تطل علينا ذكرى انهيار الاتحاد السوفييتي في ظل ظروف ومفارقات سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة تعيشها وتشهدها روسيا الوريث الشرعي للاتحاد المنهار الذي احتضن منذ بداية هذا القرن تلك الثورة والنظرية الشيوعية التي توارت مع نهاية هذا القرن، فأصبحت روسيا في ظل غياب فعلي للنظرية الشيوعية وأممية البروليتاريا بعد أن كانت حتى وقت قريب تسمى بالامبراطورية الحمراء. لقد تحطم جبروت الاتحاد السوفييتي بالفعل فأصبحت بديلاً عنه روسيا الفيدرالية التي تعيش حالياً أسوأ حالاتها فتبدو صحتها وعافيتها كدولة قوية على كف عفريت، أما الشيوعيون الذين حاولوا بحزبهم فرض نظريتهم المزيّفة على البشر في دول المنظومة الاشتراكية في أوروبا ووسط شعوب بلدان العالم الثالث «النامية» فهم اليوم قد طُردوا من الكرملين وأصبح وجودهم كقوة سياسية معارضة في البرلمان الروسي وحزب يحاول لملمة أشلائه المجزأة بعدة أحزاب شيوعية صغيرة تختلف تسمياتها. لقد تسنى في سنوات الدراسة الجامعية معايشة الاحتفالات الأخيرة لثورة أكتوبر الاشتراكية وأتذكر حينها تلك الاستعدادات والمهرجانات التي كانت تقام وتجهز للاحتفاء بتلك المناسبة بل لا أخفي سراً لو قلت ان أحداً لم يكن يتصور أنه في يوم ما تلك الأفراح المبالغ فيها سيكتب لها التاريخ نهاية مخزية ومحزنة كنهاية الاتحاد السوفييتي الذي وُلد على أساس ثورة البلاشفة التي كشفت الأيام وبين المؤرخون حقيقتها وسر تفوقها وشراستها وانهيارها. بالفعل لم يكن يتوقع الناس أن تلك الثورة ستطمث وأن هيبة تلك النظرية الشيوعية ستتوارى بصمت والمدهش له حقاً أن الجميع لم يتصور قط ان العم فلاديمير ايلتش لينين سيصبح مادة للتندر وتمثاله محط لعب للأطفال وسخرية للجميع بعد ان كان المُنظّر والعبقري والفذ وغيرها من الألقاب المزيفة، أما الاتحاد السوفييتي السابق فأصبح اليوم يلبس ثوباً جديداً حيث أصبحت جمهورياته تضم اتحاداً جديداً يسمى دول الرابطة المستقلة «الكومنولث» إلا أن تلك الجمهوريات تمتلك حق سيادتها واستقلالها ونهجها وهويتها بعيدة كل البعد عن مركزية القرار أو النظام الشمولي السابق الذي كان يفرضه الكرملين. لقد انهارت الشيوعية بانهيار الاتحاد السوفييتي فتحاول روسيا الفيدرالية الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي اليوم بكل قواها وبكل ما تملك من امكانيات ان تعيد لنفسها المجد والعزة ولشعبها الرفاهية والاستقرار والرخاء، إلا أن طريقها شائك وصعب فلذلك خيارها اللاشيوعي الجديد متعثر وغامض فروسيا تمر بمرحلة انتقالية يصعب التكهن بسلامتها وصحتها لأن النتائج تعطي مؤشرات غير إيجابية ربما لفارق الزمن بين الديمقراطيين الجدد الذين جاؤوا للحكم قبل عشر سنوات وتركة الشيوعيين التي استمرت سبعين عاماً. تمر ذكرى انهيار الاتحاد السوفييتي اليوم في ظل صراع مرير بين الجيل الجديد والأجيال الشيوعية القديمة أو التي تحن للأمجاد السابقة، فلذلك يمكننا التأكيد ان السياسيين الذين تولوا الحكم في روسيا خلال السنوات العشر الأخيرة افتقدوا القدرة على اعداد برنامج يخرج روسيا من أزمتها التي تعاني كثيراً منها ويفتقرون لخطط وإجراءات لتطبيع الوضع في عموم روسيا الفيدرالية. لقد توقفت روسيا منذ فترة عن تنمية القدرات الضرورية في حياة الشعب وأصبح وضع روسيا في عدد من المجالات يدعو الى قرع ناقوس الخطر، فالأزمات تمثل مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، أما الجانب السياسي فهو المحور الأساسي لذلك الصراع خاصة وان هنالك جيلين متعاكسين جيل الشيوعيين القدماء ومؤيديهم والجيل الجديد أو ما يطلق عليهم الجيل الديمقراطي ممن يرفضون تاريخهم الشيوعي القديم ويحرصون على عدم عودته الى الواقع والسلطة. وتختلف وجهة نظر وآراء المحللين والخبراء السياسيين حول واقع روسيا فمنهم من يرى ان الشيوعية قد عفا عليها الدهر وشرب بينما يرى آخرون عكس ذلك ولكن بنظرة واقعية صادقة ترى ان الشيوعية ما زال لها وجود في روسيا وتحتل مكانة طيبة كمعارضة وتأييد لا يستهان به من طبقات الشعب الروسي، إلا أن الواقع السياسي والايديولوجي الروسي بحاجة لتغيير جذري مهم فلذلك أرى ان فكرة الخبير الكسندر بيلاكوف بحاجة روسيا الماسة الى الفكر الاشتراكي الديمقراطي بديلاً عن الفكر الشيوعي، فكرة عادلة لواقع منطقي. فموافقتي لرأي الخبير الروسي تستند أولاً لحقيقة الوضع الذي تعيشه روسيا من جراء مخلفات النظام الشمولي وعدم فعالية الاتجاهات الاصلاحية الجديدة في إحداث تغيير مشرف أو مؤشر مجدٍ للشعب فالصراع يدور بين الأجيال على مختلف الأصعدة إلا أن الكسندر بيلاكوف يرى أن نتائج الانتخابات المحلية التي جرت في روسيا توحي بأن المعارضة اليسارية متماسكة من ناحيتي التنظيم والفكر وانها تنتهج السياسة الصحيحة إلا أنها لم تستطع تحقيق الفوز بالانتخابات الرئاسية وذلك لوجود مشاكل رئيسية لا يمكن الاستهانة بها أبرزها ان الحزب الشيوعي وتحالف القوى الوطنية بشكل عام لم يتمكنا من ايجاد أو صياغة برنامج سياسي اقتصادي متكامل حتى الآن. كما أن ترسانة وقوة الحزب الشيوعي الفكرية اليوم تحتوي على جوانب ومواضيع انسانية مهمة مثل العدالة الاجتماعية وأمور خيالية غير واقعية اثبتت عدم منطقيتها وهي الوحدة البروليتارية العالمية وديكتاتورية البروليتاريا وهي مفاهيم لشعارات شيوعية رنّانة ومن ضمن الأفكار التي يتسلح بها الشيوعيون الإيمان بوحدة الوطن ومحاربة البرجوازية المتعاونة مع الجهات الخارجية ومكافحة النزوع لمحاكاة الغرب وضرورة اعادة وإحياء الاتحاد السوفييتي. إن عدم توافر برنامج سياسي اقتصادي واضح يؤدي الى اضعاف وتمييع البرامج الاقتصادية لتكتل القوى الشعبية الوطنية رغم احتواء هذه البرامج على اعتراف بالملكية الخاصة وضرورة الاصلاح بشكل عام ولكن هناك اختلاف وعدم اجماع على هذه المسائل. فلهذا أصبح المهم حالياً تشكيل ايديولوجيا جديدة تناسب حقبة ما بعد الاشتراكية وتجمع بين الأخلاق الحميدة والمبادرة الفردية. إن المتفحص بدقة للواقع المرير الذي تعيشه روسيا يجد أن الخطر يأتي اليوم من داخلها لأن أوساطاً عريضة من السكان تخلت عن النشاط والإبداع واستكانت للخمول، حيث يرى ان عشرات ملايين الروس لا يجدون اليوم في ظل الازمة الاقتصادية والاجتماعية مجالاً لتوظيف قدراتهم، وأيضاً لم يستطع كثيرون الخروج من عباءة المواطن السوفييتي العادي السابق الذي كان من أهم مميزاته اللااستقلالية كما هو معلوم. ويمكننا ان نجزم بأن روسيا تحتاج في الوقت الحاضر الى السياسة الكفيلة بجعل الفرد عاملاً أساسياً ورئيسياً في تسيير موكب التنمية ويتوجب على الدولة أن تخطو بجدية تامة في هذا الاتجاه. الواقع المرير الذي تعيشه روسيا والتي تبدو للملأ دولة كبرى لكنها مريضة بحاجة الى علاج متكامل ولعل التغيير هو السبيل الوحيد لشفاء روسيا وعودة روحها المفقودة. التساؤلات كثيرة عن ماهية ونوع العلاج الذي تحتاجه روسيا. وثمة مرحلة جديدة بدأتها روسيا برئيس جديد مع بداية الألفية الثالثة، ترى هل يعيد لها عافيتها؟ د. شكيب مثنى أحمد