كثيرون يقولون ان عصرا جديدا بدأ صبيحة الحادي عشر من سبتمبر الماضي، منبعثا من ركام برجي التجارة في نيويورك وانقاض مبنى البنتاجون في واشنطن، لكن هؤلاء الكثيرين يختلفون في كل شيء حول طبيعة هذا العصر الجديد، طبيعته وتجلياته وتداعياته وبالتالي مستقبله، لكنهم يتفقون حول شيء واحد هو دور الاعلام في هذا العصر الجديد. هذا الاعلام هو الذي جعل المواطن في موزمبيق او سريلانكا او تشيلي او السويد يتابع احداث وتداعيات الهجوم الذي تعرضت له الولايات المتحدة او وقائع الحرب في افغانستان في نفس لحظة وقوعها. وبالتالي تحول هذا المشاهد او القاريء او المستمع الى شريك ما بدرجة او بأخرى في الحدث مؤثرا او متأثرا حسب طبيعة الوسيلة التي يتابع بها الاحداث. قبل الاحداث كان كثيرون يستخدمون مصطلح «سلاح الاعلام» باعتباره مصطلحا مجازيا، لكن الازمة الاخيرة اكدت بوضوح نهاية عصر المجازية والاستعارة وان هذا الاعلام صار بالفعل سلاحا فتاكا يفوق تأثيره ما للصواريخ او المقاتلات من قوة تدميرية هائلة بل ان البعض صار يتساءل بصورة افتراضية .. ماذا لو لم تكن هناك وسائل الاعلام ـ خاصة الفضائيات ـ لتنقل للناس ما حدث صبيحة 11 سبتمبر، هل كنا سنشعر ان هناك حدثا جللا قد وقع، وهل كانت واشنطن بغير الاعلام قادرة على تجييش شعبها خلف استراتيجيتها وحشد التحالف معها الى افغانستان لولا استخدام صور انهيار البرجين المؤثرة في النفوس؟ واذا كانت الاسلحة الطبيعية تختلف طبقا لقوتها التدميرية، فالاعلام كذلك، فالطائرة الشبح او صاروخ توماهوك كروز او القنبلة العنقودية يقابلها في الاعلام تنوع في قوة التأثير. فشبكة C.N.N اوالواشنطن بوست والنيويورك تايمز والجزيرة حديثا، لا يمكن مقارنتها بآلاف الفضائيات والصحف التي تتكاثر كالنمل في غالبية العالم الثالث بلا تأثير يذكر. وبالطبع فاذا كانت للاسلحة التقليدية قوتها ودورها الرئيسي في حسم القتال على ارض المعركة، فان سلاح الاعلام في الازمة الاخيرة هو الذي بدأت الحرب به وانتهت كذلك، فعندما يكرس الرئيس الامريكي واركان ادارته جزءا كبيرا من وقتهم واجتماعاتهم لمنع بث مواد اخبارية لزعماء طالبان والقاعدة، وعندما يقررون الشراء الحصري لكل الصور الواردة من افغانستان، فتلك عملية حربية بامتياز، وعندما يلجأ ابن لادن وقادة طالبان لاستخدام سلاح شرائط الفيديو رغم حظرهم وتحريمهم للتصوير، فان ذلك يؤكد ادراكهم لاهمية الكلمة والصورة. الآن وبعد القوانين الامريكية التي تفرض رقابة مسبقة ومشددة على غالبية وسائل الاعلام والتي تبدأ بالترغيب عبر اقناع الصحف بعدم بث ما يعتبرونه دعاية معادية وتنتهي بمراقبة حتى البريد الالكتروني واجهزة الهاتف، فقد تأكد بما لايدع مجالا للشك ان صورة تلفزيونية او عمودا صحفيا اخطر الاف المرات من حاملة طائرات او احدث ما انتجته الترسانات العسكرية من صواريخ وقنابل. والمفارقة ان كثيرا من القادة والمسئولين تحدثوا عن ان غالبية قراراتهم تتأثر بما يسمعونه من تقارير اخبارية في وسائل الاعلام، وهنا يبدو اننا مقبلون على عصر يتحول فيه الاعلاميون الى صناع القرار الحقيقي خاصة انهم باتوا يتحكمون في توجيه مسار الرأي العام ومسار الحروب وبالتالي المسار الانساني، لذلك ليس غريبا عندما يصبح مراسل تلفزيوني لامع او كاتب مقالات مهم في صحيفة كبرى اكثر اهمية بمراحل من مسئولين كبار يتولون مناصب تنفيذية مؤثرة. لكل هذه الاسباب والتغير في دور واهمية وسائل الاعلام، كانت فكرة هذا الملف الخاص، فنحن بحق نعيش لحظة تاريخية مؤثرة، يلعب فيها الاعلام الدور الابرز. في هذا الملف فتحنا الابواب والنوافذ واسعة امام جميع الاراء ولكل الوان الطيف الاعلامية والسياسية ليقولوا لنا رأيهم وافكارهم حول دور الاعلام. «الملف السياسي» جاب تقريبا كل مناطق المعمورة عبر شبكة مراسليه كي ينقل ويكثف هذه اللحظة التاريخية، ولذلك سيجد القاريء العزيز عبر صفحات هذا الملف الخاص، آراء الجميع واضحة دون حذف او تغيير، سيجد القاريء تغطية شاملة لدور وسائل الاعلام في كل البقاع المؤثرة في العالم من السويد في اقصى الشمال الى السودان في جنوبه، ومن كندا الى افغانستان، ومن اسبانيا في جنوب غرب اوروبا الى الهند في الشرق من العالم مرورا بقلب القارة الاوروبية وغالبية العواصم العربية خاصة المؤثرة منها، وبالطبع من الولايات المتحدة التي تحولت الى المركز الاعلامي الكوني. لا ندعي هنا الكمال لكننا وبصدق بذلنا كل ما نملك كي نقدم رصدا موضوعيا وجادا عبر حوارات وتحقيقات ومقالات لغالبية المختصين في الاعلام العالمي بفضائياته وصحفه، سألناهم كثيرا حول رصدهم للواقع ورؤيتهم للمستقبل، وهل اصبحنا نعيش فقط عصر الفضائيات وان زمن الكلمة المطبوعة قد ولى. وبالطبع فقد كان هدفنا الرئيسي من وراء هذا الملف هو كيفية النهوض بالاعلام العربي لمواجهة سلاح الاعلام الغربي الذي تحول هدفه الرئيسي مؤخرا لتشويه صورة كل ماهو عربي ومسلم. كل مانرجوه من وراء هذا الملف ان يتحول الى نقطة نتمنى ان تكبر شيئا فشيئا لتشكل سيلاً عربيا يجرف امامه كل الافكار والممارسات والسياسات التي ادت لتأخرنا وتخلفنا ليس فقط امام عدونا الرئيسي المتمثل في اسرائيل والصهيونية العالمية وكل من يناصرها، ولكن وتلك هي المعضلة: هزيمتنا امام انفسنا. والله من وراء القصد. الملف
