الإعلامي المصري البارز حمدي قنديل يعتقد أن الإعلام الأمريكي فقد مصداقيته منذ أحداث 11 سبتمبر ونهاية بتغطيته للحرب في افغانستان مروراً بمحاولة وصم العرب والمسلمين بالارهاب، لكن هذه الأحداث أيضاً لم تكشف الاعلام الأمريكي فقط بل رفعت الغطاء عن ترهل الاعلام العربي الذي لا يستطيع ان يغيّر شيئاً في ظل الانقسامات والفرقة وعدم وجود تضامن عربي حقيقي. وخلافاً لآراء كثيرين ورغم شهادته بمهنية قناة الجزيرة، فإن قنديل يؤكد انها لم تحقق سبقاً صحفياً لأن الأمر عبارة عن اتفاق بين القناة وحركة طالبان باحتكار بث الأخبار والصور. وفي هذا الحوار الشامل لـ «الملف» يكشف قنديل اهتزاز الاعلام الأمريكي على وقع هذه الأزمة. وقبل الدخول في التفاصيل تجدر الاشارة الى ان حمدي قنديل يعد احد الرعيل الأول في التلفزيون المصري منذ عام 1960، وساهم في تأسيس بعض أهم القنوات الفضائية العربية مثل mbc وart، وأخيراً عاد للتلفزيون المصري ببرنامجه الشهير «رئيس التحرير» الذي ضخ دماً جديداً في عروق هذا الجهاز الذي كاد يقارب الشيخوخة فأعاد إليه الكثير من المشاهدين بفضل مساحة الجرأة والتلقائية والنبرة المعارضة التي تعبر عن هموم البسطاء ليس في مصر فقط بل في كل الوطن العربي. وإلى نص الحوار: ـ لجأ الإعلام الأمريكي إلى نشر المزاعم والقصص المفبركة خلال الأيام الماضية وتم إلقاء التهم جزافاً على العرب والمسلمين فهل هذه هي الصورة الحقيقية للإعلام الأمريكي؟ ـ هذا صحيح فالدعائم الأمريكية والتي كان أحد أسسها الديمقراطية والحرية إنهارت وعلى مستويات مختلفة وربما يكون الاعلام صورة لما يحدث في أمريكا، وأصبح الآن هناك تصريح للمخابرات الأمريكية CIA القيام بعمليات اغتيالات داخل وخارج أمريكا مثل التي تفعلها إسرائيل تجاه قيادات المنظمات الفلسطينية وضد نشطاء الإنتفاضة فضلا عن السماح أيضا للسلطات الأمريكية بمراقبة التليفونات واعتقال الاشخاص عدة أيام دون إتهام أو الاستعانة بمحامي أو التقديم للمحاكمة وأصبحت الشبهات إتهامات صريحة، أما عن الحظر والمنع فهو موجود في كل الحروب للتحكم في وسائل الاعلام الأخرى وتوجيهها لأشياء أخرى. ـ إذن هل فقد الاعلام الأمريكي مصداقيته؟ ـ لاشك أن ما يحدث في أمريكا الآن لم تره من قبل وبخاصة لوسائل الاعلام الخاصة عبر الحروب السابقة فالتطبيق والتوجيه والمنع والحظر لما تراه أمريكا خطرا لم يكن يحدث من قبل، وأساتذة الاعلام الامريكيين الذين كانوا يتغنون بالحرية في اعلامهم فقدوا مصداقيتهم بعد السياسة الأمريكية الأخيرة. ـ الاعلام الأمريكي مازال يوجه الإتهامات للعرب رغم تأكيد بوش أنهم غير مسئولين عما حدث في نيويورك وواشنطن؟ ـ العرب مستهدفون من وراء هذه الحلمة لكونها لتصفية حسابات لعدد من الجماعات التحررية في الوطن العربي والإسلامي والمسألة أصبحت واضحة في الاعلام الأمريكي حيث الرغبة حاليا عالية في تصفية كل الحسابات العالقة مع الجبهات العربية التي ترفض السياسة الأمريكية أو التي تنغص على أمريكا وإسرائيل بالذات في مقدمتهم حزب الله والمنظمات العربية مثل الجهاد وحماس والجبهة الشعبية في فلسطين وغيرها. والآن هناك حملة على سوريا لكونها استضافت عدداً من القيادات لهذه المنظمات فالحرب لن تقتصر على افغانستان فقط. ـ كيف ولماذا؟ ـ الاعلام الأمريكي أكد ذلك في عدد من المطبوعات الأمريكية وهناك مثال لعدد نيوزويك الصادر في 6نوفمبر الجاري والذي يحمل عنوان أفغانستان ساحة المعركة حقول الغام قاتلة، حلفاء منقلبون، وشتاء قاسي على الأبواب، أسوأ مكان في العالم لشن حرب تضمن العدد ملفا عن الجهات المطلوب مراقبتها لكونها تضم معاقل الإرهاب وهي الصومال إنتقاما لما حدث لأمريكا عند نزولهم هناك أثناء الحرب الأهلية، والفلبين إنتقاما لجماعة أبو سياف، ثم الجزائر وحركة الإنقاذ وتنظيم الجهاد ثم العراق الذي يتهمونه بأنه وراء إنتشار الجمرة الخبيثة.. فالمسائل كما قلت مفضوحة في وسائل الاعلام الأمريكية وكل ذلك في عدد واحد من أحد أهم إصداراتهم الصحفية. ـ ذعر اجتاح أمريكا خلال الفترة الماضية من رفض عدد من المحطات العربية لحملتها العسكرية ولسياستها غير المتزنة وسعت لتكميم أفواه وأصوات المعارضين لهذه الحملة فما رأيك في هذا؟ ـ ما فعلته أمريكا خلال الأيام الماضية وقيامها بحملة ضخمة للعلاقات العامة لفرض رأيها ووجهة نظرها هي على الإعلام العربي هو يؤكد أنها مهزوزة لما يحدث الآن ويكشف عن وجهها القبيح وكيلها بأكثر من مكيال. لقد اعترف الامريكان من خلال المسئولين قيامهم بهذه الحملة سواء كانت أمريكية الحركة أو من خلال حلفائها وعلى رأسهم توني بلير رئيس الوزراء البريطاني في عدد من الدول العربية لإنقاذ صورة التحالف القبيح في عيون الحكومات وليس في عيون الشعوب العربية وللأسف أفسحت عدد من القنوات العربية المجال لنقل الصورة التي ترغبها أمريكا وتمكنوا من إستهلاك هذه القنوات لصالح اغراضهم الدنيئة لتوصيل ما يرغبوبه من عرض اخبار تتناول القضية من زواية واحدة. ـ في معرض حديثك قلت ان أمريكا رغبت في تحسين صورتها أمام الحكومات ولكنها فشلت في تحسينها في عيون الشعوب العربية فهل يعد هذا تقصيرا من الاعلام العربي أم عدم استطاعتهم لنقل الصورة كما يبغيها الأمريكان أم امتناعه عن توصيل هذه الصورة؟ ـ لا الاعلام العربي لم يمتنع عن توصيل الرسالة الأمريكية ولم يكن مطلوبا منه توصيلها وغير مسئول عنها إلا في حدود عرض وجهات النظر المختلفة في جميع القضايا. وأريد أن أذكر أن الأمريكان يطالبون بالمزيد من عرض وجهات نظرهم ورؤيتهم فيما يدور حاليا في أفغانستان من خلال ممارسة ضغوط على الحكومات العربية والإسلامية التي تمتلك بعض من وسائل الاعلام وهو شئ متوقع إلا أن الصورة الحقيقة لأمريكا في عيون الشعوب العربية لم ولن تتغير إلا مع تغيير سياسة أمريكا نفسها تجاه العرب وقضاياهم فأمريكا ترغب في عرض وجهة نظرها فقط كما قلت من خلال وسائل الاعلام التي تمتلكها الحكومات وهو شئ متوقع في كافة الدول العربية والإسلامية التي تتعرض لضغوط. ـ وهل هذا ينطبق أيضا على الاعلام المصري؟ ـ أعتقد أن مصر بالذات لا ننكر أنها دولة حليفة لأمريكا على وجه العموم ولكن لها تحفظات واضحة فيما يتعلق بالحملة العسكرية الحالية ضد أفغانستان والتي أطلق عليها مكافحة الإرهاب ثم أن مصر لها ثقل سياسي وليس من المعقول أن تتعامل أمريكا مع مصر بنفس تعاملها مع الآخرين وأعتقد أيضا أن هناك ضغوطا تمارس على الإعلام المصري مثلما يحدث مع الإعلام العربي ولكن المهم ما مدى الاستجابة لهذه الضغوط. دعا عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية خبراء الاعلام العربي إلى مؤتمر عربي لبحث سبل الرد على الهجمة الإعلامية الغربية لتشويه صورة العرب والإسلام في عيون هذه الشعوب الغربية والأمريكية ليكون للعرب موقف دفاعي وتحدد يوم 26 نوفمبر الحال موعدا لإقامته.. ـ فما هي ورقة العمل التي يعدها حمدي قنديل لتقديمها في هذا المؤتمر؟ ـ في البداية أنا ضعيف الثقة في الجامعة العربية كمؤسسة ولا أعتقد أن عمرو موسى كشخص يستطيع أن يفعل شيئا تجاه هذه القضية فهو بين حين وأخر يقوم بمشروع وأخر له بعض البريق ولكن كشئ جذري لن تتغير الجامعة العربية لأن العرب لم يغيروا سياستهم على طول الأزمنة والجامعة لا يستطيع شخص واحد أن يغيرها. ـ وحتى على مستوى اللجنة الدائمة للإعلام العربي بأن نقر ميثاق أو ورقة عمل تنفذها القنوات الفضائية العربية للرد على هذه الهجمات؟ ـ ولا حتى هذه اللجنة لأنه لن يتم تنفيذ ميثاق الشرف الذي تدعو له للرد على هذه الهجمات. ـ ألا ترى أنها نظرة سوداء للواقع الاعلامي العربي؟ ـ دعنا نناقش الأمر بهدوء فالأساس لا توجد وجهة نظر عربية موحدة تجاه ما يجري في العالم في هذا الوقت.. فكيف يمكن أن يتم التعبير عن وجهة نظر عربية موحدة وهي غير موجودة في الأصل. ـ كيف يمكن للإعلام العربي مواجهة الهجمة على العرب والمسلمين في ظل انتشار القنوات وتعددها؟ ـ لن يحدث حتى مع تعدد القنوات العربية، ولن تستخدم هذه القنوات لتحسين صورة الوجه العربي والإسلامي أو الدفاع عن العروبة أو مجابهة الحملات الخارجية بسبب وحيد كما قلت أنه لا توجد سياسة عربية موحده ولكن يمكن أن تحدث مبادرات فردية بين حين وآخر، وهناك مثال لدينا وهي قناة النيل الدولية التي تقدم برامجها بلغات مختلفة وهو ما لم يحدث في أي دولة عربية أخرى ومثل هذه القناة تستهدف مخاطبة العالم بلغاتهم وليس بلغاتنا نحن وهو ما لم يفتقده العرب وهي عدم وجود قنوات تتحدث بلغات أجنبية كمواجهة لأية حملات خارجية أو على الأقل تقديم الصورة الحقيقة للعرب لدى الأجانب دون الاعتماد على القنوات الاجنبية الأخرى. ـ هناك انتقادات وجهت إلى قناة الجزيرة لتبنيها وجهة نظر حركة طالبان في الوقت الذي لم تخف وجهة النظر الأمريكية؟ ـ الجزيرة لديها حرفية عالية جدا ولا جدال أنها من أحسن المحطات العربية على المستوى المهني والحرفي الاعلامي وأحداث أفغانستان جعلتها تزداد تفوقا أكثر وأكثر بما في ذلك على قناة CNN وأقول أن هذا يعود إلى الحرفية التي تتمتع بها هذه القناة، ولكن عندما نناقش قضية الجزيرة وبثها لوجهة نظر طالبان الذي يعد سبقا اعلاميا من وجهة نظر البعض، ولكن الحقيقة أن هذا لا يعد سبقا بقدر ما هو ترتيب بين طالبان والجزيرة والذي منح الأول الحق للثاني توكيلا واحتكار التصوير في أفغانستان بإستثناء زيارات لعدد من الصحفيين لزيارة موقع تم تدميره وهو ما يؤكد أنه ليس تفوقا اعلاميا للجزيرة بقدر ما هو ترتيب كما قلت بين طالبان وبينها ورغم ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر تفوقها الاعلامي ولا يمكن لأي قناة أخرى أن تتفوق عليها في أحداث أفغانستان سواء كانت قناة عربية خاصة أو حكومية بما فيها مصر التي مهما سعت لدى طالبان لن تحصل على موافقة للتصوير في أفغانستان. ـ أليس هذا يماثل مع ما حدث مع CNN أثناء حرب الخليج واحتكارها للتصوير في المناطق العراقية؟ ـ هذا صحيح ولكن الوضع يختلف عما كان في حرب الخليج الثانية التي كانت تحتكرها CNN فكان العالم كله يشاهد ما يدور في الحرب العراقية الكويتية نقلا عن CNN ولكن للأسف الشديد ما تنقله الجزيرة لا تنقله محطات الغرب عنها حتى لا تري شعوبها حقيقة ما يدور في الأراضي الأفغانية من دمار وهلاك وقتل أبرياء من جراء الغارات الأمريكية ضد الشعب الأفغاني لو شاهد الرأي العام الغربي ما تقدمه الجزيرة لتوقفت الحملة العسكرية بعد أيام قليلة من بدئها وللأسف أيضا نجد التلفزيونات العربية سلكت نفس أسلوب المحطات الغربية بعدم نقلها لما يحدث في أفغانستان عبر الجزيرة خشية إثارة شعوبها والنشطاء منهم ضد أمريكا والدول الحليفة لها وهذا خطأ اعلامي كبير فالعديد من القنوات العربية اصبحت تحتل وجهة نظر أحادية وهي النظرة الأمريكية والدول العربية تضع خاطر لأمريكا. القاهرة ـ سعيد جمال الدين: