بعد أيام قليلة من كارثة «11» سبتمبر، تردد همساً أن الإدارة الأمريكية غير راضية عن قناة «الجزيرة» الفضائية بسبب ما تعتبره تحريضا من القناة للشارع العربي والإسلامي ضد الولايات المتحدة وحملتها على «الإرهاب». غير أن قلة من الذين وصلتهم هذه الهمسات مالوا إلى تصديق ذلك. فالولايات المتحدة ليست الدولة الأعظم فحسب، بل إنها الدولة التي تتصدر الدفاع عن حرية الرأي وتدفق المعلومة دون عوائق، حتى وقت الأزمات والحروب. وفوق هذاوذاك، فإن واشنطن في نظر الأقلية أكبر من أن تخيفها عبارة أو من أن تعترض على كلمة تقال في وسيلة إعلام. لكن ما إن مضت أيام قليلة، وفيما كان أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يزور الولايات المتحدة في مطلع أكتوبر الماضي، أوصل الأمريكيون إلى الوفد القطري ما يفيد باستياء واشنطن من قناة «الجزيرة»، التي كانت قد حصلت لتوها من حركة طالبان على حق تغطية تطورات الأحداث داخل الأراضي الأفغانية، رافضة طلبات تقدمت بها فضائيات أخرى بما فيها محطة (CNN) الأمريكية للحصول على ذلك الحق. وقد ثار وقتها الكثير من الجدل الذي صب الجزء الأكبر منه في اتجاه انتقاد واشنطن التي أخذت تشكك في حيادية «الجزيرة»، رغم أنها لم تشكك في حيادية الـ (خخ) عندما سمحت لها السلطات العراقية خلال حرب الخليج الثانية بتغطية تطورات الحرب داخل العراق. وضمن هذا المفهوم فقد انبرى العديد من المعلقين لمهاجمة المعيار الأمريكي المزدوج في التعامل مع كل شيء في هذا العالم ابتداء من القضايا السياسية كفلسطين وكشمير وأفغانستان، ومرورا بالمعاهدات النووية والبيئية وانتهاء بحرية الإعلام كما هي الحال مع دور قناة «الجزيرة» في مسألة الإرهاب. وكان السؤال الذي وجه الى السلطات الأمريكية ولم تجد له جوابا هو: «لماذا اتهمتم ابن لادن باستغلال قناة «الجزيرة»، ولم تتهموا صدام حسين باستغلال الـ (CNN) رغم أن بيتر آرنت مراسل المحطة الأمريكية التقاه في مكتبه وسجل له مقابلة دعا فيها العالم إلى مهاجمة المصالح الأمريكية»؟ وبعد ذلك بأيام قليلة، وتحديدا في 7 أكتوبر بثت «الجزيرة» شريطا مسجلا لابن لادن أقسم فيه الا تنعم أمريكا بالأمن إلى أن تنعم به فلسطين، وهو ما أثار حفيظة واشنطن التي انتقدت قطر علناً على لسان وزير الخارجية كولن باول ومسئولة الأمن القومي كونداليسا رايس اللذين طلبا من «الجزيرة» أن تمتنع عن نشر الأشرطة المسجلة لابن لادن وأعضاء «القاعدة» خشية احتوائها على تعليمات مشفرة بشن مزيد من الهجمات على الولايات المتحدة. على أي حال، فإن قصة قناة «الجزيرة» لم تبدأ بعد «11» سبتمبر، وإنما قبل ذلك بكثير، وإن كان ذلك التاريخ يمثل نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة، على مستوى العالم كله، دولا وشعوبا وأفرادا ومؤسسات.. وقنوات فضائية. بدأت قصة القناة منذ اليوم الذي تأسست فيه عام «96» لكنها كانت في ذلك الوقت قصة عادية، كقصة أي قناة تسعى لدخول الفضاء العربي البكر، وقد جاء انهيار قناة «بي.بي.سي» العربية نعمة لقناة «الجزيرة» التي تعاقدت مع مجموعة من طاقمها. ورغم أنه قد طرحت وقتها فكرة تعيين إعلامي بريطاني مديرا للقناة، فقد رفضت السلطات القطرية العليا تلك الفكرة رفضا قاطعا، لأنها أرادت محطة عربية بطاقم عربي وخبرة عربية، فاختير الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني رئيسا لمجلس إدارة القناة ومحمد جاسم العلي مديرا عاما وعضوا منتدبا لدى المجلس. ظلت الجزيرة في عامها الأول تبث على موجة متواضعة عبر «عربسات» وفرت لها مشاهدة محدودة، ثم أخذت في عام «97» تبث على موجة أفضل وزادت ساعات البث من ست ساعات إلى ثماني ثم إلى سبع عشرة ساعة، حتى جاء شهر فبراير عام «98» لتبدأ البث على مدار الساعة. وقد لوحظ أن «الجزيرة» قد اعتمدت طوال المدة استراتيجية لم تحد عنها حتى في أحلك اللحظات، وهي الاستمرار في تكسير الممنوعات التي سادت الفكر الإعلامي العربي على مر العقود. وكان كثير من الناس لا يصدقون ما يسمعون ويشاهدون. فهل صار الممنوع مسموحا والمستحيل ممكنا؟ كانت بالفعل ثورة إعلامية في الشرق الأوسط ليس فقط من خلال تغطية إخبارية محترفة للأحداث الاقليمية والعالمية، وإنما عبر حوارات جريئة ومباشرة في برامج استقطبت شعبية كاسحة مثل «الاتجاه المعاكس» و«أكثر من رأي» و«بلا حدود» و«الشريعة والحياة» و«نقطة ساخنة» و«سري للغاية» وغيرها من البرامج التي تناولت قضايا محرمة مثل «الدين والأصولية والعلمانية والفساد الحكومي». ومما ساهم في انتشار «الجزيرة» أيضا، استضافتها المتواصلة لـ «طرفي النقيض» في القضايا السياسية البارزة التي تهم العالم العربي. فالحكومة والمعارضة موجودتان في برامجها، حيث يبدأ «إطلاق النار» وتبادل الاتهامات بحدة دفعت بعض المشاركين، أحيانا، إلى لملمة أوراقهم والخروج من الاستوديو أمام ملايين المشاهدين. لم يبق شيء ممنوع، تقريبا، إلا وسعت «الجزيرة» إلى تناوله. وكما يقول المثل فإنها لم تترك حجرا إلا وحركته لترى ماذا يوجد تحته، غير أن تلك الاستراتيجية سببت الكثير من المتاعب، خاصة عندما كانت أنظمة عربية تتعرض للنقد الشديد من المشاركين في البرامج، وهو ما أدى في كثير من الأحيان، ليس فقط إلى احتجاجات شديدة اللهجة، ولكن إلى سحب سفراء من الدوحة وإغلاق لمكاتب «الجزيرة» في العواصم الغاضبة. لقد تعرضت حكومة قطر إلى ضغوط من تلك الأنظمة لكبح جماح «الجزيرة»، لكن الرد كان يأتي دائما: «إن القناة ذات إدارة مستقلة، ونحن لا نتدخل في ما تراه إدارتها»، ويقال أيضا للمحتجين إن القناة مستعدة لنشر ردودهم وإفساح المجال لهم لقول ما يشاؤون. وقد لوحظ في الآونة الأخيرة أن الأصوات العربية المحتجة قد تلاشت تقريبا، ربما لأن الأنظمة والجماهير قد تقبلت مع مرور الوقت هذا الجهاز «الكاشف للمستور»، لكن المفاجأة جاءت لاحقا، وتحديدا خلال الأسابيع القليلة الماضية، من الغرب وإسرائيل أيضا.. رغم أن هذه الأخيرة قد اتيح لها وما زال يتاح، أن تعبر عن رأيها من «الجزيرة» على مستوى وزاري أو رئاسي، حتى في ذروة الانتفاضة الفلسطينية، وهو ما أثار انتقاد الكثيرين من رافضي «التطبيع» السابق لأوانه مع إسرائيل التي ما زالت تحتل أراضي عربية. المفاجأة الأمريكية بدأت تتكشف بعد «11» سبتمبر، وتوقع البعض أن تؤدي الانتقادات العلنية لـ «الجزيرة» إلى إجبارها على تغيير سياستها الإعلامية بالتدريج. لكن الذي حدث كان عكس ذلك تماما، فقد أعلنت «الجزيرة» على لسان رئيس مجلس إدارتها أنها ستواصل بث أشرطة ابن لادن المسجلة، وتغطية الحرب في أفغانستان. وفي المقابل، وحتى يصمت المحتجون وتأخذ معادلة الرأي والرأي الآخر شكلها الحقيقي ممارسة وفعلا، فقد أتاحت «الجزيرة» للمسئولين الأمريكيين والغربيين أن يتحدثوا إلى الجمهور العربي لإحداث التوازن المطلوب. وفي هذا الإطار فقد شاهدنا أولا رئيس وزراء بريطانيا توني بلير يتحدث لـ «الجزيرة»، ثم شاهدنا كلا من كولن باول وكونداليسا رايس ودونالد رامسفيلد وقادة عسكريين ومسئولين آخرين يحظون بفترات طويلة من المقابلات والحوارات ليقولوا ما يريدون ردا على ابن لادن والقاعدة وطالبان. أما إسرائيل التي فتحت لها «الجزيرة» نافذة للحديث، رغم الضغط الذي تتعرض له القناة لإغلاق تلك النافذة، فقد بدأت هي الأخرى تتململ من تأثير «الجزيرة» على الجمهور الفلسطيني، لذلك فإنها بصدد منع بث قناة «الجزيرة» عبر «الكيبل» ـ وهو إجراء لن يحرم أصحاب اللاقط «الدش» من مشاهدتها ـ لأن القناة أصبحت حسب ما أعلنه وزير الاتصالات الإسرائيلي، «منبرا للتحريض ضد الدولة العبرية». ولكن ماذا عن الخطط المستقبلية للمحطة، وماذا عن تمويلها؟ للمحطة الآن أكثر من «50» مراسلا في «31» بلدا، ولديها خطط لفتح مكاتب جديدة والتوسع في المكاتب القائمة، رغم أن عدة دول عربية تفضل بقاء «الجزيرة» بعيدة عنها. لكن جرأة «الجزيرة» في التعاطي مع قضية ابن لادن والحرب على أفغانستان، أدت إلى إسكات الكثير من منتقديها الذين كانوا يتهمونها بالتفاهم مع إسرائيل والولايات المتحدة. أما من ناحية التمويل فكانت حكومة قطر قد خصصت «150» مليون دولار ـ ويقال 175 مليونا ـ للسنوات الخمس الأولى من عمر القناة التي انتهت قبل أسابيع، أي بواقع «30» مليون دولار سنويا. ويقول مسئولو «الجزيرة» إن المحطة استطاعت هذا العام أن تدفع جزءا من المصروفات، حيث غطى دخل الإعلانات وبيع البرامج الاخبارية الوثائقية والصور الخاصة وتأجير المعدات 15% من نفقات هذا العام. وعموما يتوقع رئيس مجلس إدارة القناة أن تتمكن الجزيرة من تغطية 40 ـ 60% من مصروفاتها للعام الحالي «2001». ويشار في هذا الصدد إلى أن ضغوطا مورست من بعض الدول لحرمان «الجزيرة» من مصادر دخل إعلانية كبيرة، لكن اتباع سياسة إعلانية جديدة مع استبدال وكلاء الإعلان الذين تتعامل معهم الجزيرة، زاد الدخل بصورة ملحوظة في الآونة الأخيرة. بقلم: مازن حماد ـ مدير تحرير «الوطن» القطرية