جاءت تصريحات المسئولين في الإدارة الأمريكية مؤخرا وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزير الخارجية الأمريكية كولن باول مؤيدة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وكان آخرها ما قاله الرئيس بوش في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي عشر من نوفمبر عام 2001. فقد ألقى الرئيس بوش خطابا قويا وواضحا ضد الإرهاب، هدد به كل من يقف مع المنظمات الإرهابية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وكل دولة تؤوي أفرادها ومكاتبها، مؤكدا أن مرحلة موقف التعاطف مع الإدارة الأمريكية ضد الإرهاب بالتأييد والتصريحات فقط قد انتهت، والآن بدأت مرحلة الموقف العملي في محاربة الإرهاب بما يعني أن من لا يتحالف مع الإدارة الأمريكية في حربها ضد الإرهاب فهو مع الإرهاب بما يحتويه ذلك من تهديد مبطن للدول التي يقصدها. بعد ذلك أكد في خطابه عن رأيه حول حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أنه بإقامة دولة فلسطينية بجوار دولة إسرائيل، بدون أن يعطي وعودا وتعهدا وموعدا لإقامة هذه الدولة وشكلها وحدودها وطريقة التعامل معها، علاوة على تأكيده على الدعم المطلق لأمن إسرائيل. إن هذه التصريحات تضعنا أمام تساؤل مهم وهو: هل يمكننا الاعتماد على الوعود الأمريكية الغامضة في ظل هذه المرحلة الخطيرة التي يمر بها العالم؟ والتي يحاول بها الرئيس بوش التأثير لكسب الدعم العالمي للإدارة الأمريكية، متبعا أسلوب الترهيب والترغيب للعديد من دول العالم، حيث تقوم الإدارة الأمريكية بشن حربها ضد الإرهاب وهي بحاجة إلى وقفة دول العالم معها لدعمها، ولتغض نظر هذه الدول عما تقوم به من أعمال قتل للمدنيين والأبرياء في أفغانستان بحجة القضاء على الإرهاب، وهل تاريخ السياسة الأمريكية يجعلنا نثق بالتزامها بوعودها التي تقطعها على نفسها أمام الآخرين؟. إن تاريخ السياسة الأمريكية للإدارات الأمريكية المتعاقبة يعطي ردًا على هذه التساؤلات، حيث يؤكد هذا التاريخ أن السياسة الأمريكية تعتمد في كل مراحلها على المصالح الأمريكية فقط، والتزامها بتعهداتها ووعودها يكون فقط مرحليا، وتتخلى الإدارة الأمريكية عن كل ذلك فور انتهائها من إنجاز أهدافها، بل أحيانا تنقض وعودها قبل ذلك إذا وجدت أن هناك متغيرات مهمة لمصالحها تتطلب أن تنفض يدها من أي تعهد قدمته، وهناك أمثلة عديدة في تاريخ أمريكا المعاصر، وهي على سبيل المثال لا الحصر، عند العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ودعمها العسكري لباكستان والمجاهدين الأفغان عند احتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في الثمانينيات ووعودها بحل القضية الفلسطينية قبل حرب الخليج الثانية من أجل إغراء الدول العربية بالدخول في التحالف معها ضد العراق. ويكفي أن نتطرق هنا إلى ما يجري حاليا في أفغانستان، حيث اشترطت باكستان على الإدارة الأمريكية لكي تتحالف معها ضد طالبان، أن لا يسمح لقوات التحالف الشمالي في أفغانستان بالاستيلاء على كابول عاصمة أفغانستان بدلاً من طالبان، لأن هناك عداء كبيرا ومنذ زمن طويل بين تحالف الشمال وباكستان، وتعهدت الإدارة الأمريكية بأن لا تقوم أي حكومة رسمية ومعترف بها في أفغانستان إلا من خلال الاتفاق بين كافة القوى الموجودة على الساحة الأفغانية بما فيها الملك السابق ظاهر شاه، ولكننا وجدنا أن قوات تحالف الشمال وبالدعم الأمريكي قامت باحتلال عدة مدن أفغانية، وأهمها العاصمة كابول بما اعتبرته باكستان أنه يشكل خطرا عليها ومخالفًا لتعهد الإدارة الأمريكية. هكذا ضربت الإدارة الأمريكية بعرض الحائط تعهداتها لباكستان وللقوى الأفغانية الأخرى المعادية لتحالف الشمال، وليس مستبعدا مستقبلا أن تنقلب الإدارة الأمريكية على باكستان بعد أن تحقق هدفها في ايجاد قواعد أرضية داخل المدن الأفغانية، من خلال وجود قوات تحالف الشمال في هذه المدن، ومن الممكن أيضا أن تختلق الإدارة الأمريكية الأسباب ضد باكستان للبدء في ضربها من أجل القضاء على القوة العسكرية الإسلامية لباكستان، وأهمها المفاعل النووي لها والذي تعتبره الإدارة الأمريكية أمرا خطرا جدا يساعد على تعاظم القوة العسكرية لباكستان، وقد يكون ذلك أحد الأهداف الاستراتيجية للإدارة الأمريكية التي حددتها قبل بدء حربها ضد أفغانستان وأنها استغلت باكستان في بداية الحرب لتحقيق أهدافها وتتمكن من إيجاد هذه القواعد الأرضية لها في أفغانستان، لتقوم بعد ذلك بالخطوة الثانية بضرب باكستان. إن هذا يجعلنا أن لا نثق بالوعود الأمريكية الغامضة حول الدولة الفلسطينية، وعلينا أن نعتمد أساسا على أنفسنا ووحدة الصف الفلسطيني والعربي، ولا بد أن تبقى المصالح الأمريكية دائما مرتبطة بالمطالب العربية لتبقى الإدارة الأمريكية تخشى على مصالحها لدينا وهي كثيرة، وعلينا أن نتنبه دائما بأن لا نقع في الفخ الأمريكي. بقلم : المهندس حاتم أبو شعبان