استعادت الجزائرى ذكرى رحيل فرحات عباس الذي توفي في مثل هذا الشهر من عام 1985 وهو رئيس أول حكومة جزائرية في التاريخ المعاصر بعد مشوار سياسي حافل بالتحديات. ولد فرحات عباس بمدينة الطاهير الساحلية شرق الجزائر عام 1899 ودرس بمسقط رأسه ثم في مدينة قسنطينة ثاني أكبر مدن البلاد حتى نال شهادة البكالوريا. ومع أنه ينحدر من عائلة ميسورة الحال فانه احتك بمعاناة شعبه تحت حكم الاستعمار الفرنسي وكان في طليعة من هبوا لتنظيم الجماهير وتثقيفها لبناء جزائر جديدة عصرية لا تقل عن مستوى القوى التي استعمرتها. وانخرط في العمل السياسي مبكرا فقاد جمعية الطلبة المسلمين لشمال افريقيا التي كانت تضم الطلاب من الجزائر وتونس والمغرب بين 1927 و1931 ونشر خلال هذه المدة مئات من المقالات في الصحافة تنتقد السياسة الاستعمارية في بلدان المغرب العربي عموما والجزائر خصوصا وتدافع عن حقوق السكان الأصليين أمام ظلم المحتلين، وقعها باسم مستعار هو كمال بن سراج وفي عام 1933 تحصل على شهادة دكتوراه في الصيدلة وارتقى الى رتبة مستشار ببلدية سطيف أكبر مدن الهضاب العليا وزادته هذه المهنة تجربة فكتب بيان الشعب الجزائري ودعا الجزائريين الى تبنيه والعمل على تحقيق محتواه ثم أسس حزبا سياسيا باسم جمعية أحباب البيان عام 1943 وحلتها سلطات الاحتلال بعد عامين من تأسيسها بتهمة التحريض على العصيان اثر الأحداث الدامية التي شهدتها مدن البلاد خاصة سطيف بخروج عشرات الآلاف من الجزائريين مطالبين بالاستقلال بعد الانتصار على النازية. وأدخل الدكتور فرحات عباس السجن، ولما خرج أسس حزبا جديدا باسم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري عمل من خلاله على تعبئة الجزائريين وتعزيز وحدتهم ضد الاستعمار. وبعد عامين من اندلاع حرب الاستقلال انضم فرحات عباس الى القيادة العليا فانتخبته رئيسا لأول حكومة في تاريخ الجزائر الحكومة المؤقتة، وبعد الاستقلال شغل فرحات عباس منصب رئيس أول برلمان جزائري منذ سبتمبر 1962 وبظهور خلافات داخل السلطة استقال الرجل من منصبه في 12 أغسطس 1963 ودفع هذا الموقف الرئيس أحمد بن بلا الى وضعه تحت الاقامة الجبرية. الى أن أفرج عنه الرئيس الراحل هواري بومدين بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الى سدة الحكم في 19 يونيو 1965 لكن توجهاته اللبرالية اصطدمت بسياسة الجزائر الاشتراكية فوضع تحت الرقابة مرة أخرى عام 1976 بعدما أصدر مع شخصيات تاريخية أخرى بيانا انتقد فيه نهج البلاد والتضييق على الحريات، وتنبأ بفشل السياسة المتبعة والكارثة للبلاد. وفي عام 1979 أعاد له الرئيس الشاذلي بن جديد حريته الى أن توفي في 24 ديسمبر 1985 بمدينة سطيف مخلفا مؤلفات عديدة أهمها الليل الاستعماري وتشريح حرب و لماذا تقتلونني والاستقلال المسلوب... ويحظي الدكتور فرحات عباس اليوم بمكانة مرموقة في المجتمع الجزائري ليس فقط لكونه أول رئيس لمشروع الدولة الجزائرية لكن لأفكاره النيرة التي أشعلت شموعا في الليل الاستعماري الحالك ومدت جيلا كاملا من السياسيين بسلاح الاقناع والاقتناع والنقد البناء.والتواضع والاستماع الى رأي الغير وان كان مخالفاً. وتحمل عدة مؤسسات هامة في الجزائر اسمه من بينها جامعة سطيف ومطار جيجل، وبمناسبة الذكرى السادسة عشرة لوفاته أصدر الكاتب الصحفي الجزائري كتابا تناول حياة هذا القائد تحت عنوان فرحات عباس رجل الجمهورية تناول أفكاره وكفاحه ونهجه وأسلوبه في الحياة. وصدر الكتاب عن دار المعرفة بالجزائر الجزائر ـ مراد طرابلسي: