مع بدء اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية، بدعوة فلسطينية جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل والمتصاعد وتخلف الاجتماع الوزاري العربي، لأسباب لم تعد مجهولة،وجدنا البعض يقوم بالضغط على إلغائها أو تأجيلها، ومحاولة إقناع الأطراف الأخرى بحكمة الموقف الأمريكي وصوابيته من أن أرجاء الاجتماع، يعطي فرصه للجنرال أنتوني زيني، ليواصل جهوده بدون ضغوط، وحتى لا تؤثر هذه الضغوط على مسار مهمته وتحدث ردود افعال معاكسة، وغير متوقعة عند الطرف الآخر. ورغم ما شهدته الأيام القليلة الماضية، من تصعيد نوعي خطير طال مقار الرئيس عرفات وطائراته، بكل ما تحمله هذه المسألة من رمزية بالغة الدلالة، فان مواصلة استهداف بنية السلطة الوطنية الفلسطينية وإرهاقها، وإنهاك قواها، مازالت متواصلة فيما يجري على الجانب الآخر تزايد الضغط على الشعب الفلسطيني، بتشديد أشكال الحصار، وترويعه بما صار يطلق عليه بعمليات التوغل التي لا يسلم منها الشجر والحجر، علاوة على الإنسان وذلك كله لدفع المواطن الفلسطيني الى حافة اليأس والاستسلام وليتحول الى قوة ضغط، داخلية على القيادة الفلسطينية للقبول بما يطلب منها أو يملى عليها. وفيما يتواصل الجهد الأمريكي الذي لم ير من مظاهر العنف المتصاعد، سوى الرد الفلسطيني المشروع على العنف الإسرائيلي وتبني المقولات الإسرائيلية، بوصم حالة الدفاع الفلسطينية عن النفس، بأنها إرهاب، يتعين على السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها العمل على وقفه وإنهائه وتحمل مسئوليته رغم حدود مسئوليتها الضيقة والمتقلصة باستمرار. وفي الوقت الذي تترافق فيه الضغوط الدبلوماسية على القيادة الفلسطينية بموازاة الضغوط العسكرية المطالبة إياها بتحمل مسئولياتها «ومكافحة الإرهاب» تجد القيادة الفلسطينية نفسها في موقع ووضع اصعب من ان يفسر، وأقل قدرة من ان تستجيب لهذه المطالب، فالقصف اليومي لقوى الأمن الفلسطينية وعمليات الاغتيال لكوادرها وعناصرها وهي القوى حسب المطلب الأمريكي الإسرائيلي، التي يتعين عليها مكافحة الإرهاب لم يتوقف، وكذلك حرية حركة هذه الأجهزة والقوى في إطار محدود وفي غمرة انشغالها بالحفاظ على نفسها وتوفير الغطاء لأمنها الذاتي، لا يمكن لها حتى ولو توفير القرار السياسي القيام بأي جهد مما هو مطلوب منها كما وان وضعها في خانة الهدف اليومي للاعتداءات الإسرائيلية، يجعلها وبصورة واقعية وموضوعية في صف وخندق الذين يتعين عليها ان تقوم بملاحقتهم واعتقالهم، هذا إذا لم تأخذ بعين الاعتبار موقف الرأي العام الفلسطيني، الذي لم ير منطقا معقولا، في ظل مناخات العدوان الإسرائيلي ان تفتح معركة داخلية لا لسبب وإنما إرضاء للأمريكيين الذين بسياستهم العوراء. يغضون النظر عن إرهاب الدولة المنظم الذي تقوم به إسرائيل ان الخيارات التي تحاول الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل وضعها أمام القيادة الفلسطينية هي من الضيق والتحديد ما يجعلها في موقف لا تحسد عليه، فإما القبول بالمعادلة الأمريكية الاسرائيلية القائمة على الفرز ما بين معسكر الإرهاب ومعسكر السلام من يتبنى منطقها ويقف معها ومع اسرائيل وجهودها لمقاومة الارهاب هو مع السلام، ومن لا يقبل بمنطقهم ولا ينضم لجهودهم فهو ضد السلام ومع الارهاب، ان هذه المعادلة التي يراد ادخال القيادة الفلسطينية فيها عنوة، فانها علاوة على انها ستدخل الجبهة الداخلية في دوامة العنف الداخلي، والذي سيكون في محصلته اضعاف جميع الاطراف واستنزاف قواهم فانها وهذا هو الاهم سوف تضرب مصداقية القيادة الفلسطينية امام شعبها، وتقلل من هيبتها وممارسة دورها التمثيلي والقيادي، وليس صحيحا على الاطلاق من يحاول تصوير الامر وكأن وحدانية التمثيل للسلطة والقيادة لا تتم الا من خلال هذا الطريق، طريق المعالجة الامنية وفرض الاحكام العرفية، والذي اذا ما اختير فان نتائجه ستكون مدمرة على الجميع. فلا خيار الاستجابة للضغوط الأمريكية الإسرائيلية وشن حرب داخلية يمكن ان يوقف العدوان الإسرائيلي، ويعيد الأمور الى سابق عهدها، ولا مواصلة العمليات والتفجيرات التي تستهدف المدنيين داخل الخط الأخضر وبطريقة عشوائية وفي توقيتات تخدم الطرف الآخر وتعطيه الأسلحة والذرائع ليواصل ضغوطه قادرة على وقف العدوان وفرض الاستسلام على الاحتلال، وحمله على التسليم بحقوق شعبنا والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة. لقد أثارت هكذا عمليات ومنذ انطلاق الانتفاضة جدالا حادا ما زال يتواصل حتى اليوم عن مغزاها وجدواها، وهل تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني وتعزز نضاله وتقربه من تحقيق أهدافه أم العكس. ورغم محاولات البعض تصوير هذه العمليات وكأنها تأتى في سياق سياسة «توازن الرعب» مع الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه المتواصل فإنها وبدون أدنى شك لم تضف سوى وهم جديد لسلسلة من الأوهام التي حاول البعض تبنيها وإسقاطها على الواقع الفلسطيني بعد نجاح نموذج حزب الله في لبنان وكان استعادة الشعارات والمواقف بعيدا عن الظرف الملموس كفيل بصياغة معادلة حقيقية في حين لا الظروف ولا طبيعة الواقع ولا أبعاده ومستوياته متشابهة، ولا حتى موازين القوى على اختلافها في المقارنتين، والتي تزداد ميلا لصالح الاحتلال في فلسطين تنتج إمكانية تحقيق هذا الهدف. وبغياب توازن القوى هذا فان معادلة أخرى أفرزتها حقائق الصراع قد تم اكتشافها وجرب العمل عليها واعطت نتائج ملموسة واثبتت نجاعة عند الكثير من المواقف والمنعطفات. هذه المعادلة التي تقوم على توفير قوة ضغط دولية على اسرائيل انطلاقا من مصالح هذه الاطراف في المنطقة وسعيها لضمان الاستقرار والامن فيها وحمل اسرائيل على الانضباط لما تمليه الترتيبات الاقليمية في اطار استراتيجية دولية جديدة، جرى بلورتها وبصورة عاجلة ما بعد احداث 11 سبتمبر الماضي. ان عدم القدرة على القراءة الحقيقية لعمق التحولات الدولية التي قامت ما بعد تلك الاحداث، وما جرى في افغانستان وانهيار حركة طالبان بأسرع مما كان متوقعا، مازال يدفع بقوى واتجاهات في المجتمع الفلسطيني لممارسة نفس السياسة وعلى ذات القاعدة وكأن شيئا لم يكن. ان مؤشر إلغاء اجتماع وزراء الخارجية العرب عن لقاء الدوحة وغياب الرئيس عرفات عن حضور اجتماع وزراء خارجية الدول الاسلامية يجب ان يقرأ بصورة صحيحة ودقيقة وهو تعبير ليس عن رغبة امريكية مهيمنة ومسيطرة على صناعة القرار السياسي الدولي فحسب، ولكنها تعبير آخر عن ان المجتمع الدولي الذي تقف على رأسه الولايات المتحدة والذي بدأ في بعض الاحيان يظهر بتباينات في موقف بعض اطرافه تجاه القضية الفلسطينية وطرق حلها بما في ذلك قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ان هذا المجتمع الدولي والذي من المفترض ان يكون رصيدا وقوة اسناد ودعم لنا في مواجهة المعادلة المختلة لموازين القوى القائمة على الارض قد تحول وبفعل السياسات المراهقة عنصرا ضاغطا علينا. ان مبادرة شجاعة وجريئة من ذات القوى المعنية تقوم على اعلان وقف العمليات العسكرية التي تطال المدنيين وتطالب المجتمع الدولي بضمان أمن المدنيين الفلسطينيين ووقف عمليات المداهمة والتوغل والاغتيال من شأنها أن تسقط العديد من الذرائع من يد حكومة شارون وتخفف الكثير من الضغوط الممارسة على القيادة الفلسطينية للقبول بالمعادلة الامريكية ـ الاسرائيلية وتفتح الطريق امام معالجة سياسة داخلية للشأن الوطني الفلسطيني تقوم على اساس احترام سيادة القانون ووحدانية تمثيل السلطة والقيادة، واحترام التزاماتها وقراراتها وبنفس الوقت ضمان الحريات العامة والأساسية لانه لا يمكن لمجتمع تغيب فيه الديمقراطية وتضرب مؤسساته المدنية ان يقوى على الصمود والانتصار. إن مبادرة كهذه لا تعني بأي حال من الأحوال الاستجابة للشروط والاملاءات الأمريكية ـ الإسرائيلية، بقدر ما هي تخل عن شكل من أشكال النضال بات ضارا وغير مفيد او ألحق ويلحق الاذى بالشعب وبالوطن العربي وبالمكتسبات الوطنية. ويعرضها للتشريد والضياع، وان التمسك يدخل في باب التمسك بالادوات ويقدمها ويرفعها الى مطاف الهدف، ولم تضع في يوم من الايام أي حركة تحرر وطنية اشكال وأساليب نضالها في تعارض مع اهدافها بل كانت وباستمرار تختارها وتمارسها وفقا للظرف الملموس وبما يخدم اغراضها ويقربها من اهدافها. إن نقاشا علنيا وجريئا ومباشرا، يجب ان يخاض وتشرك به أوسع فئات الجماهير ذات المصلحة الحقيقية بمصير ومستقبل هذا الوطن، يجب ان يفتح حول القضية الاساس الاهداف المباشرة والملموسة للانتفاضة. وما هو البرنامج الذي علينا استفتاؤه ولو كان متآخرا بعد اربعة عشر شهرا. وهل هذه الاشكال النضالية المستخدمة تخدم تحقيق هذه الاهداف ام تدمرها، ان تساؤلات كهذه تطرح في خضم هذا النقاش وغيرها يجب ان تفي، بالتنوع والتعدد الفكري والسياسي الذي عرفته الحركة الوطنية الفلسطينية دونما تسلط او ارهاب فكري وقذف الاخرين بالتهم الجاهزة هروبا من مواجهة الحقيقة او عجزا عن اكتشافها. بقلم: د. احمد مجدلاني