في العصر الحديث أصبح للاعلام سطوة غير مسبوقة، وقدرة فائقة على توجيه الحدث، وفي أحيان كثيرة على صناعة هذا الحدث والوصول إليه إلى النهايات المرسومة له، وتجند في سبيل تبعاته جيوشاً ودولاً واقتصاديات. «الملف السياسي» حاور الاستاذ أنور عبدالرحمن رئيس تحرير صحيفة «أخبار الخليج» البحرينية وهنا نص الحوار: ـ كيف تنظرون إلى الدور الذي يلعبه الاعلام في صناعة وتشكيل الحدث الدولي في الوقت الحاضر؟ ـ لا شك ان الاعلام أصبح يلعب دوراً اساسيا غير مسبوق في صناعة وتشكيل الأحداث في العالم كله. حدث هذا بالطبع بسبب التطورات المذهلة في عالم الاعلام والاتصال في السنوات الأخيرة، وخصوصاً على صعيد انتشار المحطات الفضائية وعلى صعيد ثورة الانترنت، بفضل هذه التطورات أصبح بمقدور أجهزة الاعلام ان تصل إلى العالم كله، وان تخاطب قطاعات واسعة جداً لم تكن تصلها الرسائل الاعلامية من قبل. بالطبع، لهذا الانتشار لأجهزة الاعلام جوانب سلبية وجوانب ايجابية من أبرز الجوانب السلبية ان القوى الكبرى وخصوصاً أمريكا بامكانياتها وأجهزتها الاعلامية الاخطبوطية أصبحت تروج سياستها ومواقفها عبر العالم كله، ولكن في المقابل ولأنه لم يعد بمقدور احد ان يحتكر الاعلام ويحجبه عن الآخرين أصبح بمقدور جماعات كثيرة معارضة ان تبث رسائلها الاعلامية وأصبح أيضاً بمقدور حتى الدول الصغيرة ان تخاطب العالم بمواقفها وسياساتها ان هي أحسنت التخطيط ووفرت الامكانيات المناسبة. ـ كيف تعاطى الاعلام العربي المرئي والمقروء والمسموع مع احداث أمريكا؟ وهل شكل هذا الاعلام صدى لبعض وسائل الاعلام الغربي؟ ـ الاعلام العربي سواء المرئي أو المقروء أو المسموع تفاعل بشكل عام مع أحداث أمريكا، كما حدث في العالم كله، سواء من حيث متابعة وتغطية ما يجري، أو من حيث التحليل والتقويم. صحيح ان بعض أجهزة الاعلام العربية وقعت جزئياً في فخ الخطاب الاعلام الامريكي من حيث المصطلحات مثلاً، ولكن بشكل عام نستطيع ان نقول ان اجهزة الاعلام العربية قدمت رؤية مختلفة عن الرؤية الأمريكية، واستطاعت ان تلفت الانظار إلى قضايا جوهرية أراد الاعلام الأمريكي ان يتكتم عليها، مثلاً كشفت أجهزة الاعلام العربية عن ازدواجية المعايير التي تستخدمها أمريكا عندما تتحدث عن قضايا الارهاب والحريات؟ واستطاعت اجهزة الاعلام العربية ان تبرز الأسباب الحقيقية وراء الغضب العالمي ازاء السياسات الأمريكية التي في سياقها يجب النظر إلى الهجمات التي وقعت في أمريكا وهكذا. ـ ثمة حملة منظمة على العرب والمسلمين من قبل بعض أجهزة الاعلام الغربية، كيف تقيمون تعاطي الاعلام العربي مع هذه الحالة؟ ـ الحملة العنصرية التي تشنها ولا تزال اجهزة اعلامية غربية هي حملة لا أخلاقية ولا حضارية ولا تمت إلى أدنى قدر من الانصاف والموضوعية بصلة، لقد كشفت هذه الحملة في الحقيقة نوايا عدوانية كريهة تجاه العرب والمسلمين. كثيرون في الغرب اليوم يشنون هجوماً عنصرياً قبيحاً على الاسلام كدين، وعلى العرب والمسلمين باعتبارهم جميعاً ارهابيين وينكرون أي فضل للحضارة العربية والاسلامية. وسواء على الصعيد السياسي أو الاعلامي العربي يجب التصدي لهذه الحملة وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة جداً. أما كيف تعاملت أجهزة الاعلام العربية مع هذه الحملة العنصرية على العرب والمسلمين فأستطيع ان اقول بشكل عام انها نجحت في التصدي لهذه الحملة. وأشير بصفة خاصة إلى ثلاث قضايا ركزت عليها الكثير من اجهزة الاعلام العربية في التصدي للحملة. أولاً: التركيز على الارهاب الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وتأكيد انه من العبث الحديث عن محاربة الارهاب في العالم دون التصدي للارهاب الاسرائيلي. ثانياً: التحذير من ضرب أي بلد عربي بحجة رعايته للارهاب على النحو الذي تتحدث به أمريكا. ثالثاً: الرد على الهجمات العنصرية على الاسلام والحضارة العربية الاسلامية سواء من أجهزة الاعلام الغربية، أو على لسان بعض الساسة الغربيين كما فعل برلسكوني رئيس وزراء ايطاليا. ـ هل يمتلك الاعلام العربي القدرة على التأثير على الرأي العام الغربي؟ وهل بمقدوره مواجهة أدوات الدعاية الصهيونية؟ ـ يجب ان نعترف بداية ان الاعلام العربي في مجمله موجه بالأساس إلى المواطنين العرب، ولا يصل أساساً إلى الرأي العام الغربي كي يؤثر أو لا يؤثر فيه. ولا يمكن بأي حال مقارنة تأثير الاعلام العربي على الرأي العام الغربي وذلك للنفوذ الطاغي للاعلام الصهيوني والاجهزة الغربية الموالية له. أقصد انه لابد من ان نعترف بالفشل الاعلامي العربي على الساحة الغربية. أسباب هذا الفشل هي سياسية بالأساس وليست إعلامية، فقبل كل شيء لا توجد سياسات اعلامية عربية موحدة أصلا كي تتحرك وفقاً لها أجهزة الاعلام المختلفة. ولا توجد مؤسسات اعلامية قومية عربية موجهة إلى الغرب، مثلا، سمعنا منذ أشهر عن عزم وزراء الاعلام العرب انشاء قناة فضائية عربية موجهة إلى الغرب، وهذه خطوة جيدة لو قدر لها التنفيذ، ولكن حتى اليوم لم نسمع أي خبر يفيد ان هذه القناة يمكن ان ترى النور. قضية أخرى مهمة وهي ان الحكومات العربية لا تبذل أي مجهود تقريبا لمحاولة التأثير على اجهزة الاعلام في الغرب كما تفعل اسرائيل وجماعات الضغط الموالية لها، المهم اليوم ان الأزمة الحالية أظهرت هذا الخلل الفادح في التحرك الاعلامي العربي إلى الخارج والمفروض ان تسعى الجامعة العربية والحكومات العربية إلى معالجة هذا الخلل، والتفكير بشكل مخطط ومدروس وتوفير الامكانيات المادية المطلوبة. ـ إلى أي مدى يعكس الاعلام العربي الواقع الذي تعيشه الدول العربية؟ ـ الاعلام العربي هو في النهاية كأي اعلام في العالم مرآة لأوضاع الدولة أو الدول التي ينطلق منها. بالنسبة إلينا في الدول العربية يجب ان ندرك ان الخلافات والانقسامات العربية الحادة أفضت إلى العجز عن ان يكون لدينا اعلام عربي موحد يتحدث بصوت واحد للعالم. الأمر الثاني ان مستوى الاعلام وكفاءته يتفاوتان من دولة عربية لأخرى ايجابا أو سلباً حسب درجة الحريات المتاحة في المجتمع بصفة عامة والمتاحة بالتالي لأجهزة الاعلام. ولكن، كما قلت، المفروض ان تدرك الدول العربية مع الأزمة الحالية ان الحاجة أصبحت ملحة لإعلام قوي وكفء ومؤثر، ولا يمكن ان يتحقق هذا إلا بتوافر شرطين أساسيين، الأول: الحريات، فليس هناك إعلام كفء ومؤثر بدون حريات. والثاني: الامكانيات، فلا يمكن ان تتوقع دوراً مؤثراً لأي وسيلة إعلامية بدون امكانيات كافية ومناسبة سواء الامكانيات المادية أو البشرية أو التكنولوجية الحديثة. المنامه ـ أجرى الحوار: رضي الموسوي