شكلت احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة الامريكية، وتداعياتها بداية تحول واضح وواسع في التغطيات الاعلامية بحكم تطور وسائل الاتصال، وضخامة الحدث وانعكاساته المختلفة على مستوى العالم. وقد اوجد هذا التحول تحديات اضافية لوسائل الاعلام بصفة عامة والعاملين في مهنة المتاعب، ولكنها تحديات اشد وطأة وثقلا على الاعلام والاعلاميين العرب بشكل خاص. فقد تم منذ اللحظة الاولى الباس العرب والمسلمين تهمة التفجيرات وشكل هذا الاتهام ذريعة لحملات هجومية في الاعلام الغربي، وعلى المستوى السياسي ايضا، ضد العرب والمسلمين عامة. كما شكل عائقا آخر في وجه الكثير من وسائل الاعلام العربية بحكم تأثرها بالمواقف الرسمية لبلدانها وما يتطلبه ذلك او يفرضه من حذر تجاه بعض المواقف والاحداث ومن انحياز في بعض الاحيان يؤثر في مصداقية الوسيلة الاعلامية ومدى ارتباطها بالرأي العام، محليا او خارجيا. ولكن كل هذه العقبات لم تمنع الاعلام العربي من تحقيق بعض الاختراقات والانجازات التي اكدت قدرته على العطاء والتفوق، حين تتوفر له الظروف والامكانيات المناسبة، ولو في حدها الادنى. حول تقييم التغطية الاعلامية لهذه الاحداث والتطورات، ودور الاعلام العربي والغربي فيها، التقى «الملف» نخبة من القيادات الاعلامية والاكاديمية واصحاب الرأي في دولة الامارات العربية المتحدة، في محاولة لاستخلاص الدروس وتقييم الواقع الراهن واستشراف آفاق المستقبل الاعلامي، بعد هذا الزلزال الذي مازالت توابعه تتوالى وقد لا تكف عن التداعي في الامد المنظور. وقد دارت اللقاءات حول اربعة محاور اساسية: الاول عن دور الاعلام في صناعة الاحداث وتشكيل الرأي العام العالمي والثاني حول تقييم تعاطي الاعلام العربي مع هذه الاحداث وتطوراتها والثالث كيف يمكن للعرب اختراق الرأي العام الغربي ومواجهة الدعاية المضادة؟ ودار المحور الاخير حول العلاقة بين الاعلام والواقع السياسي والاجتماعي الذي ينطلق منه، وهل بامكان الاعلام تجاوز هذا الواقع ام انه مجرد انعكاس له. وجهان للاعلام محمد القرقاوي، مدير عام سلطة منطقة دبي الحرة للتكنولوجيا والاعلام والتي تضم مدينة دبي للانترنت ومدينة دبي للاعلام، يرى ان العالم دخل حقبة جديدة عقب احداث سبتمبر الماضي، مؤكدا ان الاعلام عبارة عن عملة ذات وجهين يعكس احدهما الاحداث في حين ينقل الآخر رسالة ضمنية للمتلقين. ويضيف القرقاوي ان من يمتلك اعلاما قويا يستطيع ان ينفذ الى ضمير العالم ويروج بفعالية لوجهة نظره وفلسفته الخاصة حول حدث معين او قضية محددة. ومن وجهة نظري الشخصية ـ ان الاعلام العربي ـ مثله مثل الاعلام الغربي ـ قد انشغل بشكل كبير بتلك الاحداث بل كي تكون اجابتي اكثر تحديدا يمكن القول بان تلك الاحداث فرضت ولا تزال تفرض نفسها على الخريطة الاعلامية العالمية وبالطبع على الساحة الاعلامية العربية التي شغلت منها تداعيات الاحداث في افغانستان والمنطقة المحيطة حيزا كبيرا ومساحة عظمى من التغطية. وقد تفاوتت مستويات تغطية الاحداث وبرز اثر الامكانيات المادية في اداء الجهات الاعلامية العربية التي شاركت مجتمعة في تقديم وجبة اعلامية دسمة للمشاهد العربي عبر قنواته الفضائية واصداراته الصحفية حول كل مايجري في العالم من تطورات، فنجد على سبيل المثال محطة عربية فضائية مثل الجزيرة تستحوذ على قدر كبير من الاهتمام العالمي بفضل تغطيتها المتميزة للاحداث في افغانستان. وفيما يخص القدرة العربية على اختراق الرأي العام الغربي ومواجهة ادوات الدعاية الصهيونية في ظل الاوضاع الاقليمية والدولية الراهنة يؤكد مدير عام سلطة منطقة دبي الحرة للتكنولوجيا والاعلام: مما لاشك فيه ان الاعلام العربي يحمل على كتفيه الآن مسئولية ثقيلة اكثر من اي وقت مضى في اتجاه التعبير عن الواقع الملموس في منطقتنا ومكاشفة العالم بحقيقة الافتراءات التي لا تلبث ان توجه الى العالم العربي من كل حدب وصوب وانا ارى ان الجندي الحقيقي في كفاح الدفاع عن الحقوق العربية المشروعة وقضاياها العادلة هو الاعلامي على اختلاف بيئته صحفية كانت او اذاعية او مرئية. لذا فانه يجب على الاعلام العربي تبني استراتيجية عمل جديدة على عدة جبهات. فيجب على الاعلام العربي التوجه الى الغرب بحديث وخطاب اعلامي عقلاني وموضوعي يخلو من النبرة الحماسية ويحمل كافة تفاصيل الواقع العربي مع التركيز على اظهار الجوانب الانسانية والحضارية الاصيلة للمواطن العربي والتي تجعل منه مواطنا عالميا بتاريخه وامجاده وثقافته بما يدحض عنه كافة الاتهامات التي لا اصل لها من الصحة. في الوقت نفسه يجب الا يتركز المجهود الاعلامي العربي على نقطة الرد على الاتهامات الخارجية بل يجب ان يكون التركيز على ابراز الجوانب الايجابية لمجتمعاتنا العربية من خلال ابراز ملامح العرب الحقيقية على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية والانسانية بوجه عام مع الترويج لرموزنا العربية العريقة وتقريب الغرب الى ايدلوجيات الفكر العربي والعمل على تضييق الهوة التي تفصل شعوب الغرب عن شعوب العرب والسبيل الى ذلك هو مخاطبة المتلقي الغربي باسلوب خطابي راق يجبره على الانصات لصوت الامة العربية واشراك الغرب في حوار اعلامي ايجابي للنفاذ من خلاله الى وعي الشعوب الغربية، وعلينا اتباع المنهج العلمي فنعد الدراسات ونضع الاستراتيجيات ونحدد الاولويات ونختار الادوات المناسبة. وهنا لابد من التنويه بتحركات الجامعة العربية في هذا الصدد، والاشادة بتبرع صاحب السمو رئيس الدولة بمليون دولار للصندوق الذي انشأته جامعة الدول العربية للتعامل مع حملات التفرقة العنصرية والدينية ضد العرب والمسلمين. وان نذكر ايضا ان سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الاعلام اطلع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي قبل ايام على تقرير وخطة اعلامية خليجية لمواجهة تشويه صورة العرب والمسلمين. ولابد من الاشارة هنا الى نقطة يغفلها الكثيرون، وهي اننا لكي نكون مقنعين علينا ان نصحح اخطاءنا بدل ان نعمد الى محاولات، فاشلة، لاقناع الآخرين بأننا على صواب .. اما بالنسبة للجوانب الايجابية فيجب ابرازها شريطة ان يكون ذلك بأسلوب علمي مدروس بعيدا عن الارتجال والعشوائية. وضوح الاهداف وعن المحاور ذاتها، يؤكد احمد سعيد القعود، مدير عام اذاعة وتلفزيون دبي، ان الاعلام في عالم اليوم يلعب ادوارا متعددة تتخطى الادوار التقليدية، موضحا انه لا يكفي امتلاك مئات الصحف والمجلات وعشرات محطات الاذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية ومواقع الانترنت، وانما الاهم ان نعرف ماذا تحمل هذه الوسائل، وكيف ومتى واين ولمن نتوجه بها ولابد اولا من تحديد اهداف واضحة ومقبولة يجمع عليها العرب. وعن تقييمه لاداء الاعلام العربي يؤكد احمد القعود انه لايكفي في نظري ان يمتلك الاعلام العربي مئات الصحف والمجلات وعشرات محطات الاذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية. ومواقع الانترنت، فهذه في النهاية هي مجرد وسائل حمل وتوصيل. الاهم من ذلك ان نعرف ماذا نحمل هذه الوسائل وكيف ومتى واين ولمن نتوجه بها فما فائدة اكثر من خمسين قناة فضائية عربية اذا كانت نسبة ماتبثه من مواد برامجية اكثر من خمسين بالمئة؟ وما الفرق في هذه الحالة بين ان يشاهد المشاهد هذا البرنامج من قناة عربية او قناة اجنبية؟ ويضيف: الاعلام العربي بحاجة اولا الى تحديد اهداف واضحة ومعقولة يجمع عليها العرب، والى خطة استراتيجية متكاملة مبنية على فهم كامل للواقع وادراك كامل لامكانيات الاعلام وتحديد وتعريف الجهات المستهدفة به، وبحاجة الى امكانيات مادية هائلة تتناسب مع احتياجات الخطة، وقبل كل ذلك الى هامش عريض وعريض جدا من حرية التعبير والنقد وحرية الحركة وان يعهد بهذا الاعلام للنخب القادرة المثقفة والمتعلمة والمدربة. يجب علينا جميعا كعرب ان نعترف ان الوصول الى اعلام متمكن وفاعل وقادر يفوق قدرة اية دولة عربية بمفردها، وانه يتطلب جهدا جماعيا وامكانيات ضخمة يسهم الجميع في توفيرها. من الظلم ان نقيم قدرة الاعلام العربي بوضعه الحالي في تعاطيه مع الاحداث والتطورات لانك لا تستطيع ان تقيم قدرة وكفاءة جندي في معركة وجد نفسه في وسطها بدون خطة معدة مسبقا ولم يزود بالسلاح المناسب لها ولم يخضع للتدريب اللازم. اعلامنا العربي لم يتحول بعد الى اعلام قومي وهو لا يزال اعلاما رسميا حكوميا محليا حتى مع ظهور ما يسمى بالقنوات الخاصة المملوكة شكلا للقطاع الخاص، بينما هذه القنوات في الواقع محكومة من خلال الدعم الحكومي وقوانين الرقابة والمنع والتوجيه المباشر لذات الكوابح والموانع التي يعاني منها الاعلام الرسمي. باختصار اعلامنا العربي، مع الاسف، لا يزال وفي افضل الاحوال اعلام رجع الصدى ولم يتمكن بعد من التحول الى اعلام الفعل والفعل المقابل رغم كل ما استثمر فيه من المعدات والتجهيزات واستئجار القنوات والاقمار الصناعية. وحول امكانية اختراق الرأى العام الغربي ومواجهة الدعاية الصهيونية يقول مدير عام اذاعة وتلفزيون دبي: على الرغم من صعوبة تحقيق هذا الهدف في ظل ما آلت اليه الاوضاع والظروف التي جاءت في غير صالحنا كعرب نتيجة لعدم تمكننا من لعب دور اعلامي ناجح كما قلت سابقا، الا ان ذلك لايعني ان علينا ان نقف متفرجين، يمكننا بشيء من الارادة اولا والتنظيم ثانيا والعمل الجماعي المدروس والمخطط ان نغير الصورة ولو بشكل تدريجي. مخطئ من يعتقد ان الاعلام يقتصر فقط على استخدام وسائل الاعلام الجماهيرية كالصحافة والاذاعة والتلفزيون بشكل مباشر. فهناك مثلا أنشطة العلاقات العامة والسياحة والأنشطة الاكاديمية والفنية والتي يمكنها ان تلعب دورا هاما، بل ويمكن لهذه الانشطة ان تسخر آلة الاعلام الغربية لخدمتها تلقائيا، ويكفي هنا ان اذكر ان اسرائيل تنفق على انشطة العلاقات العامة في امريكا اضعاف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة، وهي بذلك تخترق عنوة الاعلام الامريكي والغربي الذي يبحث عن الخبر والحدث، اسرائيل مثلا تقوم بصفة منتظمة باستضافة رؤساء تحرير الصحف ورجال الاعلام ونجوم السينما ورجال الدين واساتذة الجامعات وقادة الرأي والفكر وتدعوهم لزيارتها وتتحمل بالكامل مصاريف سفرهم واقامتهم وتحاول كسب تعاطفهم وتأييدهم من خلال اشراكهم في المؤتمرات والمهرجانات، ان صورة العربي في امريكا والغرب بالذات صورة مشوهة ساهمت في تشويهها الصهيونية، هذا صحيح، ولكننا ايضا كعرب ساهمنا في ذلك من خلال عجزنا عن تقديم نموذج الانسان العربي المتفاعل مع العالم بثقافته وحضارته صحيح ان هذا الانسان العربي النموذجي موجود وبكثرة والامة العربية غنية بابنائها الناجحين والمتفوقين في شتى الميادين، ولكن اين هم من الاعلام الغربي؟ لقد نجح اعداء الامة في طمس هذاالنموذج وقدموا في المقابل نموذج الانسان الجاهل الذي لاهم له سوى تعدد الزوجات وانفاق المال على الملذات، او ذلك الانسان العدواني الذي يحب قتل الابرياء وسفك الدماء. اختلاف الرؤى الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية يرى من جانبه ان تأثير الاعلام امر بديهي. وعن دور الاعلام العربي يقول: اننا حين نتحدث عن «دور الاعلام العربي» لانتحدث عن كيان او جهاز متكامل او متجانس، فهناك نماذج لا حصر لها منها ما ينتمي الى عقود سابقة ومنها ما يتبنى ايديولوجيات انقضى زمنها، ومنها ما يخضع لسيطرة الحكومة ويتضمن بيانات رسمية فقط، ومنها ما يخضع لسيطرة جهات او مؤسسات خاصة، اي اننا امام خليط تزيد فيه مظاهر الاختلاف العميقة على ملامح الاتفاق. لن يكون معبرا عن اعتقادنا ان هناك رؤية موحدة له، ولذلك يمكن ان نتحدث عنه على اعتبار انه مجموع اداء وانتاج ذلك المزيج من وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة التي تعمل في الدول العربية حكومية وخاصة، وتلك المحطات التلفزيونية والصحف والاذاعات التي اختارت الغرب مكانا لها لسبب او آخر. وبهذا المعنى فان الاعلام العربي في مجموعه هو اعلام غير منسق ومتواضع المستوى لا يحقق الفاعلية والتأثير حتى على المستوى المحلي. ولا احد يستطيع ان يجادل في ان السنوات الاخيرة قد شهدت تجارب عربية لافتة وناجحة الى حد كبير، ولكن ظهور قناة تلفزيونية جيدة هنا او صحيفة متميزة هناك لا يؤثر في الحكم السابق بضعف الاعلام العربي، فمقابل صحيفة جيدة هناك عشرات ـ وربما مئات ـ من الصحف دون المستوى، ومقابل القناة التلفزيونية المتميزة توجد عدة قنوات لم تصل للمستوى المتوقع، وكذلك الامر في الاذاعات ومواقع شبكة الانترنت، وكثير من وسائل الاعلام في الدول العربية لايزال خاضعا لتراثه الرسمي الذي افقده مصداقيته لدى المواطن العربي، وفضلا عن ان المحاولات المتعددة لتجاوز هذاالتراث ضعيفة فان كثيرا من وسائل الاعلام لم يقم اساسا بهذه المحاولات ولم يحاول تشخيص اسباب قصوره وضعفه. وفي رده على السؤال:كيف يمكن للعرب اختراق الرأي العام الغربي ومواجهة ادوات الدعاية الصهيونية يقول الدكتور جمال السويدي: ربما تكون هذه مهمة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، فهي تحتاج اولا الى ارادة واصرار كاف واتفاق من كل الدول العربية على اولويتها، وتحتاج ثانيا الى رأسمال تساهم به كل الدول العربية، وثالثا الى خطة عمل علمية دقيقة وواضحة وذات مراحل محددة، وتعتمد هذه الخطة على دراسات مكثفة لفهم الرأي العام الغربي وكيفية التأثير فيه. والقدرة على اصدار خطاب موجه الى الغرب تحتاج الى الوعي بمنظومة قيمه ومعتقداته وثوابته التي تختلف عن مثيلتها لدينا في العالم العربي، وهذه نقطة اساسية، فنحن نتعامل مع متلق مختلف عن المتلقي العربي ولا يشاركه الكثير من افكاره ورؤاه، وما يصلح لاستمالة المتلقي العربي واجتذابه لا يصلح بالطبع مع الغربي، لذا فان هناك حاجة ملحة الى اعتماد معايير موضوعية تبرز قيم الديمقراطية والانفتاح والتسامح والتقدم التكنولوجي في الدول العربية والقدرة على تقبل الآخر وثقافته والاختلاف الرشيد معه، لازالة الصورة التي انتشرت في العالم الخارجي عن العربي، والتي تصوره شخصا متعصبا نشأ في مجتمع متخلف ولا يمارس دوره السياسي ويكره الآخرين ويرى الغرب عدوا له، نريد ان يشاهد الغرب جامعاتنا ومعاملنا وعلماءنا وتجاربنا الديمقراطية، وان نفتح ابوابا للحوار بين الحضارة العربية والحضارة الغربية والتركيز على نقاط الالتقاء، وفي الوقت نفسه نقدم مناقشات وحوارات هادئة ذات طابع علمي للاكاذيب الصهيونية، ونفضح الممارسات الاسرائيلية التي لا تكترث للقانون الدولي او الشرعية الدولية وقرارات الامم المتحدة وتمارس انتهاكات حقوق الانسان كل يوم. ووسائل الاعلام التي سوف تؤدي هذه المهمة تحتاج الى اشخاص قادرين على الوصول الى الغرب بلغاته المختلفة، واهمها الانجليزية ويليها الفرنسية والالمانية، وقد مثلت مشكلة اللغة لفترة طويلة عائقا بيننا وبين الوصول الى العقل الغربي الذي يجد في المقابل دعاية صهيونية تتقن استخدام اللغة في توجيه خطابها، وهناك دور اساسي للجاليات العربية في الغرب، والتي يمكن ان تقوم بدور موازن لجماعات الضغط اليهودية، واشدد على ان الاعلام صناعة، تحتاج الى رأس مال ضخم جدا، ولكنني اؤكد ان العوائد سوف تكون اكبر، وان قليلا مما تنفقه الحكومات في امور اقل اهمية يصبح اكثر جدوى اذا تم انفاقه على انشاء قنوات ومحطات تلفزيونية واذاعية وصحف ومواقع الكترونية متميزة موجهة اساس الى الرأي العام الغربي، وكذلك في انشطة اعلامية ضخمة مثل المؤتمرات والندوات والمهرجانات الثقافية واللقاءات الفكرية الموسعة. اختراق عربي ورغم تأكيده لدور الاعلام وتأثيره، يرى عبد الحميد احمد، رئيس تحرير صحيفة «جلف نيوز» الصادرة باللغة الانجليزية ان الاعلام في ظل العولمة بدأ يفقد الكثير من حريته ومصداقيته، مؤكدا في الوقت نفسه ان الاعلام العربي حقق بعض الاختراقات في تعاطيه مع الاحداث الاخيرة وتداعياتها واثبت ان اللغة ليست عائقا حينما يكون هناك تميز في المعلومات والاداء. ويقول عبد الحميد احمد: في ظل العولمة، والمقصود هنا بالعولمة الهيمنة والسيطرة، فان الاعلام اصبح تابعا لمصالح القوى المهيمنة والمسيطرة، وبالتالي فان الاعلام كما ظهر في الاحداث الاخيرة، مهدد بفقدان الكثير من حريته واستقلاله. فاذا كانت محطة تلفزيونية مثل CNN توجد في عقر دار الحريات كما يقال تمنع من عرض صور ابن لادن او الاطفال الافغان المعرضين للجوع والموت بسبب الحرب، وكذلك تمنع من بث بيانات ابن لادن وطالبان، بغض النظر عن الموقف من هذا او تلك، فان ذلك دليل واضح على ان الاعلام في ظل العولمة يفقد الكثير من حريته ومصداقيته. ولكن ذلك لايعني بطبيعة الحال ان الاعلام فقد دوره المؤثر في الرأي العام، وانما يعني ان هذا الدور اصبح مهددا بتحكم المصالح والمواقف السياسية، اكثر من سعيه للحصول على الحقيقة واظهارها. وعن تقييمه لتعاطي الاعلام العربي مع هذه الاحداث وتطوراتها وانعكاساتها يقول رئيس تحرير «جلف نيوز» حققت قناتا الجزيرة وابوظبي تميزا واضحا واستطاعتا جذب اهتمام المشاهدين وتقديم تغطية للاحداث تتسم بالشمولية والجدية ولاول مرة قل اعتماد المشاهد العربي على قناة CNN وغيرها من القنوات الاجنبية التي كانت تستأثر باهتمامه في مثل هذه الاوقات والمناسبات. وباستثناء قناتي الجزيرة وابوظبي فان المحطات التلفزيونية العربية الاخرى بقيت على حالها وعادتها القديمة. اما الصحافة المقروءة فهي لا تتوفر على شبكة مراسلين كافية لتغطية الاحداث من مختلف مواقعها، وبالتالي فان عددا قليلا من الصحف العربية لديها مراسلون في مواقع الاحداث، سواء في الولايات المتحدة او باكستان والهند وغيرها. ومع ذلك فان صحيفة «الشرق الاوسط» على سبيل المثال، قدمت تغطية مهمة، خاصة فيما يتعلق ببعض المواطنين السعوديين الذين ظهرت اسماؤهم في قائمة المشبوهين الامريكية، والذين اتضح لاحقا انهم لا علاقة لهم بالاحداث من قريب او بعيد، كما ان الصحيفة استفادت ايضا من الخدمات الخاصة التي تقدمها بعض المؤسسات الاعلامية الكبرى، مثل نيويورك تايمز ولوس انجلوس تايمز وغيرهما، واستطاعت الخروج من اسر بعض القيود. وعما اذا كان يمكن للعرب اختراق الرأي العام الغربي ومواجهة ادوات الدعاية المعادية في ظل الاوضاع الاقليمية والدولية الراهنة يؤكد عبدالحميد احمد: فعلا حدث اختراق، قناة الجزيرة ـ مثلا ـ استطاعت ان تثبت وجودها وتجتذب اهتمام الغرب، سياسيا واعلاميا. ولكن ما تحقق من اختراق محدود هو استثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها والقاعدة هي ان الاعلام العربي مازال هزيلا وغير قادر على التأثير، لسببين اساسيين: الاول انه ليست لدينا مصادر معلومات، بمعنى اننا لا نخلق الاحداث، وانما نتلقى المعلومات، في الغالب، عن مصادر غربية اجنبية. الثاني انه ليست لدينا الحرية الاعلامية الكافية الموجودة في الغرب، ولا اعني الحرية المطلقة ولكن الحد المعقول من الحرية الذي يسمح بالبحث عن الحقيقة ثم نشرها. ولذلك مازال اعلامنا متأخرا وسيبقى كذلك مالم تتغير الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة به. وعن مدى قدرة الاعلام على تجاوز الواقع السياسي والاجتماعي القائم بدلا من ان يكون مجرد انعكاس له، يقول الكاتب الصحفي والاديب المعروف عبد الحميد احمد. بالطبع، الاعلام انعكاس للواقع، اذا كان الواقع متطورا سياسيا واجتماعيا، يمكن ان نعول على اعلام متطور وليس المقصود التطور التقني وامتلاك وسائله واجهزته، فهذه يمكن شراؤها وهي متوفرة في السوق. ولكن التطور المقصود والمطلوب هو التطور في النظم السياسية والاجتماعية لتحقيق الحرية التي توفر المناخ اللازم لاعلام جاد ومسئول يتمتع بمصداقية لدى المتلقي ولدى العالم اجمع. فكلما كانت الحياة ديمقراطية وحرة، كلما كان الاعلام اكثر تميزا واقدر على الابداع والتأثير. مآخذ اعلامية من جانبه، يرى الاستاذ الجامعي الدكتور انور قرقاش، ان الاعلام العربي غير الرسمي لم يقدم الصورة الحقيقية والموضوعية للوضع في افغانستان، وانه لعب على تهييج المشاعر، خاصة فيما يتعلق بممارسات طالبان تجاه المرأة وتجاه حقوق الانسان بشكل عام ويؤكد في الوقت ذاته ان الاعلام المرئي (القنوات الفضائية) استحوذ على اهتمام الرأي العام، ويضيف: اعتقد ان الاحداث الاخيرة كرست ماكنا ندركه من ان الاعلام له دور رئيسي في صياغة الاحداث، وفي التأثير على الرأي العام، وفي اعتقادي ان الاحداث الحالية والحرب التي شنتها امريكا على الارهاب وعلى افغانستان شاهد آخر على هذه الحقيقة، فعلى سبيل المثال فان الاعلام المرئي (قناة الجزيرة، CNN ، BBC، تلفزيون ابوظبي وغيرها) استحوذ على اهتمام الرأي العام من خلال الاحداث التي تبثها اولا باول، ومن خلال الحوارات والمقابلات التي تجريها مع شخصيات متعددة ومتنوعة، واثرت الى درجة كبيرة في تشكل الرأي العام. وعن تقييمه لدور الاعلام العربي وتعاطيه مع هذه الاحداث، يقول الدكتور قرقاش الاعلام وليد مجتمعه فالاعلام العربي يتأثر بالمجتمع الذي يبرز من خلاله، على سبيل المثال تنوع الاعلام العربي مع قضية افغانستان والحرب عليها فكان هناك اعلام رسمي تعامل مع الاعلام على اساس وجهات نظر رسمية، وهناك اعلام غير رسمي، هذه الصفة نادرة في الوطن العربي، ومن الملاحظ ان الاعلام غير الرسمي استقطب عددا كبيرا من المشاهدين وساهم في نفس الوقت في تهييج الشارع العربي، والشارع العربي اساسا مهيج من السياسة الامريكية المتبعة تجاه الوطن العربي وتجاه قضية فلسطين ودعمها لاسرائيل. والاعلام في افغانستان يعتبر اعلاماً غير رسمي فقد لعب دور من يسكب الزيت على الحريق. وهناك ما يؤخذ على الاعلام العربي من خلال ما يحاول المراسلون نقله للإعلام من صورة تعاطف مع الاحداث في افغانستان فاصبح همهم الاكبر نقل التعاطف وليس نقل الصورة كما ينبغي لها ان تكون، يصبح اعلام تعاطفي، والاعلام التعاطفي في اغلب الاحيان يشوه صورة الاعلام المطلوب من الانحياد والموضوعية. ومأخذي على العديد من وسائل الاعلام العربية في الازمة الراهنة انها لم تشدد على اظهار حقيقة رجعية ممارسات نظام طالبان على المجتمع في افغانستان وانه لا يمثل النموذج الصحيح للدين الاسلامي المتسامح وفي رأيي نظام طالبان من خلال تعامله مع حقوق الانسان، والمجتمع، وبخاصة المرأة يعتبر نظاماً ظلالياً، وكان يجب على الاعلام ان يوضح هذه الناحية للشارع العربي بينما كان العديد من المراسلين يؤكدون ان نظام طالبان ينشر الامن والأمان في كابول ولم يتطرقوا لحقيقة ان هذا النظام اعدم المئات في استاد لكرة القدم اضافة الى تهميش دور المرأة واساءة التعامل معها، بينما معظم وسائل الاعلام تقول ان المرأة نصف المجتمع. وحول رؤيته لامكانية اختراق الرأي العام الغربي من قبل الاعلام العربي، يؤكد الدكتور انور قرقاش على ان الحرية هي اساس هذا الاختراق ويوضح ذلك قائلا: بالحرية يستطيع الاعلام العربي ان يفعل شيئا ويؤثر في الاعلام الغربي ولو بنسب متفاوته ويترتب هذا التأثير على مدى الحرية المتاحة امام الاعلام العربي فقدرة الاعلام العربي في تأثيره على المتلقي العربي قدرة محدودة لان الاعلام العربي تنقصه الحرية وتعتبر محاولة صياغة اعلام عربي مستقل يؤثر خارج العالم العربي محاولة بائسة فعلى سبيل المثال سعت افريقيا لايجاد وكالة اعلام مستقلة للتخلص من هيمنة الوكالات الاعلامية الغربية ولكن هذه الوكالة اصبح همها الوحيد منصبا على عدم التعرض للحساسيات الافريقية بين دولة ودولة. ونرجع لموضوع التأثير على الرأي العام الغربي، لتحقيق عملية التأثير يحتاج الاعلام العربي الى قوة التمويل، والقدرة على التأثير وايجاد مناخ من الحرية للاعلام كي يكون اعلاما مؤثرا، وانا لا اقصد ان احبط الاعلامي العربي من خلال رأيي بل اريد ان يكون هذا حافزا كي يكون اعلامه مؤثرا من خلال وسائل الاعلام العربية. تنوع المصادر الدكتور محمد عبدالله المطوع، اكاديمي آخر مارس العمل التلفزيوني اعدادا وتقديما، ويرى ان ثورة الاتصالات الحالية جاءت لصالح المتلقي حيث مكنته من الاطلاع على وجهات النظر المختلفة من مصادر متعددة، ويؤكد ان الاعلام قادر على تجاوز الواقع اذا قبل التضحية في سبيل ذلك. وحول دور الاعلام في صناعة الاحداث يقول الدكتور المطوع: بالطبع الحرب الحالية هي حرب اعلامية والاعلام لعب دورا كبيرا في تهيئة الرأى العام العربي والغربي لما يجري من احداث وكان للاعلام متابعة جعلت الانسان يعيش الاحداث لحظة بلحظة ومن جانب آخر لم يكن الاعلام محايدا. وعن تعاطي الاعلام العربي مع الاحداث وتطوراتها وانعكاساتها يقول: لقد تفاوت تعاطي الاعلام العربي من دولة لاخرى، وقد اتضح ان هناك تنوعا في مصادر الخبر، وكان ذلك في صالح القاريء، فثورة الاتصالات الحالية من اقمار صناعية وانترنت مكنت الجميع من الاطلاع على وجهات النظر المختلفة في القضايا الحالية، فبدل ان يعتمد الانسان على وجهة نظر واحدة اصبح يعرف جميع وجهات النظر التي مع او ضد ما يحدث على الساحة السياسية من حرب. وبخصوص اختراق الرأي العام الغربي ومواجهة الدعاية المعادية للعرب، يقول الدكتور المطوع: مشكلة العرب تكمن في ان الاعلام لديهم موجه لبعضهم البعض وما زال يدور في دائرة الرقيب ولا توجد خطة لكيفية توصيل قضاياهم للعالم الغربي، والملاحظ انه من خلال ما يقدمه انه يقنع نفسه بأن قضيته عادلة، فكل عربي مقتنع بعدالة قضيته والمطلوب ان يقنع العالم الغربي بهذه العدالة، وذلك عن طريق توجيه وسائل اعلام عربية، بفكر عربي ولغة غربية للعالم الغربي في حين ان الاعلام الغربي يسعى جاهدا لتشويه وتزييف الحقائق وزرعها في الرأي العام الغربي ضد العرب والمسلمين. مسير لا مخير أما الاعلامي الممارس حمد علي الذي تميز ببرامجه الحوارية الجريئة فيقول ان الاعلام العربي والاسلامي المحكوم بالانظمة الرسمية، والمقيد باعتبارات لا خيار له فيها، فهو اعلام مسير لا مخير، تحكمت في قدرته على التعبير تيارات الحكم المحلي حسب انتماءات ومصالح وغايات لا يعلمها سوى المسئولين وبالتالي فان الاعلام العربي والاسلامي اعلام ينقل الرأي الخاص للسلطة الرسمية، ولا علاقة له غالبا بالرأي العام، ينسخ ما توافيه به وكالات الانباء العالمية ويعيد صياغة تلك النسخ، بما يتماشى مع متطلبات حكوماته. وللانصاف وعدم التجني، فانه لا يمكن التعميم، ولكن تلك حال معظم وسائل ذلك الاعلام المقروء والمسموع والمرئي، ورغم القيود الرسمية المفروضة على وسائل الاعلام العربية والاسلامية ورغم قلة الخبرات والخبراء في مجاله اكاديميا، ورغم قلة موارده المالية التي تدعم مؤسساته، الا ان الاعلام العربي استطاع من خلال بعض قنواته، ان يواكب مجريات الحدثين وتداعياتهما بشكل جيد اذا ما قورن حجم الحدثين بحجم امكانيات تغطيتهما اعلاميا، فقد استطاع هذا الاعلام احيانا ان يرتقي الى مستوى تداعيات الاحداث في بعض قنواته الاعلامية، وفشل في أحيان اكثر. ولعل مشكلة معظم وسائل الاعلام العربية في تغطية تداعيات حرب القرن الحادي والعشرين ان صحت التسمية او فلنقل عيب الاعلام العربي في ذلك، انه كان مقلدا للاعلام الغربي في الشكل، ومنقادا لاهدافه واغراضه في بعض الاحيان كما ان اغلب وسائل الاعلام العربي كانت نسخا سيئة ومكررة من بعضها البعض في تغطيتها لتفجيرات امريكا والحرب ضد الافغان، ولم تنتهج اي من وسائل الاعلام العربي، وخاصة المرئي منها، منهجية ذات خصوصية تعكس تميز جهة عن اخرى الا ما ندر في حال ما استثنينا قناة الجزيرة الفضائية من قطر التي تميزت احيانا بتغطيتها الاخبارية المصورة لبداية الحرب ضد افغانستان. وتبقى الحاجة الملحة ماسة جدا لاستراتيجية عمل اعلامي بأسلوب حديث ورؤى اعمق، وربما يتطلب الامر انقلابا ثوريا على النمطية الاعلامية الحالية السائدة في الوطن العربي، تعيد صياغة الخطاب الاعلامي بصوت عالي النبرات واضح الاهداف والمباديء، متمكن من وسائله وادواته، قوي الشخصية، ذي خصوصية تحظى بتقدير الآخر المستهين به. واذا ما توفرت تلك المقومات للاعلام العربي والاسلامي يستطيع عندئذ فقط ان يخترق جدران الرأي العام الغربي، وان يحطم ادوات الدعاية الصهيونية المسيطرة على الاعلام الدولي. اما اذا بقي الاعلام العربي والاسلامي رهن معتقل الواقع السياسي والاجتماعي المفروض عليه قسرا، فلا امل يرتجى فيه، ولن يعدو كونه وسائل ترفيه، تماما كالخمر والميسر، فيهما اثم كبير ومنافع للناس، واثمهما اكبر من نفعهما. تخبط وعدم وضوح الرؤية الكاتب الصحفي محمد حسن الحربي ينظر الى الموضوع من زاوية اخرى، فيقول ان الاعلام العربي يعاني من اشكالية كبيرة، ورغم انها معروفة وواضحة إلا ان حلها يصطدم ببنية المؤسسة السياسية العربية عموما، والاعلام بشكل عام لا يمكن الحديث عنه بمعزل عن المؤسسة السياسية في الاقطار العربية اذ ان العملية الاعلامية مرتبطة بخطط التنمية الشاملة في المجتمع، وكما هو معلوم فإنه لا توجد خطط تنموية شاملة واضحة في الدول العربية لأنه لا توجد سياسات واضحة، لذلك فإن العملية الاعلامية تعاني من تخبط وعدم وضوح في الرؤية وبالتالي تفتقر الى القدرة على التعامل مع القضايا سواء أكانت قضايا داخلية او خارجية، محلية او عربية وحتى عالمية. مشكلة اخرى عانى منه الاعلام العربي تتمثل في شقين: الاول، ان الاعلام العربي يخاطب المواطن العربي، اي يخاطب الداخل، بشكل غير واضح كونه لا يستطيع التعمق في بعض القضايا المهمة والتي على المواطن معرفة تفاصيلها والوقوف على حقيقتها، الشق الثاني، ان هذا الاعلام العربي تم تركيبه وبناؤه على مخاطبة الخارج اكثر من الداخل، بمعنى ان يكتب عن الداخل بمواصفات التصدير الى الخارج، وهذه العملية تجعله يمتهن الماكياج تحت ضغط شعار كبير وجليل في الوقت نفسه، هو: المحافظة على الصورة الوطنية والقومية! وبذلك يكون الاعلام العربي، وبناء على هدي المؤسسة السياسية، قد ضرب عصفورين برمية واحدة مفرحة: قال للخارج: نحن نتقدم،وقال للداخل: نحن بخير، وضلل الجهتين معا! وليس من قبيل المبالغة القول ان احد الاسباب العديدة التي ادت بالقضية الفلسطينية الى وضعها الحالي كان الاعلام العربي، مرة بسبب تبنيه لخطاب اعلامي حماسي وعاطفي يلهب الجماهير كما في مرحلة الخمسينيات والستينيات، تغيب عنه الحقائق والمعلومات والمعالجة العلمية الواقعية، ومرة لانه لم ينجح في قراءة الظروف والمعطيات العالمية ليستشرف ما يمكن ان يكون عليه العالم بعد حين ويضع استراتيجية في ضوء ذلك. لكن يبقى القول ان غياب الحرية الاعلامية، حرية الرأي والتعبير وحق الحصول على المعلومات في العديد من الاقطار العربية، هو العامل الرئيسي وراء الاداء الاعلامي العربي المضطرب ازاء القضايا على اختلافها، ويصعب على المراقب توقع معافاته في المدى المنظور. اما عن مسألة اختراق الرأي العام الغربي فيرى انها مسألة صعبة على الاعلام العربي في وضعه الحالي، كونه غير مؤهل لذلك، لا على مستوى سياسات التحرير القائمة ولا على مستوى المناخ السياسي العربي الداخلي فالمؤسسة السياسية العربية تحتاج الى معاودة نظر في بنيتها خاصة فيما يتعلق بالتعاطي مع مسألتين واضحتين، الاولى التحديث والشفافية وما يقتضيه من برامج عملية والثانية توسيع هامش الحرية الاعلامية والتخلص من عقدة الخوف الوهمية من وسائل الاعلام. الاعلام العربي بإمكانه فضح بعض الدعوات الغربية والصهيونية وتفنيد بعض الحقائق التي اصبحت لدى الغرب بحكم المسلمات، لكن مثل هذه المعارك تبقى عابرة ولا تؤسس ولا تلفت النظر اليها كثيرا من قبل المواطن الغربي. لكن السؤال المشروع هنا هو: هل الدول العربية متفقة على مخاطبة الغرب بخطاب عربي اعلامي موحد؟ وما الذي فعلته الى الآن على الارض؟ في الحقيقة لا شيء ونذكر هنا انه في احد اجتماعات وزراء الاعلام العرب في بداية الانتفاضة الفلسطينية بداية العام الحالي، تقرر تأسيس قناة تلفزيونية تبث باللغة الانجليزية لمخاطبة الرأي العام الغربي، فاعتمدوا لها مليون دولار فقط! في المقابل وفي التوقيت نفسه قرر الكيان الاسرائيلي تأسيس قناة تلفزيونية تبث باللغة العربية واعتمد لها 250 مليون دولار وبدأ العمل فيها على الفور وهي على وشك الانجاز في الفترة القريبة المقبلة! وعلى المدى البعيد من الممكن ان تطلع علينا بعض «الطلعات» الاعلامية صحافة اكانت ام قنوات اتصال جماهيري، كقناة الجزيرة في قطر كمثال، وهذه لا يمكن ان تخضعها لدراسة مجتمعية او سياسية، او ان تضعها في سياقات تطويرية طبيعية لمسار مجتمع وتحولاته الثقافية والاجتماعية. تصحيح الصورة أصعب من تكوينها ويقول علي عبيد مدير مركز التدريب الاعلامي بـ «البيان» انه لا يخفى على احد ان للاعلام دوراً بدأ يتنامي في السنوات الاخيرة او خلال النصف الثاني من القرن العشرين على الاقل ليسهم في صناعة الاحداث وتوجيهها من خلال متابعته لالتزام مؤسسات المجتمع المدني ـ خاصة في المجتمعات الديمقراطية بتنفيذ الادوار التي يحددها الدستور لضمان عدم حدوث تجاوزات لا تتلاءم مع الاهداف التي انشئت لاجلها هذه المؤسسات، وقد رأينا في محتمع كالولايات المتحدة ان الصحافة قد استطاعت ان تسقط رئيساً منتخباً. اما في مجال الرأي العام الداخلي والخارجي فلاشك ان للاعلام دوراً نلمسه من خلال تقبل الشعوب للقرارات السياسية او رفضها واساليب الضغط والتأثير التي تمارسها على دوائر ومراكز صنع القرار متأثرة بما تطلعها عليه وسائل الاعلام من اخبار وما تخفيه عنها منها وما تتدخل في صياغة بثه وطريقة عرضه ليحدث ذلك الاثر الايجابي او السلبي لدى الملتقى وصدور ردود افعاله التي تأتي نتيجة التأثير الذي احدثته تلك الوسيلة عليه. اما عن تعاطي الاعلام العربي مع الاحداث وتطوراتها وانعكاساتها فيتفاوت وفقاً لتبعية الوسيلة والنظام السياسي في البلد الذي تصدر فيه او تبث منه، ولكون اغلب اجهزة الاعلام العربية ذات طابع حكومي او هي محكومة بقوانين نشر تحد من حرية تعاطيها مع الحدث وتفاعلها معه فإن وجهة النظر التي تطرحها هذه الاجهزة غالباً ما تكون منسجمة مع سياسة الدولة التي تصدر فيها. نغمة التشاؤم التي ربما تبدو واضحة في وجهة النظر هذه فإن الاعلام العربي استطاع في الآونة الاخيرة ان يتحرر إلى حد ما من هذه القيود وان يكسر بعض الحواجز التي تحد من انطلاقه ليسجل نقاطاً ايجابية تحسب له وان كان ذلك قد قوبل بوجهات نظر متناقضة صفق بعضها لهذه الخطوات وشجعها بينما لم يتوان بعضها عن اتهام هذه الوسائل بالعمالة والطفولة السياسية. وارى من وجهة نظري ان الاعلام العربي يمر بفترة مخاض وتجربة سيرتكب خلالها بعض الاخطاء ويحقق بعض المكاسب ليخرج من ثوب التبعية الذي طالما ارتداه او خلعته عليه طبيعة الانظمة السياسية العربية التي ستلحقها هي الاخرى حتمية التغيير في النهج من حيث افساح مساحة اكبر لفئات المجتمع كي تعبر عن رأيها وتسهم في اتخاذ القرار في عصر ما بعد الحادي عشر من سبتمبر كما اميل إلى تسميته. اما فيما يتعلق باختراق الرأي العام الغربي ومواجهة ادوات الدعاية الصهيوينة فقد كانت اقل صعوبة قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكن ما حدث اعادنا سنوات كثيرة إلى الوراء في ظل استغلال اعدائنا لما حدث وخلقهم لرأي عام غربي معاد لكل ما هو عربي واسلامي. ولذلك فإن المهمة المطلوبة من اجهزة الاعلام العربية القيام بها مهمة هي لا شك من الصعوبة بمكان. وهي مهمة لن يكتب لها النجاح ما لم تعاضدها جهود سياسية كبيرة، فتصحيح الصورة غالباً ما يكون اصعب من تكوينها من الصفر. وصورة العرب والمسلمين التي لطختها احداث الحادي عشر من سبتمبر واهالت عليها اطناناً من الدم والغبار والطين بحاجة إلى جهود جبارة لاعادة طلائها، ورب ضارة نافعة تدفعنا إلى التعامل مع هذا الموضوع بجدية واعطائه الاهتمام الذي يستحقه وتغيير اساليب الخطاب الذي نتوجه به إلى الغرب.. وهو خطاب مختلف عن ذلك الذي نتوجه به إلى افراد مجتمعنا. ولاشك ان الامر بحاجة إلى استراتيجية شاملة وخطة ذات مراحل ورغبة جادة في الحوار لا الصدام. ولا يفترض ان يكون الاعلام انعكاساً للواقع السياسي والاجتماعي القائم والا لاصبح تكريساً لهذا الواقع الذي يتفق الجميع على عدم القبول به والرضا عنه. وما لم يحاول الاعلام تجاوز هذا الواقع واصلاح الخلل فلن يخرج من الدائرة الضيقة التي يراد له ان يظل داخلها.