حينما تفتح جهاز التلفزيون على اية قناة فضائية: سي ان ان او قناة بي بي سي أو الخامسة الفرنسية أو اليابانية او الكورية او الهندية او غيرها فانت لا شك ستندهش هذه الايام، لأنك ستجد نفسك أمام شعار الجزيرة.. والجزيرة وحدها دون منافس، مهما تعددت لغات القنوات وجماهيرها عبر العالم. فالجزيرة هي المنجم الذي لا ينضب في تغطية الحرب القذرة المسلطة على شعب افغانستان الاعزل الفقير وهي المنجم الموضوعي للخبر وللرأي، يتكلم من شاشاتها اسامة بن لادن كما يتكلم «بوش» وكولن باول.. فالجزيرة باحترافية فائقة لم تمنع الرئيس بوش من شاشتها وهو يتوعد بحرب صليبية وينطق بعبارة RUSADE.. لم تمنعه الجزيرة كما انها لم تمنع من شاشاتها سلفيو بارلسكوني رئيس حكومة ايطاليا وهو يكيل الشتائم لا للارهاب ولكن لحضارة الاسلام برمته ولخمسة عشر قرنا من العطاء الاسلامي في الطب، الفلك، الكيمياء، والجغرافيا الذي استنارت به ايطاليا ذاتها حين كانت صقلية وثلث ايطاليا منارات اسلامية تخرج منها الامام المازري وغيره من العلماء. لم تمنع الجزيرة صورة جندي المارينز الامريكي المتهور عام 1997 وهو يكتب على صاروخه المرسل الى اطفال العراق عبارة: هدية من أمريكا الى العرب.. ولم تمنع.. بل استجوبت الجزيرة ايهود باراك في عز الغطرسة الصهيونية وهو يزور ويشوه التاريخ وينفي وجود شعب فلسطيني له حقوق.. كل ذلك قامت به الجزيرة من منطلق ان الاعلام مرآة تعكس الواقع بمتناقضاته واخطاره واختلافات رؤاه.. واصبحت الجزيرة محط كل التهم بالعمالات والخيانات تارة للنظام العراقي حين يتكلم فيها صدام حسين وتارة لاسرائيل حين يستجوب شيمون بيريز وطورا لايران حين تنقل احتفالات طهران وحينا لامريكا حين تستجوب مادلين اولبرايت او تنقل كارثة سكان نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001 واحيانا لطالبان حين يتكلم فيها سفير افغانستان في اسلام اباد واحيانا لرباني حين تعطي الجزيرة الميكرفون لمن يعتبر نفسه الرئيس الشرعي لافغانسان وتسلط عليه وعلى اتباعه الكاميرا وكاشف الاضواء. وهذه الاتهامات المجانية الجائرة جاءت كذلك من حكومات عربية اصطدمت وفوجئت بهذا النيزك الاعلامي القادم من الفضاء ومن اعماق الرأي العام العربي.. يكشف عيوبها ويعطي حرية التعبير لمعارضيها ويجمع في ظرف اسابيع حول قناة الجزيرة ملايين الناس من جماهير العرب من المشرق الى المغرب والجزيرة العربية والجاليات العربية في امريكا وأوروبا.. تعودوا منذ اربعين عاما على صورة الزعيم القائد الملهم تملأ شاشاتهم بالرغم عنهم صباح مساء حتى كانت شاشات التلفزيونات العربية الرسمية عبارة عن صورة ضخمة بالالوان متحركة للزعيم المنقذ كما قال الزميل البريطاني روبرت فيسك لا ترى الا وجهه ولا تسمع الا صوته في غياب الحريات الاساسية وفي طليعتها ـ بل امامها جميعا ـ حرية التفكير والتعبير. وبدأ الشارع العربي يكتشف قضاياه التي لم تطرح يوما ما على جهاز اعلام ويكتشف وجوه المثقفين المنفيين والملاحقين العرب الذين ضربوا في ارض الفرنجة ربع قرن هروبا من البطش ويكتشف خاصة الحوار الهادئ حول ملفاته الاساسية بالرأي والرأي المخالف. وصمدت الجزيرة كالقلعة الراسخة العتيدة ضد الضربات والتهديدات والتزمت اكثر فأكثر بالقانون والاخلاق وميثاق الشرف ولم تحد عن خطها المعتدل المتوازن ونحن نكبر القيادة السياسية القطرية التي ساندتها بل ان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني اعطى المثل في تقبل النقد بصدر رحب حينما تكلم الزميل عبدالباري عطوان وغيره من ضيوف الجزيرة بما كان من شأنه ان يغضب أمير قطر.. لكن الامير تلقى النقد بابتسامة متسامحة وقلب كبير لأنه رجل ديمقراطي يدخل بدولته ومجتمعها خطوة فخطوة في عالم متعولم بالضرورة ومتقدم بالضرورة وقدره الحرية طال الدهر أم قصر. تلك كانت رسالة الجزيرة.. اما فضلها الاكبر الذي سيذكره التاريخ هو انها اصابت بعدواها الكريمة النافعة سائر الفضائيات فأصبحت المنافسة سيدة الموقف وتبارت همم الاعلاميين العرب على اكتساب جماهيرهم فرفعوا من مستوى برامجهم ولم يعودوا يقبلون بلسان الخشب السائد منذ نصف قرن.. فالعالم اصبح تحت سيطرة الاقمار الصناعية واذا تقاعس الاعلام العربي على اداء رسالته فان المجتمعات العربية معرضة لخطر الاستلاب والهيمنة والتشويه من قبل اعلام صهيوني او يميني صليبي متطرف متعصب ضد الاسلام، وانا اعتقد بأن قناة الجزيرة ليست ظاهرة اعلامية عربية فحسب بل هي ظاهرة حضارية عالمية تاريخية لانها دشنت عهدا جديدا من دخول العرب حركة التاريخ فأصبحوا للمرة الاولى في عصرهم الراهن فاعلين مؤثرين لهم صوت مسموع وفكر غير مقموع كما ان الجزيرة قلبت الموازين الجائرة في الاعلام العالمي الذي ظل يتدفق منذ قرن من الشمال نحو الجنوب وهو ما كان نظر له سين ماك برايد في تقريره الشهير الصادر عن منظمة اليونسكو عام 1972 تحت عنوان: نحو نظام اعلامي عالمي جديد، كرسه لبيان المظلمة الاعلامية والحضارية التي يتعرض لها العالم الثالث ـ ومن بينهم العرب ـ حين يتلقى الجنوب الفقير 95 بالمئة من اخباره وتحاليله وتقاريره من الشمال الغني فيتواصل بتلك العملية جوهر الاستعمار في شكله الامبريالي الاعلامي والثقافي حتى جعل الغرب منا ومن حضارتنا مجرد مسوخ باهتة لقيمه وعاداته ولغاته، ومجرد مقلد لفكره وعقائده واحلامه.. واعلامه. هذا هو عمل الجزيرة الفذ.. وهو عمل لم يخل من بعض الاخطاء والخلل ككل عمل بشري، وقد تشرفت حين دعاني الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني رئيس مجلس ادارة الجزيرة للمشاركة بقسطي في عملية تقييم علمي لبرامج الجزيرة وحضورها فنبهت زملائي العاملين في فريقها الى بعض مواطن الضعف داعيا الى ترشيد التجربة وتجنيبها ما يمكن من الزلل في تناول المحاور الاساسية حتى تكون الجزيرة كما نتمناها جميعا: منارة حضارة تشرف قطر والخليج والعالم العربي والاعلام الدولي الهادف. بقلم: د. أحمد القديدي ـ استاذ الاعلام ـ جامعة قطر