحريها ومتابعتها. ـ هل ترى الاعلام العربي بالشكل الذي تحدثت عنه يخدم قضايا الأمة العربية ويساير التحديات التي تواجهها والتطلعات التي تأمل فيها؟ ـ أنا أؤمن بالتقدم والمواطن العربي الآن اصبح يعرف أكثر مما كان عليه في السابق والاعلام في النهاية ليس غسيلا للمخ وعلى المواطن أن يستمع ويشاهد ويقرأ وتكون لديه القدرة على فرز الحقائق. كلنا الآن في وضع أفضل لكن هناك مظاهر قصور كبيرة جدا لأن الحقائق لا تقال كلها ولأن هناك استسلام للطبقة الثقافية العربية وتنازل أمام الموقف المتشدد لأي أحد لمجرد انه ضد أمريكا واسرائيل واي انسان لدينا يستطيع ان يفعل أي جريمة اذا كان يشتم اسرائيل وأمريكا وقد فعلها صدام حسين من قبل ويفعلها الآن أسامة بن لادن ومايجرى هو اختطاف للعقل العربي. ـ وفي ظل كل هذه المعطيات هل ترى ان الاعلام العربي يمكنه اختراق الرأي العام الغربي والتأثير فيه؟ ـ يستطيع الاعلام العربي بالطبع فعل ذلك بشكل كبير لو توافرت لديه خاصيتان الاولى هي الحرفية والثانية هي المنطق، وقناة الجزيرة استطاعت تحقيق جزء من هذا الاختراق ليس بسبب توجهاتها وانما يرجع ذلك في المقام الأول والاخير الى حرفيتها.أ ما بالنسبة للمنطق ففي الحقيقة نحن فشلنا في تحقيق ذلك حتى الآن رغم اننا نستطيع ان نقدم منطقا انسانيا يقوم على اننا جزء من العالم وليس على المواجهة معه، اما اللهجة الغاضبة الشديدة التي تقوم على المواجهة فهي تجعل العالم ينفر منا ـ نحن نشكو من العالم دائما وفي ذلك بعض الحق لكننا نغفل أن العالم الغربي هو الذي قبض على ميلوسيفيتش المسيحي وعلى بينوشيه لكننا نتعامل بمعايير مزدوجة ونريد من الاقليات المسلمة ان تثور وتحصل على الاستقلال في حين ان الاقليات لدينا عندما تتحدث عن مطالب نتهمها بأنها تسعى للفتنة الطائفية وغيرها، كما أن الرأي العام العربي لا يوجد فيه حديث عن الأكراد والاعلام العربي يستعبد هذه القضية تماما ويتجاهل الآلاف الذين يتم ذبحهم في الجزائر ونلوم الاعلام الغربي. ـ هل تعتقد أن التأثير الذي كان يتردد الحديث عنه دائما للأنظمة العربية في بعض وسائل الاعلام العربية له دور في ذلك؟ الاعلام في كل الدول العربية مازال اعلام دولة والجزيرة عندها استقلال نسبي وقناة أبوظبي لديها امكانيات الجزيرة وتسير في نفس الاتجاه وهناك بدايات حاصلة في مصر بالنسبة للصحف الحزبية وبعض القنوات التلفزيونية في لبنان ولكن الأغلبية الساحقة من أجهزة الاعلام تخضع للدول وأنا متفائل بالنسبة للمدى البعيد في الاعلام العربي لكن بالنسبة للمدى القصير فأنا متشائم قليلا وأعطيك أمثلة لبعض الصحف الحزبية والمستقلة في مصر مثل الأسبوع وصوت الأمة وجريدة العربي الناطقة بلسان الحزب الناصري، هذه الصحف لا تجد فيها شيئا عن قضايا مصرية والموضوع الوحيد لديها هو اسرائيل وفلسطين في حين أن عبدالناصر مثلا كان يدافع عن الفقراء والعمال وغيرهم فهذه الصحف ترى انها في المدى القصير يمكن أن تركب الموجة المتطرفة. القاهرة ـ محيي الدين سعيد: