في موازاة الحرب على افغانستان وفيها، والتطورات والتداعيات الدولية والاقليمية والوطنية المحلية التي اعقبت في العالم غزو التفجير فضائيا وطيرانا لواشنطن ونيويورك في 11 سبتمبر الماضي «عام 2001م» ثمة حرب من نوع آخر اتسعت رقعتها ورحاها ولا تزال، بين وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة في السباق على التغطية والمتابعة الشاملتين للقضية من مختلف جوانبها. وفي زمن طغيان الفضائيات العربية، حاول الاعلام المكتوب في الوطن العربي ان يثبت حضوره من زوايا يعتبر انها من خصوصياته، ويعجز دونها المرئي والمسموع، ويأتي توثيق وتأريخ الجاري في مقدمتها. لذلك تتفاوت النظرة الى حجم تلك المحاولة، والى نتائجها بين الرأي العام بصورة عامة، والمشدوه والمشدود الى طغيان المرئي الفضائي على مدار الساعة، وفي كل لحظة باخرى، وبين العاملين في الاعلام المكتوب بشكل خاص، وهم الذين في اية مقارنة من ذلك القبيل ظلما للاعلام بكافة انواعه ووسائله واساليبه وعامليه، وبطبيعة الحال بمؤسساته. وينظر الاعلاميون الكاتبون الى الفضائيات على الاخص من زاوية الحضانة والاحتضان. فيذهبون الى حد تهميشها والغائها بمعزل عن الادوار التي يقيمون هم بها بانفسهم فيها. ويسوقون امثالا ليس اقلها ان نجاح الفضائية، وتفوقها على زميلاتها، مرهون بمدى قدرة احداها دون الاخرى على جذب ذوي الكفاءة في الاعلام المكتوب للعمل فيها. ثم ان هؤلاء يعززون منطقهم بالتركيز على المسلمات، ومنها انه يجب التفريق بين المفردات لتكون اكثر دقة، فالتراجع في الاعلام المكتوب لصالح المرئي والفضائي لا يعني تراجعا في الصحافة، ولا خللا ذاتيا في بنيتها ومستوى العاملين فيها. فلكل وسيلة دورها، ومساحتها. فعندما غزا الفيديو منازل اللبنانيين (وهذا مثال ينطبق على العالم كله)، كان في لبنان 52 دارا للسينما قيل انذاك ان هذه الدور ستصبح اقل من عدد اصابع اليد الواحدة. لكن الذي حصل جاء معاكسا تماما، اذ في لبنان الآن اكثر من 300 دار سينما، من ارقى الدور العربية تجهيزا وعروضا وبذخا لصرف الاموال المستثمرة فيها. ومن المسلمات مسألة التكامل بين وسائل الاعلام، ومقولة ان لا احد يلغي الاخر، وان تفوق عليه مهنيا، او فاقه استقطابا للجمهور. وهذا نفسه ينطبق على الاعلام المكتوب نفسه، اي في عالمه الخاص الداخلي، بين مطبوعات تلتهم كعكة الاعلانات، وتستأثر بالحجم الاكبر من القراء، وتطبع اضعافا مضاعفة من النسخ يوميا وبين اخرى هي دون ذلك بكثير، وباكثر من اللزوم. ورغم ذلك فان صحيفة لا تلغي اخرى، وجميع الصحف تصدر يوميا في نهاية الامر، تماما كما المجلة الاسبوعية، او الشهرية او الفصلية او الدورية بشكل عام. ضمن اطار تلك المسلمات دارت اجوبة الذين وقف «الملف السياسي» على ارائهم في بيروت، في محاولة رصدها لمواقع الفضائيات والاعلام المكتوب في متابعة الحدث الدولي ما بعد 11 سبتمبر الماضي، وهم: ـ نقيب محرري الصحافة اللبنانية : ملحم كرم. ـ رئيس المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع: عبدالهادي محفوظ. ـ مدير تحرير صحيفة «النهار» اليومية، الاستاذ في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية: راجح خوري. ـ رئيس تحرير مجلة «الشراع» الاسبوعية: حسن صبرا. ـ اضافة الى عاملين في بعض الفضائيات اللبنانية، حيث تمحورت الاجوبة حول سؤالين يتعلق اولهما بالتغطية الفضائية للاحداث، والثاني بمقارنة ذلك باداء الاعلام المكتوب. وكانت البداية بسؤال موجه للضيوف جميعا حول السلبيات والايجابيات في الدور الذي ادته الفضائيات العربية منذ تفجيرات 11 سبتمبر وصولا الى الحرب في افغانستان وجاءت اجابات الضيوف كالآتي: النقيب ملحم كرم: ـ الصورة فاعلة، خصوصا في صناعة قناعات الناس. ثم ان سرعتها في الانطلاق، وفي التحرك، لهما فعلهما عند المشاهدين، لكن الكلمة المكتوبة هي اوقع. اريد ان اشير الى ان كل النشرة التلفزيونية التي يجب لتستوعبها ان تتسمر الى كرسيك ولا تتحرك، لا تساوي عامودا في صحيفة من مئة عامود. يظل للكلمة المكتوبة الفعل الاخلد، الاسود على الابيض. هذا تأريخ. حينماتمر الصورة، تستحل بعدها صور اخرى فتمحوها من الذهن، ومن الذاكرة. اما الكلام المكتوب فهو الابقى والاخلد والاكثر فعلا. لا اتكلم من موقعي كرئيس تحرير لمطبوعات مكتوبة لا فانني ما عرفت الحسد في حياتي المهنية يوما. واخواني وانا نبارك كل جهد يقوم به التلفزيون، لانه جهد مبرور، ثم لانه يشهد بالكفاءة وبالتفوق. لكن اريد ان اقول ان علينا ان لا ندني المنافسة. ان نعززها، ونشجعها، وندعوها لان تقوم من التنافس بين القاريء والمشاهد، وتنشأ النوعية العالية في العمل الاعلامي. اذا تنافست وسيلتان اعلاميتان وحققت احداهما الغلبة، فليس في النهاية الا مستفيد واحد هو القاريء، والمشاهد، والمستمع، وهذه كلها امور يجب ان نباركها. الاعلام في وجوهه الثلاثة: المرئي، المسموع، والمكتوب، هو غاية الانسان في هذا الزمن، اي الانسان الفضولي الذي يبحث عن الخبر بـ «فانوس ديوجين»، اي يسعى اليه في الظل، وفي الظلام، وفي العتمة، اذ يهمه ان يعرف معلومة، وهذا حقه ، لان الجهل زمن انطوى والسماع بالتواتر شيء سقط، اليوم نأخذ الخبر بالصورة، وبالصوت، وبالكلمة المكتوبة والمطبوعة، بالاسود على الابيض. من هنا، علينا ان نكن دائما كتلة واحدة، واسرة واحدة، ما يصيب خصم لنا، وليس هنالك اساسا من خصومة في المهنة بل تنافس، يصيبنا جميعا. اعتقد ان مايحققه منافس لي، وينتصر به عليّ هو انتصار لي. لانه يكون قد انشأ سابقة، مثلا حديث مع رئيس دولة، اذا سبقني اليه زميل يجب ان افرح له واصفق. لانه قد يكون خلق الطريق، والسبق، الى حديث اجريه انا مع هذا الرئيس بعد ان يكون الحديث الاول قد حقق اغراضه في التوعية والاعلام. عبد الهادي محفوظ: ـ كان من الواضح ان الفضائيات العربية، هذه المرة وبعد احداث 11 سبتمبر، اخذت مكانا ملحوظا بدأ تحديدا مع قناة «الجزيرة» التي استطاعت ان تأخذ موقعا دوليا مهما ومنافسا بحيث كانت مصدر معلومات اساسيا للاحداث في افغانستان، وهذا ماشكل بالنسبة لمحطات امريكية تلفزيونية مشكلة. اذ انه لاول مرة تستطيع محطة عربية ان تأخذ مكانها على رقعة الاعلام الدولي، وتكون مصدر تأثير على الرأي العام، ومصدرا اساسيا في تزويد المحطات الفضائية التلفزيونية بالمعلومات. مثلا النداء الذي بثته «الجزيرة» لاسامة بن لادن مع بداية الحرب نقلته كل وسائل الاعلام المرئية الدولية عن تلك القناة. وهذا ماتبين في مرحلة لاحقة بان الادارة الامريكية اضطرت ان تستعمل تلفزيون «الجزيرة» مصدرا لنقل ملعومات وزير خارجية او وزير دفاع او مسئولين كبار، بحيث استطاعت تلك القناة ان يطلب منها مسئولون غربيون لاجراء مقابلات لهم معها. هذه ناحية مهمة اما الناحية الثانية في مجال المرئي، فاننا نجد تلفزيونات عربية خصصت قسما كبيرا من وقتها على مدار اليوم لتغطية الاحداث الافغانية والحملة الامريكية على افغانستان. ان ما ينقص هذا المنحى الاعلامي المرئي هو البعد السياسي، اذ انه يمكن للاعلام ان يصنع الرأي العام ويؤثر عليه، لكن اغلبية التغطيات كانت تبدو صحفية مهنية، وهذه مسألة ناتجة في تقديري الشخصي عن غياب سياسة عربية اعلامية بشكل عام، بحيث تتوجه لمخاطبة الرأي العام الدولي باتجاه التمييز بين الارهاب والمقاومة، ذلك ان التعريف الامريكي للارهاب كان غامضا، وحاولت اسرائيل ان تستفيد منه حتى تضيف لمفهوم الارهاب. حسب التعريف الامريكي تعريفها الخاص الذي يعتبر الانتفاضة و «حزب الله» و «حماس» و «الجهاد الاسلامي»، وكل العمل المقاوم الفلسطيني ارهابا، علما بان ذلك كان فرصة امام الاعلام العربي، وامام السياسة العربية، اذا صح التعبير للتركيز على ان الارهاب الحقيقي هو ارهاب الدولة الاسرائيلية. وهذا الارهاب الاسرائيلي هو في مصدر العنف العربي، والكراهية التي بدأت تظهر في المنطقة العربية والاسلامية ضد السياسة الامريكية. هنا اظن انه لم يكن لا الاعلام المرئي والمسموع، ولا المكتوب على مستوى المرحلة الراهنة، ليس بسبب تقصير العاملين في قطاع المكتوب والمرئي وانما بسبب الارتباك الذي ساد في كيفية مواجهة الدول العربية والاسلامية لظاهرة الحملة الامريكية على افغانستان. وهذا الارتباك كان ناجما عن ان كل دولة عربية حاولت ان تجد مخرجا لمشاكلها مع الولايات المتحدة من دون ان تتم صياغة موقف عربي عام، او رؤية عربية عامة، كان يمكن للاعلام العربي المرئي والمسموع والمكتوب ان يستفيد منها ويعزز وضعه على الساحة الدولية، واكثر من ذلك، ان يعكس النظرة العربية الغامضة حتى الآن على الصعيد الدولي، في كيفية التمييز بين الارهاب والمقاومة. راجح خوري: ـ عمليا ظهرت الفضائيات العربية بسرعة وبتكاثر كما يظهر عادة الفطر في المزارع المظلمة، اي في الظل. بين ليلة وضحاها، صارت هناك مجموعة هائلة من الفضائيات العربية. اعتقد ان الدافع الاساسي لهذه الطفرة ليس بالضرورة التزام قومي او سياسي بفكرة ما، او بمشروع سياسي ما، او برؤية هادفة ومبرمجة. لعل الحافز الاساسي يكمن في امرين الاول هو الغيرة، اذا جاز التعبير، والموجودة في شئون اخرى في العالم العربي غير الاعلام. والامر الثاني يتعلق بالجيل الجديد من الشباب العربي الذي درس في جامعات الخارج وتخصص فيها وصارت له رؤية براجماتية في الاعمال، فهو يعرف ان هناك «كعكة اعلانية» كبيرة في الشرق الاوسط، خاصة في دول الخليج التي تأخذ نسبة هائلة من الاعلانات. لذلك فان الفضائيات بالاساس باب مربح لجهة المال من خلال الاعلانات،. وقد روعيت في انشائها احدث التطورات التقنية، التي لا نرى بعضها في فضائيات بعض كبريات الدول في العالم. صحيح انه ليس من حقنا التعميم، لكن الملاحظة التي يجمع عليها كل الاعلاميين والمسئولين العرب، ومن لديهم رأي في هذه المنطقة، هي ان هناك جزءا اساسيا من الفضائيات العربية اهتمت بامور ليست اساسية كثيرا من واقعنا الاجتماعي، وفي طموحنا القومي والسياسي. لكن وسط كل ذلك هناك استثناءات فهناك محطات فضائية عربية، منها مثلا محطة ابو ظبي، لعبت دورا اساسيا في المتابعة والتغطية خاصة ما يتعلق بفلسطين مثلا، تغطيتها ممتازة. وانا حضرت كعضو في جائزة الصحافة العربية التي اجريت في دبي العام الماضي، واطلعت بالتفصيل على نشاطات الفضائيات في الامارات. هناك مجموعة من المحطات تحاول قدر الامكان ان تستجيب للناحية القومية والوطنية التي اشرت اليها. ولكن قياسا بالحجم وبالعدد، فاعتقد ان المطلوب من الفضائيات العربية يبقى اكثر بكثير. ويمكن القول عن متابعة التطورات بعد تفجيرات 11 سبتمبر الماضي ان الفضائيات العربية في الموضوع السياسي هي مثل كل وسائل الاعلام المكتوبة، اي ان هامش المناورة لديها في هذا الموضوع يبقى مرتبطا والى حد بعيد بالنظام السياسي القائم. لذلك وقعت كل الفضائيات ووسائل الاعلام بالتباس حقيقي بعد الذي حصل في سبتمبر، وما ترتب من تداعيات على ذلك، وذلك لسبب بسيط جدا، وهو لان الانظمة السياسية العربية وقعت هي نفسها بالالتباس في هذا الموضوع. يعني، انا افتقد منذ ذلك التاريخ حتى الآن الى موقف عربي مسئول يقول شيئين: الاول، هو ان اسامة بن لادن لا يمثل الاسلام والمسلمين، ولا يقول كلمته وكلمتهم. اعتقد ان هذا الامر مطلوب، حتى لا يصبح ابن لادن مصادرا لقرار الامة العربية والاسلامية، هذا غير صحيح، وغير سليم. والشيء الثاني هو انه لم يظهر في كل المنطقة العربية موقف شامل ومسئول يقول: نريد فصلا حقيقيا بين الارهاب والمقاومة، فهذا الامر غير حاصل الآن الا على مستوى مقالات، ودراسات، وتصريحات من قبل مسئولين عرب. نحن نعقد قمة عربية مثلا للبحث بامر ما لكننا لم نعقد قمة من اجل موضوع حاسم واساسي من ذلك النوع. ففي ظل هذا الالتباس في القرار السياسي العربي فان موقف معظم الفضائيات العربية من احداث ـ سبتمبر وتداعياتها في حالة التباس، فهي لا تستطيع الذهاب الى الاخير في شق وبلورة موقف حقيقي يمثل من هو ابن لادن، ولا تقدر الذهاب في اتجاهات اخرى. لان العالم العربي نفسه لم يستطع ان يكوكب موقف سياسي واحد وموحد. فالتباس الفضائيات نتيجة للموقف العربي، وليس ناتجا عن تقاعس او ضعف مهني مثلا، بل ان هذه الفضائيات، وبالعكس غالبا ما تتقدم على القرار السياسي، وحتى على النظام السياسي في بعض المواقف، لكن في موضوع اساسي كالذي نحن في صدده، لا نستطيع ان نلوم الفضائيات كثيرا، لان هامش الحرية في بعض المجتمعات العربية لا يسمح للفضائيات بان تنحو في ذلك المنحى. لذلك اعتقد انه باستثناء التغطية الاخبارية العادية، فانني لا اعتبر ان ما حصل فائق للطبيعة فنحن في عصر العولمة. واستطع من خلال هذا الجهاز الصغير على مكتبي ان اتابع أدق التفاصيل في العالم، في كل ساعة. وفي كل لحظة. فلا فضل لاي تلفزيون ان يقول لي ماذا حصل، او ينقل صورا. فضله يكون بان يعطيني تحليلا، وموقفا سياسيا يتلاءم مع مصلحتي الوطنية والقومية ازاء اي حدث. حسن صبرا: ـ لقد تسنى لي خلال الفترة التي تلت احداث 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك المكوث فترات طويلة امام اجهزة الانترنت، الامر الذي لم يكن متسنى لنا سابقا. اول مشاهدة لي بداية لمحطة «سي. ان. ان» تعرض صورا حية الى المتابعة التي اعتبرها شبه مستمرة حتى الآن خاصة في الفترة المسائية، اي بعد الظهر وليلا. المحطات الفضائية العربية اثبتت وجودها دون شك من حيث التغطية. انما هناك افتراق اعلامي تبعا للافتراق السياسية. واعتبر حتى القناة الاساسية التي تغطي تلك الاحداث اي «الجزيرة» في قطر، بدأت بحالة وتبدلت فيما بعد حتى الآن. فعلا كانت هي الوحيدة التي تنقل صورة متفردة من داخل افغانستان ، هذه الصورة مازالت لغاية الآ، انما التعديل الذي حصل عليها هو بسبب الضغوطات السياسية التي تعلمون من اعلى قمة في السلطة في الولايات المتحدة الامريكية والتي مورست على «الجزيرة» للحؤول دونها ودون اثارة الرأي العام العربي والاسلامي ضد امريكا، بسبب تفردها بوجود مكتب لها في كابول، وربما كان هذا مصادفة، او شطارة، او تعمدا افغانيا لمنع التغطية عن بقية المحطات. المهم انه بعد تلك الضغوطات، فان التعديل الذي حصل هو ان «الجزيرة» التي كانت تنقل من افغانستان فقط، اصبحت تعطي حيزا كبيرا لوجهة النظر الرسمية الباكستانية والامريكية الرسمية من خلال اللقاءات المباشرة مع كبار المسئولين وبشكل شبه يومي مع مراسلين امريكيين لمحطات فضائية امريكية موجودة في باكستان، ينقلون بالتأكيد وجهة النظر الامريكية اضافة الى نقل مباشر يومي لكل المؤتمرات الصحفية التي يعقدها المسئولون الامريكيون العسكريون الميدانيون والسياسيون والمحللون الاستراتيجيون. اعتقد ان هذا ليس من الضغط الامريكي الذي بدأ داخل الساحة الامريكية تقييدا لحرية الاعلام تحديدا، واصرارا من مستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس عندما طلبت عدم بث مباشرة ماتنقله قناة «الجزيرة» والمعلوم ان هذه القناة تبيع الدقيقة لتلك المحطات بعشرين الف دولار. وان هناك تسابقا فيما بينها على شراء الدقائق من قطر، قد حصل تراجع ايضا حتى في اعتماد الجزيرة للمحطات الامريكية. اذن هناك تقييد امريكي شامل، انعكس ايضا على الجزيرة وبالتالي على بقية الاجهزة العربية. وهناك فضائيات عربية منحازة للجانب الامريكي. وهناك بعض الاقنية التي تحاول ان تكون معتدلة، كما ان هناك اقنية عربية معادية تماما لحركة «طالبان» وتصب دائما في خانة التحريض الامريكي. ثانيا اداء الاعلام المكتوب السؤال الثاني: هل قام الاعلام اللبناني والعربي المكتوب بالاداء اللازم في مواكبة الحدث التاريخي في تداعياته مابعد التفجيرات في امريكا والحرب في افغانستان وعليها؟ واين يقع ذلك بالمقارنة مع منافسة الفضائيات وربما خصومتها او منافستها؟ النقيب ملحم كرم: حقق الاعلام المكتوب اللبناني الاهداف المتوخاة من متابعته للتطورات الدولية مؤخرا وكان في المستوى، وفي الامل الصحفي الصحيح، وموضوعيا، وما انحاز في اتجاه معين. كان صادقا، ومنصفا، وعادلا، ثم تحرى الاخبار، وتأخرت الصحف بالصدور حتى الرابعة والخامسة فجرا، وهو مالم نعهده في الايام العادية، حتى في ايام الانتخابات النيابية. هذا يعني اخلاصا وصدقا ومواظبة في ملاحقة الخبر، وفي السعي للوصول اليه صادقا، موضوعيا، لا يهمه ان يرضي او ان يغضب، بل يهمه ان يصيب وجها من معين الحق، لكن الالتباس الحاصل في الموقف الرسمي العربي بصورة عامة انعكس دون شك على الاعلام المكتوب فالحرب على افغانستان ليست حربا عادية. ثم ان التكتلات تتبعثر وتتشرذم، فقد ادت افغانستان الى نوع من التباعد في النظرة الى الشئون بين الدول الاسلامية. هذا ما يجب ان نسلم به. لم يحد هذا من حرية الاعلام، لكن اعطاه نكهة ثانية، ووجها جديدا ما كنا نشهده من قبل، بمعنى ان الوقوف ضد ايران، لاسباب مذهبية، تكتل حوله انصار ومحازبون. مثلا هذا ما اشارت اليه حرب الخليج الثانية في العراق والكويت. اما الآن فهناك طرح آخر هو الذي يقسم المعسكرات، فكون افغانستان دولة سنية، فانها تعيد خلط الاوراق، على غير الاساس الذي كان قائما في الماضي، من هنا انطلقت انقسامات، وهذا ما يتعب الولايات المتحدة التي تعمل على سد ثغرات نشأت، لكن بصعوبة كبرى. هذا هو الواقع يحاول الامريكيون، لكن لا يتمكنون. وباختصار فان قاريء اليوم نهم، مفجوع، طامع في مزيد من الاخبار يستقيها من كل مصادرها المكتوبة والمرئية والمسموعة، وليس علينا ان نخيره، بل لنتركه يستسلم الى نهمه، والى جوعه، والى سعي دؤوب لأن يحصل على الاخبار من كل المصادر والوسائل المتاحة. انا ميال الى ان اقول ان للقاريء حنينا تجاه الصحافة المكتوبة، ولكن ارى انه بمحاذاة ذلك، هو ايضا ميال الى التلفزيون ولا يجوز ان اقول كلاما لا اعتبره منصفا وصادقا. وباختصار اوسع، لا ارى ان الاعلام المكتوب قد تراجع، بل ان المنافسة هي التي اتسعت جدا بين وسائل الاعلام وهذه تعني منافسة لا تراجعا. فاذا دفعنا بارقى سلعة الى السوق، ونزلت بمحاذاتها، وبمنافستها سلعة رديئة، ولكن من النوع نفسه، في هذه الحالة، لا يمكن ان نقول ان الرديئة لن تأخذ مساحة في منافسة السلعة الحسنة، العالية المستوى بل ستأخذ حيزا ما في السوق، حتى ولو كان ضيقا جدا. عبد الهادي محفوظ : ـ الاعلام اللبناني العربي المكتوب هو اعلام حي متحرك، ونجد ان اكثرية الصحف اللبنانية ارسلت مندوبين لها مثلا الى افغانستان وباكستان والولايات المتحدة الامريكية، ونجد ان المسألة الافغانية تحتل الآن حيزا كبيرا في نشاط الاعلام المكتوب. ولكن الحدث بحد ذاته يحتاج الى العين، اذا صح التعبير هنا يصبح الاعلام المرئي اكثر حضورا من الاعلام المكتوب، ذلك ان الحدث هو على امتداد اليوم، نهارا وليلا، وبالتالي يفترض المتابعة والملاحقة لحظة بلحظة، وهذا ما يؤمنه التلفزيون والراديو اكثر بكثير مما تؤمنه الصحيفة اليومية. ومن هنا، في تقديري الشخصي، ان الغلبة كانت للاعلام المرئي والمسموع مع فارق ان الاعلام المكتوب من المكن ان يؤمن نوعا من التغطية التحليلية التي لا تتوفر في العمل السريع الذي يقوم به المرئي والمسموع. وفي الواقع فان التحليل العميق يبقى ملك الصحف اكثر مما هو ملك المرئي والمسموع. وما يميز لبنان على صعيد الاعلام المكتوب ان الحرية فيه كاملة، ويكفي ان تتطلع على مايصدر في الصحف حتى تكشف هذا الأمر، ولا اظن انه الآن، وعلى صعيد الانظمة العربية ثمة رقابة فعلية على التغطيات التي يقوم بها المرئي والمسموع والصحافة المكتوبة، ذلك ان هناك اجماعا عربيا على اعتبار ان ماتقوم به الولايات المتحدة ضد اسامة بن لادن، يقتصر النقد العربي له على مسألتين اساسيتين: ان الحرب الامريكية تلحق اضرارا بالمدنيين، وعلى ان هذه الحرب لم تميز بين الارهاب والمقاومة، وانها، في جانبها الايديولوجي، وقعت في امكنة كثيرة اسيرة لتأثيرات اللوبي اليهودي الذي يرى في هذه المواجهة انها تعبير على صراع ومواجهة بين الحضارة المسيحية ـ اليهودية علما بأن المسيحية براء من هذا الأمر، وبين الحضارة الاسلامية. هنا نجد من انعكاسات هذه النظرة ان الولايات المتحدة خلطت احيانا كثيرة بين ابن لادن مثلا، وبين المملكة العربية السعودية. وخلطت بين السعوديين وبين ابن لادن، وربطت بين وجود من تسميهم «ارهابيين» شاركوا في العمليتين في واشنطن ونيويورك كونهم خليجيين وبين الانظمة الخليجية. وهذا خطأ كبير، في تقديري، تقع فيه الادارة الامريكية. وبالتالي يفترض ان يركز الاعلام العربي على هذا الجانب وعلى كون الولايات المتحدة اصبحت بطريقة او باخرى وكأنها تستهدف العالمين العربي والاسلامي، علما بانه في الاونة الاخيرة نجد ان وزارة الخارجية الامريكية حاولت قدر الامكان التخفيف من وطأة هذا الامر، وبدأت تتوجه لمعرفة طبيعة الافكار السائدة في المنطقة، ولاخذها في الاعتبار، وللتقليل من سلبيات الكلام عن صراع الحضارات. ومما لا شك فيه اننا لمسنا بشكل خاص في صحيفتي «الواشنطن بوست» و «نيويورك تايمز» انتقادات واسعة كانت توجه بشكل خاص الى النظامين المصري والسعودي، وبالتأكيد فان هذه الانتقادات لم تأت صدفة. اذ ان هناك شيئا من التسريب الامريكي الرسمي في المعلومات لهاتين الصحيفتين، ذلك ان الولايات المتحدة تعتبر ان السعودية ومصر هما نظاما الاسناد الاساسي للسياسة الامريكية في المنطقة وبالتالي فان وجود ابن لادن السعودي وايمن الظواهري المصري في تنظيم «القاعدة» و «الجهاد الاسلامي» كان مؤشرا بالنسبة للسياسة الامريكية على كون النظامين المصري والسعودي، بطريقة او باخرى، لم يقوما بالواجب ازاء «الجهاد» او «القاعدة» حتى ان الولايات المتحدة حاولت ان تسرب معلومات بان عملية التمويل لابن لادن تشترك فيها اطراف في السعودية. واذا تطلعنا بامعان وبعمق للسياسة الامريكية نجد انها استهدفت كل الانظمة العربية بطريقة ما او باخرى. وحاولت ان تضع الموقف العربي الرسمي في موقع الدفاع. ليس فقط في السعودية ومصر، بل ايضا بالنسبة لعدد كبير من البلدان العربية وحركات المقاومة خاصة في لبنان وفلسطين هذه المسألة جديرة بالاهتمام فعلا، وهي ناجمة، كما قد تكون عن التيار المتطرف في الادارة الامريكية والذي يحاول تعميم مفهوم الارهاب ليصيب اكثر من عصفور في وقت واحد اذا صح التعبير. اذن هذه الهجمة على السعودية ومصر، وغيرهما من الدول العربية، وجدت التربة مؤاتية عندما لم تكن هناك ردة فعل عربية رسمية منظمة، او ردة فعل اسلامية، بحيث لم يكن هنالك من مواقف للعالمين العربي والاسلامي سوى كلام نظري بالدعوة الى مواجهة مسألة الارهاب تحت مظلة الامم المتحدة. وهذا كلام عام باعتبار ان هذه المنظمة الدولية تقع تحت التأثير الامريكي. ولكن المشاهد الآن ان الولايات المتحدة التي تحتاج الى غطاء عربي واسلامي لحربها على افغانستان، بدأت تظهر عنها توجهات مختلفة عما كتبته «نيويورك تايمز». و «الواشنطن بوست» ازاء السعودية ومصر، علما بان المملكة قد اسقطت الجنسية عن ابن لادن، وان مصر قامت بمواجهة طويلة مع «الجهاد» وهذا مايدفع لان يكون ابن لادن والظواهري في افغانستان. تريد الولايات المتحدة ان تتحرر من مسئوليتها المباشرة، على اساس انها هي التي كانت وراء ظاهرة ابن لادن و ما يسمى «طالبان»، وظاهرة الاصولية الاسلامية التي استخدمتها في اكثر من مكان في السابق ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان، ومن ثم دعمتها في الجمهوريات السوفييتية السابقة ذات الطبيعة الاسلامية. كان من المعروف ان الدور الاساسي بالنسبة لـ «طالبان» كان دورا باكستانيا، وبتغطية من السياسة الامريكية فهذا النموذج التنظيمي الذي اخترعته الولايات المتحدة وباكستان انقلبت على «الاب» فطالبان هو الابن الفعلي للسياسة الامريكية. لذلك تحاول الولايات المتحدة ان تحمل الآخرين الآن مسئولية هذا الوضع. ولا شك على هذا الصعيد ان هناك صحفيين قاموا بجهد شخصي، وحاولوا تغطية هذا الأمر في الصحافة المكتوبة، انما لغاية الآن، هناك خشية من الانظمة العربية في كشف الدور الامريكي وبالتالي حصل الاستفراد بكل نظام على حدة نتيجة قيام هذا الاجماع العربي، وغياب الموقف العربي. ولو كان هنالك موقف عربي واحد، اظن لتغير الكثير من المعادلات، ولما تمادى الاتجاه اليميني في الادارة الامريكية في اعتبار نفسه الحاكم والحكم في آن معا. وفي رأيي باختصار، ان الرأي العام بمفهومه الشعبي، يفضل متابعة كل ذلك من خلال الاعلام المرئي، التلفزيون، ثم درجة ثانية المسموع، الراديو، وفي الدرجة الثالثة يأتي الاعلام المكتوب. اما بالنسبة للنخبة المثقفة فانها تميل بالتأكيد الى الصحافة المكتوبة، لانها تقع على الرأي، والتحليل، والخبر الموضوعي، والخروج باستنتاجات وخلاصات، وهذا ما لا يتوفر في الاعلام المرئي الذي يعتمد على السرعة، وعلى الاستجابة الفورية للحدث. اذن النخبة على مستوى المكتوب، اما على مستوى الشعب فالاولوية للتلفزيون. راجح خوري: ـ الاعلام المكتوب حيال تغطية الحدث الدولي ما بعد 11 سبتمبر الماضي، ومتابعته، لم يقع بما وقع فيه الاعلام المرئي، لان الفارق الاساسي بين الصحيفة والتلفزيون موزع بشكل غير عادل فيه، لجهة المتطلبات التلفزيونية في التغطية، بمعنى، ان اعلامنا المرئي يريد ان يقدم برامج الترفيه والتسلية وغيرها، ثم يعطي نشرة اخبار التي لا تضيف لمعلوماتنا التي تصدر في الجريدة، ويقدم احيانا رسالة من موفد في افغانستان او باكستان او غيرهما. هذا مايتعلق بالتلفزيونات، اما الصحيفة فتعطيك وجبة كاملة، فاذا حاولت ان تقرأ اليوم الحدث الافغاني في اية صحيفة، فانك تحتاج الى ست او سبع ساعات من القراءة، وهذا امر غير متوفر في التلفزيون لانك لا تستطيع ان تضع الناس طوال هذه الساعات امام الشاشة ليسمعوا نشرة اخبار مثلا. هذا الامر كان ملموسا، قبل، ان نتحدث عن 11 سبتمبر. وعن الفضائيات العربية، منذ سنتين او ثلاث سنوات. فحسب احصاءات لـ «الاونيسكو» هناك ارتداد حقيقي على الاعلام المكتوب، على الاقل في الجزء الاساسي في المجتمعات، وهو الذي يصنع القرار السياسي. يعني ان الصحافة المكتوبة مفيدة من حيث الاشباع، والوجبة التي تعطيها كتحليل، او متابعة، او تعليق، اكثر من الفضائيات. فالتلفزيون يبقى وسيلة ترفيه بالنسبة لعدد كبير من الناس في كل انحاء العالم، وليس فقط في عالمنا العربي. مثلا نشرة الاخبار في محطة «سي. ان. ان» اقصر وقتا من نشرة الجزيرة او اية فضائية عربية اخرى. لان التلفزيون في السيكولوجيا الجماهيرية، ليس اداة تثقيف، انما الجريدة في الاساس هي وسيلة تثقيف واخبار، الى بعض الاضافات المنوعة والمسلية لان هناك اجزاء من الاسرة تتابع مثل هذه الامور. ما الحديث عن الحرية والاعلام المكتوب، فهذا يجعلنا نعود الى النظام السياسي، وما تتيحه من هامش الديمقراطية. ففي الموضوع الدولي، فان الصحافة اللبنانية، على سبيل المثال، تمارس حريتها بشكل مطلق ونهائي. ففي الموضوع الافغاني كانت هذه الصحافة متفوقة جدا بالنسبة للصحافة العربية الاخرى. لدينا في لبنان نوع من الثقافة الديمقراطية لدى الاعلاميين ووسائل الاعلام. حتى في الموضوع الداخلي نجد في الصحافة في لبنان من يقول كلاما في اشد الصراحة. اعطي مثالا عن نفسي فانا معلق سياسي في صحيفة «النهار» اكتب فيها تعليقا يوميا لخمس مرات في الاسبوع. منذ 11 سبتمبر حتى الآن لم يبق موضوع الا وكتبته بمطلق الحرية، وحتى انني انتقدت العالم العربي وبشكل قاس. من اجل ذلك، فان الصحافة اللبنانية لعبت دورا اساسيا في هذا الموضوع، وتوسعت، وحللت، ونشرت تعليقات، ونظمت ندوات، واستكتبت خبراء ومحللين، ورأت ان من مصلحة الامتين الاسلامية والعربية ان تقولا: نحن موضوع غير موضوع ابن لادن، وان القول ان هذه الحرب هي اسلامية ـ مسيحية، فان ابن لادن لا يمثل ابدا المسلمين. وانا، في 12 سبتمبر عندما قال الرئيس الامريكي جورج بوش عن «الكروسايد» او الحروب الصليبية ومع ان هذه الكلمة لا تعني ذلك الولايات المتحدة، فانا اعرف، لانه عندما ضرب الامريكيون في يوغسلافيا استخدموا الكلمة نفسها: وهي تعني لديهم حربا قاسية ومتتابعة، فانني، ورغم ذلك، كتبت مقالا لا يمكن وصف شدة قساوته ضد بوش. لانني عرفت سلفا ان هذا الكلام سوف يفسر تفسيرا خاطئا. ففي العالم العربي لايعرف كل الناس ان «الكروسايد» لا تعني عند الامريكيين حربا صليبية. وان كان بوش عاد واوضح الامر، الا انه يفترض برئيس دولة كبرى مثل امريكا ان لايقع في الاخطاء لانه خطأ شنيع. ماهذه البدعة التي طلعوا بها عن ما يسمى «حرب الحضارات» فليسمحوا لنا. هناك امور كثيرة يجب ان يتم توضيحها. ومن قال ان الصراع بين الغرب وبين ابن لادن وطالبان، هو صراع مع الاسلام؟ هل هناك شخص في العالم الاسلامي الذي يضم مليار مسلم يقول ان بن لادن يمثله في هذا الأمر الا اتباعه. اذن هناك تعريفات خاطئة، وكانت الصحافة سباقة وصاحبة صوت قاس ومرتفع في توضيح الامور وتأكيدها وهذا مفيد جدا، لانه بالامكان الاحتفاظ بالجريدة فتعاد قراءتها، او ارشفتها، وما شابه. فقد اجادت الصحافة بشكل جيد جدا في الدول العربية التي فيها حيز من الحرية والتعبير الديمقراطي. ودائما تثار القضية التالية من دون جواب عليها، انا ساطرحها واجيب ومفادها: اذا امتنع الصحفيون العاملون في الصحف عن التعاون مع التلفزيونات فهل يمكن ان يبث الاعلام المرئى، انا ظهرت في 40 مقابلة تلفزيونية منذ 11 سبتمبر حتى الآن مجانا ولوجه الله. فالمقصود ان الفضائيات من دون الناس الذين يشتغلون في الصحافة والوسائل المكتوبة لا تستطيع ان تقلع لان لدى الصحفي في الاعلام المكتوب تجربة اكبر واكثر تبحرا بالمسائل. باختصار، وفي رصد اتجاهات وخيارات الرأي العام باتجاه المرئي، او المسموع، اوالاعلام المكتوب، فان فيه قسمين من ناحية هناك رأي عام لا يصنع قرارا سياسيا، وتركيزه الاساسي مازال على الاعلام المكتوب، وهناك رأي عام آخر يضم شريحة اوسع بمعناها الشعبي، مرتبط اكثر بالتلفزيون، القسم الاول قليل لكنه فعال، والثاني اكثر انما قليل الفعالية، فهو اشبه «بالجاتوه» اي لمجرد التحلية، واعود لاكرر انني لا اقول هذا بالمطلق حتى لا اظلم احدا. حسن صبرا: ـ بالنسبة لمستوى اداء الاعلام المكتوب في التغطية والمتابعة للاحاديث الاخيرة دوليا واقليميا فيجب ان نجري مقارنة بينه وبين الاعلام المرئي، فالناس منصرفون الى هذا الاعلام الثاني، فهو يبث ليلا نهارا، والصور المباشرة تنقل بهذه الطريقة. لقد تأثر الاعلام المكتوب اللبناني بالاحداث العربية والعالمية. بداية كان هناك انفراد في الصفحات الاولى ومانشيتات الصحف لحدث افغانستان، الآن بات ابراز الاحداث المحلية يتم تقاسمه مع هذا الحدث، كذلك بعض المواضيع العربية مثل الذي يحصل في تغطية اخبار وانشطة الانتفاضة الفلسطينية، التي تغطي عليها بعض الاحداث، او لان هذه الاحداث تقف مبررا لاستمرار ذبح الشعب الفلسطيني. ومثلما يدعي الصهاينة انهم يخوضون معركة ضد ابن لادن الفلسطيني اي الرئيس ياسر عرفات، وكما يقول الامريكيون عن معركتهم ضد ابن لادن في افغانستان فانه يمكن ان نتحدث معا عن ان ارييل شارون وجورج بوش هما وجهان لعملة واحدة. واحد يخوض حربا ضد ابن لادن وطالبان باسم محاربة الارهاب، والثاني يخوضها ضد الشعب الفلسطيني، وحتى باسم الارهاب للاسف ايضا. التغطية اللبنانية للحدث مواكبة اياه حتى الآن، انما وفق قدرات وامكانيات الاعلام المكتوب في التأثير. وهي تغطية كانت اكثر اهمية في بداية الامر، باعتار ان استمرار المراوحة في اعمال القصف لا يشكل منعطفا للاعلام، ايا كان، سواء المرئي منه او المكتوب، فالحدث عندما يستمر على حاله يفقد اهميته شيئا فشيئا، وهذا ما جعل اهتمام الناس يتراجع ايضا بقضية افغانستان قياسا على ما سبق، وهذا من طبيعة الامور. حتى الآن لدينا حرية كاملة في التعبير، وكل واحد منا ملتزم بافكاره المؤيدة لهذا الطرف او لذلك. لكن الملاحظ انه في البداية كان هناك تعاطف في الاجماع على ادانة ما حصل في تفجيرات 11 سبتمبر لكن شيئا فشيئا انتهت هذه الاكذوبة، فما قتله شارون في مواجهة انتفاضة الشعب الفلسطيني اكثر من عدد الذين ماتوا في التفجيرات ولا نظن ان احدا في امريكا مهتم بهذه المجزرة ضد الفلسطينيين، يعني يريدون منا ان نهتم بقتلاهم، ويرفضون ادنى اهتمام بقتلانا. وحتى انهم لايريدون ان نهتم نحن انفسنا لاهم، بقتلانا. ومهما يكن فان الناس، باتوا يهتمون اكثر بمتابعة كل ذلك عبر الاعلام المرئي بشكل مباشر، انما هذا لايمنع انه يتم الاحتفاظ دائما بالمكتوب حتى بعد رؤية مضمونه على الشاشة، او الاستماع اليه عبر وسائل الاعلام المسموع فالمكتوب يعتبر وثيقة. ولا تنسى اننا في الاساس امة تقرأ فالقرآن الكريم مكتوب، كذلك سائر الرسالات التي نزلت في منطقتنا او انطلقت منها. الفضائيات الاسرع: يبدو أن العمل داخل الفضائيات مختلف تماما عما هو حاصل في المكتوب فلجوء المتلقي اليها كونها الاسرع في ايصال الوجبة الخبرية، يعني ان كل شيء يجب ان يتم بالايقاع السريع، نفسه، فلا تأجيل لبث خبر. وغالبا لا وقت لاجراء المقارنة، بحيث ان كل مايتعلق بالتطورات في الحدث الساخن يبث اثناء برنامج مختلف بواسطة كتابته في زاوية معينة على الشاشة، كما تقول مقدمة البرامج السياسية التلفزيونية شذا عمر الآتية من كلية الاعلام، ومن تجربة سابقة ابان الحرب اللبنانية في احدى ابرز وسائل الاعلام المسموعة انذاك «صوت الشعب». وتقول شذا ان العمل في الفضائيات اثناء الاحداث الضخمة في العالم يكون اكثر من الاشغال الشاقة. الفضائية تلتهم بسرعة قاتلة وخانقة، اكون اقدم المقابلة السياسية، وافكر في اللحظة نفسها من هو السياسي او المحلل الذي سوف استضيفه في الحلقة التالية. المساحة الزمنية للتفكير لا تسمح بان تكون طويلة. يجب ان تقرر وتنفذ وتتصل وتقدم في لحظة واحدة. وهذا غير حاصل في الاعلام المكتوب، حيث وقت الاعداد والتحضير ارحب واوسع واخصب. وهذا ما تشاركها فيه زميلاتها في تلفزيون «ال. بي. سي» مي شدياق التي تعطي نموذجا على ذلك بقولها: في الاعلام المكتوب قد تطول المقابلة او الندوة فتقسمها الى حلقات، وتنشرها تباعا على طريقة المسلسلات، لكن هذا غير وارد في مرئي الا في حالات تكاد تكون نادرة بالمطلق. ويجمع العاملون في الفضائيات بدورهم على وجود مسلمات تتلاقى عندها الاعلام بشكل عام بانواعها المرئية، والمسموعة، والمكتوبة: هناك اولا الشراكة اللازمة في الموضوعية، لكن هذا لا يعني ان الحياد امر المطلق، حتى ان تأثر الواحد منا لا يقتصر على خطه السياسي فحسب، بل حتى على الخط الذي تنتجهه المؤسسة التي نعمل فيها، وهذا حاصل في الصحيفة ايضا، اذ ان الكل فيها يعمل في نطاق خطوطها السياسية الحمراء وقد يضيف اليها ما ينسجم معها، من دون تقاطع. وفي حال العكس يرجل الكاتب وتبقى المطبوعة. من جهتي اتأثر كثيرا بما اقدمه على الشاشة. عندما اقرأ خبرا عن الحرب في افغانستان يتضمن صورا عن ضحايا المدنيين من نساء او اطفال او كبار في العمر، تتغير نفسيتي حيال ما اقرأه وما اعده، فنحن بشر من لحم ودم سواء عملنا في المرئي او المسموع او المكتوب. ولا تخفي شذا حجم الالم الذي يعتصرني عندما اقدم خبرا او برنامجا يتضمن صورا عن المجازر الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، لولا واجبي المهني لما كنت قدمت الكثير من الوقائع المؤلمة. لكن ذلك كله لا يشكل سببا مباشرا او غير مباشر في تقدم الفضائيات على المكتوب برأي مقدمة البرنامج في «ال. بي. سي» جيزيل خوري، وزميلتها في محطة «ان. بي. ان» في بيروت جمانة النونو. برأيهما كما يجمع الفاضئيون، ان الرأي العام ينشد الى الفضائية لان عينها اقوى من اي قدرة اخرى لديه على الالتقاط فان يقرأ خبرا يحتاج الى قدرة ووقت يختصرهما ببساطة في رؤيته على الشاشة او حتى الاستماع اليه بالراديو. والفضائيات متقدمة بذلك في شتى الاحوال وليس عند التطورات الكبيرة. لكن التكامل يبقى سيد الموقف بين مختلف انواع الاعلام، في مشاهدة برنامج يسلي لا تلغي شراء القاريء لمجلة تسالي وكلمات متقاطعة مثلا. بيروت: شاكر وهبي