لعبت وسائل الاعلام العربية والدولية دورا بارزا في نقل وقائع الاحداث العالمية المختلفة خصوصا الاحداث المؤسفة في نيويورك وواشنطن واحداث الحرب في افغانستان. التساؤل المطروح علينا هو كيف كان تعامل الاعلام العربي مع الاحداث الاخيرة؟ وهل كان في المستوى المطلوب؟ وماهي نواحي القوة والضعف فيه؟ لنعترف اولا بانه ليس هناك توجه اعلامي عربي موحد فالقنوات الفضائية العربية تختلف في نقلها للاخبار والاحداث حسب المصادر التي تزودها بالاخبار. كما اختلف الاعلام العربي الرسمي الذي تديره الحكومات عن الاعلام في القطاع الخاص. لقد استطاعت وسائل الاعلام العربية نقل هذه الاحداث للمشاهدين في العالم العربي، بعض القنوات الفضائية نقلت الاحداث من محطة cnn الامريكية وبعضها الآخر اعتمد على المحطات الامريكية وهيئة الاذاعة البريطانية b.b.c لكن محطة فضائية واحدة تميزت عن الآخرين. حيث تميزت محطة «الجزيرة» القطرية بنقل الاخبار مباشرة من افغانستان حيث انها المحطة الفضائية الوحيدة التي لديها مكاتب في افغانستان منذ اكثر من عامين ويعتبر هذا انجازا اعلاميا كبيرا يسجل للاخوة العاملين في المحطة، وجاء النقل الحي للاحداث من داخل افغانستان مفاجأة حتى للاعلام الغربي الذي استعان بتقارير الجزيرة في نقل وقائع مايحدث داخل افغانستان وهذا يذكرنا بالسبق الذي حققته cnn عام 1991، بنقلها الاحداث من داخل بغداد ايام حرب الخليج الثانية. لقد اثار نقل محطة «الجزيرة» للاحداث من افغانستان حوارا وجدلا بين العرب خصوصا عرب الخليج حيث يرى البعض في الكويت بان «محطة الجزيرة» هي محطة عربية خليجية لايجوز لها تحريض المسلمين ضد الولايات المتحدة ودول التحالف خصوصا وانهم حلفاء لنا؟ البعض الآخر يرى بان ما تقدمه الجزيرة هو عم اعلامي طبيعي بل هو سبق اعلامي لا مثيل له خصوصا واننا نحن العرب نشتكي دائما من هيمنة الاعلام الغربي على الفضائيات العالمية وانه آن الاوان لكسر الاحتكار الغربي، عندما تحاول محطة عربية جديدة ناشئة كسر الاحتكار الغربي الجميع يحتج ويعتبر رسالة الجزيرة تحريضا ضد دولة صديقة. من منظور اعلامي بحت بعيدا عن السياسة نرى بان ماقامت به «الجزيرة» هو عين الصواب وبعيدا عن العواطف وجرح شعور الاصدقاء والحلفاء المهم لدينا هو نقل الاخبار من اي مكان في العالم على ان يكون العرض مشوقا وحياديا وموضوعيا في الطرح وبعيدا جدا عن الانحياز لاي طرف فالانحياز دائما يؤدي الى فقدان الموضوعية وعزوف المشاهدين. ولكن هل كان للاعلام العربي صدى لبعض وسائل الاعلام الغربية؟ اتصور بانه كان للاعلام العربي في الاحداث الاخيرة صدى مهم حيث نقلت معظم وسائل الاعلام الغربية مقابلة ابن لادن او تسجيل شريطه الذي بثته محطة «الجزيرة» البعض كان يعلق بشكل ايجابي والبعض يرى بان الجزيرة منحازة لافغانستان .. لكن على كل حال بدأ الاعلام العربي يأخذ دوره لكن تبقى القضية هل الاعلام العربي يملك القدرة والامكانيات في التأثير على الرأي العام الغربي بمستوى يضاهي تأثير الاعلام الغربي في تشكيل الرأي العام وخلق اتجاهات وتحديد مواقف ازاء القضايا العالمية المطروحة؟ مما لاشك فيه ان المسئولين الغربيين خصوصا الامريكان والبريطانيين يعطون اهتماما مميزا لمخاطبة الرأي العام العربي والاسلامي. الاعلام العربي يمكن ان يلعب دورا مميزا في التأثير على الرأي العام الغربي شريطة ان يعرف الاعلاميون العرب كيفية مخاطبة الرأي العام الغربي، وكيفة التأثير عليه، وهذا لن يتحقق اذا لم يكن الاعلام العربي حرا. لكن يبقى السؤال هل الاعلام العربي يؤثر على شبابنا بنفس مستوى الاعلام الغربي ؟ ليس من العدل ولا من الانصاف مقارنة الاعلام الغربي بالاعلام العربي فالاعلام الغربي حر متحرر من هيمنة الحكومات ولا يخضع لرقابتها او تمويلها لانه يدار من قبل شركات خاصة لديها امكانيات بشرية ومادية تفوق ماهو متوفر لدى الاعلام العربي. وسبب نجاح الاعلام الغربي يعود لوجود بيئة ديمقراطية حرة . اعلامنا العربي عاجز لانه موجه من قبل الحكومات للتأثير على شعوبها فلا غرابة ان نجد دولة عربية واحدة الغت وزارة الاعلام ولديهاا محطة «الجزيرة» حيث تعمل بحرية بعيدا عن هيمنة الحكومة، هنالك تحرك في الاردن لالغاء وزارة وهي خطوة رائدة في الطريق الصحيح. المصداقية والحياد شبابنا العربي يفضل مشاهدة الفضائيات الغربية لقوة برامجها من ناحية وتركيزها على التشويق والاثارة والتنوع وقربها اكثر لرغبات الشباب الثقافية فالافلام الترفيهية وافلام الجريمة والعنف والجنس تثير غرائز الشباب اكثر من البرامج العربية الروتينية المملة. هذا بالنسبة للبرامج العادية . ماذا عن البرامج الاخبارية العربية نتصور بان الفضائيات العربية لا يمكن ان تنافس الفضائيات الغربية لانها تفتقر للمصداقية والحيادية فمن الاسباب الرئيسية التي جعلت هيئة الاذاعة البريطانية (BBC) تحظى بالمرتبة الاولى عالميا في مجال الاخبار هو مصداقيتها وحياديتها دائما حتى في القضايا التي تخص بريطانيا حتى ان رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر كانت منزعجة لان المحطة اتخذت موقفا محايدا ولم تنحاز الى الحكومة البريطانية او ضدها في الكثير من القضايا مما ازعج رئيسة الوزراء فحاولت تغيير رئيس مجلس ادارة المحطة لكن محاولتها باءت بالفشل . تصور ان برنامجا قدمته احدى المحطات الفضائية العربية وانتقد مقدم البرنامج رئيس الوزراء او وزير الاعلام .. هل سيبقى مقدم البرامج يوما واحدا في المحطة بعد ذلك؟ لدينا نحن العرب مراسلون ومذيعون في المحطات الفضائية العربية مشكلتهم انهم لا يلتزمون الحياد وينحازون لاهوائهم او اتجاهاتهم السياسية . بدون الاخذ في الاعتبار اهتمامات المستمع او المشاهد للبرنامج المذيعيون ومقدمو البرامج العرب لانهم لا يعيشون في مجتمعات ديمقراطية حرة لذلك لايحترمون رأي الآخر لذلك يحاولون فرض وجهة نظرهم على الآخرين. ويسأل البعض هل استطاع هذا الاعلام توصيل رسالته للطرف الآخر واقناعه بها؟ لنتصور بان موقفنا كان ضعيفا لاننا لم نبلور نحو العرب موقفا واضحا وصريحا من قضية الارهاب الدولي صحيح بعض الدول العربية ادانت الارهاب والعملية الارهابية ضد نيويورك وواشنطن لكن هذه الدول اتخذت موقفا مترددا عندما بدأت الضربة الجوية ضد القاعدة في افغانستان. الملاحظ ان الفضائيات العربية سواء كانت الحكومية ام غير الحكومية وجهت انتقادات قوية لضعف الاعلام العربي خصوصا الرسمي، في نقل الاحداث في فلسطين والعجز عن معالجة تبعات الازمة بين طالبان والولايات المتحدة. كما ذكرنا سابقا محطاتنا الفضائية نقلت الاخبار من مصادرها وجرت لقاءات عدة مع الاطراف المتنازعة لكن ما ينقصها برأينا هو موقفنا نحن العرب من القضايا المطروحة، نلاحظ أن دور المعد او المحاور العربي هو طرح الاسئلة وتلقي الاجابات دون ان يكون للمعدين الا القليل منهم المقدرة على حمل حوار عقلاني علمي حول اشكالية الارهاب المتعددة ويعود سبب ذلك الى ان الدولة التي تنتمي اليها المحطة لم تعلن موقفها واضحا من قضايا الارهاب صحيح ان الجميع ادانوا العمليات الارهابية ضد امريكا لكن الصحيح كذلك انه لايوجد موقف عربي واضح من كيفية التعامل مع الاحداث او المواقف بعد العملية الارهابية في 11 سبتمبر. واخيرا نرى بانه رغم تحسن وضع الفضائيات العربية عموما ونجاح الجزيرة في تحقيق انجاز كبير في نقل الاحداث من افغانستان الا ان الحقيقة تبقى ان اعلامنا العربي ضعيف مقارنة بغيره من الاعلام الغربي فلا يمكن تحقيق قفزة نوعية في مجال الاعلام اذا لم نغير الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المختلف فبدون ديمقراطية وحرية وتعددية فكرية وتنوع في الافكار والاجتهادات لا يمكن ان يظهر المتميزون اعلاميا فالامة العربية امة مهزومة وضعيفة وهزيلة ومتفرقة ولا يمكن لاي شيء فيها ان يتطور ويتحسن بدون اجراء تغيرات ضرورية في كل مجال وتحرير الانسان العربي من عبودية التسلط. بقلم: د. شملان العيسى ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة الكويت