جاء انعقاد المؤتمر الرابع لمنظمة التجارة الدولية في ظل ظروف عالمية خاصة منحته تفرداً وخصوصية عما سبقه من مؤتمرات، وبعد الفشل الكبير الذي أحاط بسابقه في سياتل الأمريكية عام 1999، ومن ثم فإن العالم المتقدم، لاسيما الولايات المتحدة الراعية لأفكار تحرير التجارة ومحضن النظام الرأسمالي، لم تكن لتسمح بفشل جديد بعد عامين، إذ أن هذا الفشل كان سيطيح بمكانة منظمة التجارة الدولية ككيان اقتصادي عالمي مهيمن، وهو الأمر الذي عبر عنه بوضوح مايك مور المدير العام للمنظمة قبيل انعقاد المؤتمر حين قال «إن حصيلة هذا المؤتمر ستكون الفيصل في جدوى نظام التجارة متعدد الأطراف.. وأي فشل نصادفه في الدوحة خليق بأن ينال من جدوى منظمتنا لسنوات عديدة»، فضلا عن أن هذا الفشل كان سيهدد النظام الفكري والاقتصادي للعولمة ككل كنمط عالمي تروج له الولايات المتحدة على الخصوص، لاسيما في ضوء تزايد أعداد مناهضي العولمة ورافضيها المنتظمين داخل عدد ضخم من الجمعيات والتنظيمات في سائر دول العالم المتقدم. وانعقد كذلك في فترة يعيش فيها العالم ما أطلق عليه «حالة ما بعد 11 سبتمبر» وهي مرحلة محملة بالتغيرات، والتساؤلات حول مستقبل القيادة الأمريكية للعالم، لاسيما بعد أن استهدفت الهجمات الإرهابية برجي مركز التجارة العالمي كرمز اقتصادي أساسي للعولمة الاقتصادية من جهة والريادة الأمريكية من جهة أخرى. هذا إلى جانب ملامح هذه الحالة الممثلة في الوضع الاقتصادي القلق الذي يعيشه العالم ومخاوف الركود المسيطرة، والتي جعلت روبرت زوليك ممثل التجارة الأمريكي يعلن أمام مؤتمر الدوحة أنه بلاده ستعاني لأول مرة منذ عام 1982 انخفاضا في تجارة السلع والخدمات. كيف نقرأ تداعيات المتغيرات الدولية الجديدة وحرب القرن على هذا المؤتمر ونتائجه؟ تزامن انعقاد هذا المؤتمر مع الحرب التي يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد «الإرهاب» متمثلة في الضربات العسكرية ضد أفغانستان وحركة طالبان الحاكمة (أو التي كانت حاكمة قبل أيام). والحديث عن المؤتمر ونجاح تحالف الدول المتقدمة فيه بإطلاق جولة جديدة للتجارة ـ تكرس المفاهيم الاقتصادية الأساسية حول تحرير التجارة العالمية وعولمة الاقتصاد ـ قد اقترن بالحديث عن نجاح التحالف الدولي في حربه ضد الإرهاب. واعتبرت المعركتان العسكرية والاقتصادية صنوان في هذا الإطار. كذلك رأى كثير من المحللين الغربيين أن نجاح الدول المتقدمة في احتواء الدول النامية ومطالبها في منظمة التجارة العالمية، هو احتواء لبذور التعصب والإرهاب في هذه الدول! بل إن هذا الربط بين قضية الإرهاب وقضية العولمة الاقتصادية، قد برز حتى في صيحات المناهضين للعولمة الذين اجتمعوا في الدوحة، والذين أعلنوا أن السياسات التجارية التي ترعاها المنظمة توجهها أساسا مصالح الشركات متعددة الجنسيات وأنها تتسم بعدم المساواة وتؤدي للفقر ومن ثم تسهل ظهور الإرهاب. دفع العامل السابق بصفة خاصة، إلى بلورة اهتمام جديد بالدول النامية صاحبة الصوت غير المسموع عادة داخل مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي، مما أقنع الدول المتقدمة بأن إنجاح المؤتمر الوزاري الجديد للمنظمة مرهون بالعمل على احتواء مطالب هذه الدول، وحملها ـ بالإقناع ـ على قبول المقررات الاقتصادية الجديدة التي تبغي الدول الصناعية تأسيسها في شكل قواعد والتزامات اقتصادية جديدة.وارتباطا بالعامل السابق، فإن الدول النامية من جهتها، وبعد أحداث سياتل العام قبل الماضي، صارت تدرك عدة أمور: أولها؛ أهمية الدور الذي تلعبه لتسيير مركب الاقتصاد العالمي (حتى ولو سار بحسب هوى الدول المتقدمة) وهو الدور الذي يؤهلها له كونها تشكل أغلبية ساحقة بين أعضاء منظمة التجارة البالغ عددهم 144عضوا (بعد انضمام الصين وتايوان)، والذي يؤهلها من ثم لممارسة نصيبها من الضغوط والمناورات لكسب بعض الامتيازات والحقوق المشروعة لها. وثانيها أن هذه الدول باتت تدرك بوضوح، وبعد تدارس ماآلت إليه التزامات تحرير التجارة، أنها لم تحقق أي من الوعود التي حملتها أفكار تحرير التجارة كما رُوج لها في الثمانينيات وحتى الآن، وأدركت هذه الدول أنها حررت تجارتها وتخلت عن وسائل توجيه اقتصادها لمصلحة التنمية قبل أن تمتلك بالفعل مزايا تنافسية تمكنها من الصمود في وجه المنافسة الأجنبية، ومن دون أن تحظى في المقابل على التزام من الدول المتقدمة إزاء تنفيذ وعودها المبذولة سلفا لصالح مساعدة ودعم الدول النامية. والوضع كما بينه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر في كلمته الافتتاحية أمام المؤتمر أن ايجابية النظام التجاري متعدد الأطراف جاءت متباينة ولم تشمل العديد من الدول النامية مما انعكس على توزيع الدخل عبر العالم، بحيث انه في حين يستهلك 80% من سكان العالم (في دول العالم الثالث 15%) من موارده، فإن 20% فقط ـ هي الدول المتقدمة ـ يستهلكون 85% من موارده. أجندة المؤتمر في ضوء التاريخ القريب يعتبر مؤتمر الدوحة هو الرابع للمنظمة بعد المؤتمر الأول في سنغافورة عام 1996 ثم مؤتمر جنيف 1998 وسياتل1999 وكانت جولة أورجواي هي الجولة الثامنة والأخيرة (حتى الآن) من جولات تحرير التجارة في إطار اتفاقية الجات (الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة) التي تم التوقيع عليها عام 1947، وقد استمرت هذه الجولة بين عامي 1986 و1993 بمشاركة 12دولة منها 8دول عربية وتمخض عنها تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1995 وفي مؤتمر سنغافورة 1996، صدر إعلان سنغافورة الذي تضمن أربعة موضوعات جديدة سميت فيما بعد بـ «موضوعات سنغافورة»، وألا وهي : ـ علاقة التجارة بالاستثمار ـ علاقة التجارة بسياسة المنافسة ـ الشفافية في المشتريات الحكومية ـ تسهيل التجارة وشهد المؤتمر الوزاري الثاني بجنيف 1998 اتفاق الدول الأعضاء على عدم فرض رسوم جمركية على التحويلات الإليكترونية والاتفاق على قيام المنظمة بوضع خطة عمل في مجال التجارة الإليكترونية تأخذ في الاعتبار الاحتياجات المالية والاقتصادية للدول النامية. أما المؤتمر الوزاري الثالث في سياتل 1999، فقد أثير فيه ملف البيئة وربطها بالتجارة، إلا أن الخلافات الكبيرة التي اجتاحته (لاسيما بين الولايات المتحدة وأوروبا حول الملف الزراعي، وبين المتقدمة والنامية حول معايير العمل) أدت إلى فشله في إصدار بيان ختامي. وجاء المؤتمر الوزاري الرابع حاملا ملفات متعددة تتباين حولها المواقف بحدة وهو ما اعترف به مايك مور المدير العام للمنظمة حين أشار إلى وجود خلافات أساسية بين الأعضاء حول قضايا الزراعة والصحة العامة والبيئة والصناعة والمنافسة والقيود التجارية.إلا أن الخلاف المبدئي الذي شهده المؤتمر كان بين جماعتي الدول المتقدمة من ناحية والنامية من ناحية أخرى بصدد عقد جولة جديدة من المفاوضات التجارية، ففي حين كانت الدول المتقدمة تضغط في سبيل إنفاذ هذا الأمر، رأت الدول النامية أنه لاضرورة لجولة جديدة بل من المهم التوقف لمراجعة حصيلة الجولة السابقة، على اعتبار أن جولة جديدة ستكون محض محاولة من الدول المتقدمة لطرح وإقحام موضوعات غير تجارية تمثل قيودا أكثر على صادرات الدول النامية إلى أسواقها، فيما يعتبر تكريسا لعدم العدالة والإضرار بعملية التنمية في الدول النامية وإرهاق مفاوضيها في ملفات نقاش جديدة ابتعادا عن الملفات الأساسية المفتوحة من قبل وعلى رأسها قضايا مثل الزراعة والخدمات والملكية الفكرية والنفاذ إلى الأسواق وغيرها. لتجاوز هذا الخلاف الأساسي كان من المهم العمل على تقريب وجهات النظر بين الفريقين للتوصل إلى حلول وسط، تنطوي على إرضاء الأطراف كافة بما يسمح باتفاقهم على أرضية مشتركة تقوم على أساسها جولة التجارة الجديدة. (ومن الواضح هنا أن خيار رفض جولة جديدة لتحرير التجارة لم يكن متاحا للدول النامية إزاء اتفاق الدول المتقدمة حوله رغم خلافاتها البينية الحادة في أمور مختلفة). وللوصول إلى هذه الأرضية المشتركة، تعامل المؤتمر الوزاري الرابع مع عدد من القضايا والموضوعات المثيرة للجدل، حملتها أجندته، ألا وهي: (1) التعريفات الصناعية: سعت الدول المتقدمة، كما أسلفنا، لإطلاق جولة جديدة من المفاوضات حول مزيد من خفض التعريفات على منتجات الصناعة التحويلية التي يبلغ متوسطها حاليا 36% تم الاتفاق عليها في جولة أورجواي86 ـ 1993 ولكن الدول النامية كان لها موقف رافض لهذا عبر عنه بوضوح وزير التجارة الهندي «موراسولي ماران» في كلمته الانتقادية اللاذعة أمام المؤتمر. كذلك أشار الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي وزير الاقتصاد والتجارة في كلمته أمام المؤتمر إلى أنه «من حق الدول النامية أن تعرف ما هو وضعها الحقيقي بشأن تنفيذ الاتفاقيات الحالية قبل الخوض في تعهدات والتزامات جديدة». وترفض الدول النامية بشكل عام مزيداً من التخفيض للتعريفة انطلاقا من عدة اعتبارات منها أن كثيراً من الدول، التي تعتمد على عائداتها من حصيلة التعريفة الجمركية، تطالب بدراسة تأثير مزيد من خفض التعريفة على اقتصادياتها. كذلك فإن الدول النامية تطالب بمناقشة مشكلة «تصاعد التعريفة» الذي تستخدمه الدول الغنية لرفع الرسوم الجمركية على صادرات الدول النامية من المواد الخام كلما أقدمت تلك الدول ـ أي النامية ـ على معالجة هذه المواد قبل تصديرها. وكذلك مشكلة فرض جمارك مرتفعة على منتجات رخيصة من دول نامية مثل المنسوجات والملابس. وتذكر المصادر أن جملة صادرات الدول الأقل نموا للسوق الأمريكية بلغ عام 2000 نحو 8.9 مليارات دولار أو 0.07% من جملة الواردات السلعية الأمريكية، وأن إلغاء الجمارك عليها تبلغ تكلفته 673 مليون دولار فقط، ورغم هذا فإن ذلك لم يتحقق بل تعرضت صادرات الدول النامية لقيود حمائية متعددة تعريفية وغير تعريفية. (2) الزراعة : كان الملف الزراعي محل جدل ساخن بين عدة أطراف متقدمة ونامية، ويبدو الطرف الأوروبي، اللاعب الأبرز في هذا الملف، حيث اتخذ الاتحاد موقفا قويا ضد رفع الدعم الذي يمنحه لقطاع الزراعة، وهو موقف ترفضه الولايات المتحدة وحلفاؤها في مجموعة «كيرنس» التي تضم 18 دولة على رأسها استراليا وكندا والأرجنتين والبرازيل وعدد من دول آسيا مثل تايلاند. في حين أيدت 40 دولة الموقف الأوروبي ومنها اليابان وسويسرا وكوريا الجنوبية وجزر موريشيوس وتركيا وساحل العاج وتونس والسنغال. وقد تصاعدت الخلافات بين الاتحاد والفريق المناهض لدعم الزراعة، لاسيما في ضوء رفض الاتحاد استخدام مفهوم phasing out لوصف التعامل المطلوب مع الدعم الزراعي، باعتباره يعني «إزالة» الدعم، في مقابل إصرار الأطراف الأخرى أن المفهوم يعني تحديدا «الإلغاء التدريجي» وليس الإزالة، ولكن الاتحاد الأوربي شدد على ضرورة استبدال الكلمة واستخدام كلمة تخفيض reduction of بدلا منها الأمر الذي اعتبرته أطرافا أخرى، منها الطرف الكندي، تلاعبا بالألفاظ. وقد برز هنا الموقف الفرنسي الذي يحركه ضغط المزارعين في ظرف سياسي حرج هو اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الفرنسية، والموقف الفرنسي بدوره كان يمارس نشاطا شديدا لتحريك الاتحاد الأوربي كله نحو رفض رفع الدعم عن الصادرات الزراعية. وكان الاتحاد الأوروبي يحتج بأن مسودة البيان الختامي للمؤتمر تقتصر على نقد الدعم الأوروبي للصادرات فيما لاتتناول الأشكال المختلفة للدعم المقنع الذي تمارسه الولايات المتحدة لصادراتها. مطالب نامية وفي الواقع، فإن دولاً نامية كثيرة تطالب برفع الدعم الأوروبي للزراعة، أسوة بتنفيذ الدول النامية لالتزامها بفتح أسواقها على الجانب الآخر، ومع ذلك استمرت الإجراءات الحمائية من جانب الدول المتقدمة لمنتجاتها وصادراتها الزراعية، وتقدر نسبة الإعانات الزراعية في الدول الصناعية المتقدمة عام 1999 بنحو 40% من إجمالي الدخل الزراعي وتصل هذه النسبة إلى الثلثين في بعض الدول. وبلغت قيمة الدعم الزراعي العام المالي الحالي 406مليارات دولار وهو أكثر من ضعف قيمة الصادرات الزراعية للدول النامية، وأكثر من ضعف المبلغ المطلوب تدبيره لخفض نسبة سكان العالم الثالث ناقصي التغذية إلى المستوى المحدد بحلول عام 2015. على الصعيد نفسه، ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن دعم الدول الغنية للزراعة فيها بلغ 327مليار دولار خلال العام الماضي، أو ما يعادل 34% من إجمالي الدخل الزراعي. (3) الملكية الفكرية : تخص اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية (التريبس)، وهي تثير جدلا بين الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة وسويسرا من ناحية والدول النامية من ناحية أخرى، خصوصا في مسألة الدواء باعتباره سلعة استراتيجية حساسة تمس «الصحة العامة» لمواطني الدول النامية. وقد طالبت مجموعة الدول النامية باعتماد بند ينص على أنه لا ينبغي ألا يحول أي شئ في اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية (التريبس) دون اتخاذ الأعضاء تدابير للاستجابة لمتطلبات الصحة العامة، في حين رأت الولايات المتحدة في هذا إضعافا للاتفاق وإساءة لحقوق شركات الأدوية. فيما أكدت دول مثل البرازيل والهند وجنوب إفريقيا أن اعتماد الفقرة سيتيح لها إنتاج أدوية رخيصة تناسب القدرة الشرائية لسكانها في حال الأزمات. وقد أيدت الولايات المتحدة وسويسرا ودول أخرى دمج فقرة تتعلق بالحق في اتخاذ تدابير طارئة في مواجهة أزمات صحية تنص على: «حق كل عضو في استخدام بنود اتفاق تريبس التي تتيح مرونة في التعامل مع الأزمات الصحية مثل الإيدز والأوبئة الأخرى».إلا أن الدول النامية دعت إلى مرونة أكبر من مستوى التعامل مع الأمراض المزمنة أو الأوبئة فقط، وقد عبر عن ذلك موقف مصر التي مثلها وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية يوسف بطرس غالي وزير التجارة الخارجية الحالي حين بيّن ضرورة أن يُسمح للدول باتخاذ الوسائل اللازمة للتصرف في الموضوعات الخاصة بالصحة العامة دون التقيد بتفسيرات بعض الدول المتقدمة والتي تقصر هذا الحق على حالات الكوارث باعتبار أن وضع الصحة العامة في العديد من البلدان النامية ينذر بكارثة حتى لو لم يكن هناك وباء. وتجدر الإشارة هنا إلى ما ساقه مناهضو العولمة ومنهم الناشط الفرنسي جوزيه بوفيه من انتقادات لموقف الولايات المتحدة الضاغط على المجموعة الألمانية لانتاج الأدوية (باير) من أجل خفض سعر المضاد الحيوي سبيرو الذي يستخدم لعلاج الجمرة الخبيثة، وقيامها في الوقت نفسه ـ أي الولايات المتحدة ـ بانتقاد دول العالم الثالث لعدم احترام براءات الاختراع التي تملكها المجموعات الصيدلانية العالمية. (4) تطبيق الاتفاقيات السابقة: ينصب هذا الملف على مطالبة الدول النامية الدول المتقدمة بتنفيذ تعهداتها السابقة في إطار اتفاقات جولة أورجواي، سواء المتعلق منها بفتح أسواقها أمام صادرات الدول النامية، أو مساعدة هذه الدول ماليا وفنيا وتقنيا. ومن الأصوات التي دعت الدول المتقدمة للالتزام بتعهداتها السابقة، كان وكيل وزارة التجارة الكويتية بالإنابة بدر عبد الرحيم الذي رأس وفد دولة الكويت إلى المؤتمر، حيث شدد على ضرورة ترجمة الالتزامات إلى أرض الواقع، وطالبت الكويت بإصدار قرار بوضع آلية لتفعيل التزامات الدول المتقدمة خاصة فيما يتعلق بالمعاملة الخاصة والتفضيلية ونقل التكنولوجيا والمعرفة والنفاذ إلى السوق. وتبين الخبرة العملية أن الدول المتقدمة زادت من استخدامها للقيود غير الجمركية بهدف الحد من دخول بعض السلع لأسواقها، وهي ما تسمى بالإجراءات الرمادية مثل المواصفات الصحية والتغليف والتعبئة، فضلا عن التعسف الذي تطبق به إجراءات مكافحة الإغراق، وعلى سبيل المثال تم في عام 1997 إبلاغ منظمة التجارة عن 239حالة إغراق، 143حالة منها كانت ضد الدول النامية. وقد نالت قضية المنسوجات والملابس اهتماما كبيرا في هذا الإطار، وطرحتها الدول النامية بوضوح في مؤتمر الدوحة، مبينة أنه كان على الدول الأعضاء في المنظمة ـ تبعا للاتفاقات الموضوعة ـ أن تخفض الرسوم الجمركية على 26% من المنسوجات المستوردة بحلول عام 2001، لكن الولايات المتحدة لم تفعل ذلك سوى على 1.7% من هذه الواردات، وبلغت نسبة التخفيض في الاتحاد الأوروبي 6% وفي كندا 9.8%. البيئة:ترغب دول الاتحاد الأوروبي في تضمين أي اتفاق تجاري مستقبلي قواعد تضمن حماية البيئة، بحيث تخضع الصادرات التي يثبت عدم توافقها ـ من حيث عملية التصنيع ـ مع المعايير البيئية لإجراءات جزائية، وتحرم من خاصية النفاذ إلى الأسواق، وهو أمر ترفضه الدول النامية كما ترفضه الولايات المتحدة واستراليا. وتعتبر الدول النامية أن إقحام ملف البيئة ليس إلا وسيلة لفرض مزيد من القيود المقننة على صادراتها إلى الأسواق الأوروبية، كما ترى أن هناك منظمة دولية منفردة تعالج قضايا البيئة فلا داعي لإقحامها في موضوعات التجارة. (6) حقوق العمال: تسعى الدول الغربية لمنع استيراد أي منتج يعمل أطفال في تصنيعه، وهذا الفكرة تعتبر كارثة بالنسبة لقطاع كبير من الدول الفقيرة في إفريقيا وآسيا والعالم النامي ككل، ففي دولة مثل مصر 45% من سكانها دون 15 عاما، يعمل أكثر من مليوني طفل بين السادسة والثانية عشرة في مجالات مختلفة زراعية وصناعية منها زراعة القطن مثلا كأحد الصادرات المصرية المهمة. وفي كينيا، عبر معلق محلي من خطورة الوضع الذي يمكن أن يكون إذا أقدمت الأسواق الأوروبية على حظر الشاي والقهوة الكينية اللذين يشكلان المصدر الأساسي للقطع في البلاد في بسبب مشاركة الأطفال في حصادها. (7) الخدمات: ما زال ملف الخدمات يشكل تحديا للدول النامية التي لاتستطيع بحال منافسة الخدمة الأجنبية ومن ثم فإن التحرير في هذا القطاع يهدد هذا القطاع الحيوي في كثير من الدول النامية ومنها الدول العربية. ويرى المعلقون أن الدول المتقدمة بعدما كانت تركز اهتمامها على تحرير السلع الصناعية، صارت تهتم بقطاع الخدمات بسبب أنه صار يمثل نسبة متزايدة في تجارتها، حيث تسيطر هذه الدول على 75% من تجارة الخدمات الدولية. وقد بلغ حجم تجارة الخدمات الدولية عام 2000 نحو 1435مليار دولار، مشكلة 19% من جملة التجارة الدولية في السلع والخدمات البالغ قيمتها 7600 مليار دولار. وتطالب الدول النامية بنوع من المعاملة التفضيلية والتنفيذ التدريجي إزاء تحرير الخدمات حتى تتمكن من مواجهة المنافسة الدولية المحتدمة في هذا الإطار. (8) موضوعات سنغافورة: وهي السابق الإشارة إليها، وتتضمن أربعة موضوعات جديدة، حاول مقترحوها فرضها في جولة المفاوضات المقبلة: (أ) المنافسة : يريد الاتحاد الأوروبي بمساندة اليابان وبعض التأييد من دول بأمريكا اللاتينية إجراء مفاوضات مستفيضة لوضع لوائح خاصة بمعايير وقواعد تضمن ألا تستغل الاحتكارات الوطنية وضعها لاستبعاد منافسين أجانب محتملين. وهي قضية محل خلاف بين هؤلاء وبين الدول النامية، وكذلك عدد من الدول المتقدمة ومنها الولايات المتحدة. إذ ترى الدول النامية في هذا ضربا لعملية التنمية الوطنية، فقواعد المنافسة المطلوبة في هذا الإطار تعني أن تُعامل شركات عملاقة على قدم المساواة مع مشروعات قزمية في الدول النامية تأكيدا على فكرة الملعب المنبسط وهي إحدى الركائز التي قام عليها النظام التجاري العالمي. والجدير بالذكر أن هذا الملف يمس خلافا حادا بين الولايات المتحدة وكل من اليابان وكوريا حول صادرات الأخيرتين إلى السوق الأمريكية، لاسيما قضية اغراق السوق الامريكية بالفولاذ التي تدعيها الولايات المتحدة لحماية منتجي الصلب داخلها. (ب) الاستثمارات : يسعى الاتحاد الأوربي أيضا لوضع قواعد تضمن عدم تعرض المستثمر الأجنبي لأي تمييز، وهو أمر ترفضه أيضا مجموعة الدول النامية لأنه يعني فيما يعني إطلاق يد الاستثمارات الأجنبية من خلال الشركات دولية النشاط لتستثمر في الأماكن التي تريدها بالشروط التي ترتضيها، وهو أمر ضار بالتنمية الوطنية أيضا. (ج) الشفافية في المشتريات الحكومية: أي بدء مفاوضات تؤدي لوضع قواعد تضمن الشفافية في العقود والمناقصات والمشتريات الحكومية. وترفض الدول النامية بالمثل هذا البند على اعتبار أنه سيحول دون استخدام المشتريات الحكومية لدعم المنتج والمستثمر الوطني وهي أداة تنموية فاعلة، كما أنه تدخل في أمور سيادية تخص الدول. (د) تسهيل التجارة: ويعني الشروع في مفاوضات تضمن في محصلتها أن أي امتيازات تُعطى للمشروع الوطني في تسهيل تجارته تعطى للأجنبي، بمعنى أنه إذا كانت هناك شبكة توزيع محلية يستفيد منها المشروع الوطني في توزيع منتجاته بامتداد البلد فيجب أن تصبح هذه الشبكة متاحة للأجنبي. والواقع، فإن هذه البنود الأربعة، والتي تنصب بقوة نحو مزيد من الإضعاف لموقف المستثمر الوطني إزاء نظيره الأجنبي الأقوى، قد دفعت المحللين للقول بأن منظمة التجارة الدولية باتت تعتبر بوضوح أن التجارة هي الأصل والتنمية مجرد فرع. الدول النامية: الرؤى والمواقف حاولت الدول النامية أن تتخذ موقفا يدعم من تصوراتها ومصالحها إزاء ضغط الدول المتقدمة الساعية لفرض رؤاها الخاصة على الجميع. وقبيل انعقاد المؤتمر، وجهت مجموعة ال77 والصين إلى المؤتمر وثيقة تضمنت قناعتها عدم ضرورة عقد جولة جديدة من المفاوضات، مطالبة بوقف الدول المتقدمة لدعم مزارعيها وفتح أسواقها بالصناعية أمام صادرات الدول النامية. وداخل المؤتمر، هددت كل من الدول الإفريقية ودول الكاريبي والدول الآسيوية بإعاقة التوصل إلى جولة جديدة واتهمت الدول الغنية بالإخلال بتعهداتها تجاهها. وفي إطار الحرص على تنسيق المواقف، قامت الهند وباكستان على سبيل المثال ـ ورغم عداوتهما التقليدية ـ بنشر بيان مشترك طلبتا فيه من الدول الغنية إلغاء الدعم المالي التجاري والحواجز الجمركية والإجراءات الحمائية الأخرى. كذلك اتخذت مجموعة الدول الإفريقية موقفا منسقا عبرت فيه عن رفضها التطرق في إطار المنظمة لقضايا البيئة وشروط العمل، كما طالبت بإصلاح نظام اتخاذ القرار، وتطوير نظام للتعامل مع الدول الأكثر فقرا وإعادة النظر في اتفاق الملكية الفكرية ليسمح للدول بالحصول على الأدوية الأساسية. بالمثل، كان هناك أيضا تنسيق فيما بين مجموعة سميت الدول المنضمة حديثاً وهي 8دول تشمل ألبانيا وكرواتيا وجورجيا والأردن وقيرغيزستان وليتوانيا ومولدافيا وسلطنة عمان. والحق أن الدول النامية بشكل عام قد بدأت تتشكك في نتائج تحرير التجارة على اقتصاداتها في ضوء الوعود بالازدهار والرخاء التي بشر بها الغرب في دعوته لتحرير التجارة. وتشير الإحصاءات إلى تراجع صادرات الدول النامية بنسبة 7% وأسعار المواد الأولية بنسبة تصل إلى 15% بين 1986 ـ 1994 أي خلال فترة دورة أورجواي. كما تشير الوقائع إلى أن معظم طلبات فرض رسوم مضادة للإغراق منذ إنشاء منظمة التجارة جاءت من دول صناعية متقدمة لاسيما الولايات المتحدة وأوروبا وكندا، كذلك شهدت السنوات السابقة تطبيق متعسف لاتفاقية المنسوجات والملابس بما يؤخر الإلغاء المقرر لنظام الحصص، وفي مقابل عرقلة تجارة الدول النامية إلى الخارج وإجهاض إمكانية نفاذها إلى الأسواق الصناعية بهذه الوسائل، كانت عواقب تحرير التجارة (الذي استتبع فتح أسواق الدول النامية أمام الصادرات الصناعية الأجنبية) وخيمة على عملية التصنيع وتشغيل الأيدي العاملة في الداخل، فقد ترتب على المنافسة غير المتكافئة من جانب الواردات تراجع كبير في معدل النمو الصناعي، وظهر هذا بشكل جلي في هبوط مستوى استغلال الطاقات الصناعية إلى 30% وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات مناظرة، وفي انهيار عدد كبير من الصناعات وإفلاس الكثير من المنشآت الصناعية والحرفية الصغيرة. ولم تشهد الدول النامية نموا يذكر في معدلات تدفق الاستثمارات الأجنبية إليها، فلم يزد هذا التدفق في التسعينيات على 5% من الناتج المحلي للدول النامية، وهو تقريبا المعدل الذي تحقق في الفترة 1975 ـ 1982. وبصرف النظر عن مآلات المؤتمر بصدد مطالب الدول النامية، فقد كانت لهذه الدول، وبناء على الحقائق المذكورة ـ تصورات عامة أولية تجاه الموضوعات المدرجة على أجندة المؤتمر، لم تتمكن كالعادة من إنفاذ العديد منها، وقد لخص أحد الباحثين هذه المطالب فيما يلي: ـ الاعتراف بعدم التوازن القائم في الاتفاقات التجارية لمنظمة التجارة العالمية بين التزامات كل من الدول المتقدمة والدول النامية بالنظر إلى اختلاف مستوى التطور الاقتصادي الذي أحرزته كل منهما وكذلك اختلاف القدرات الإدارية والتنظيمية والمالية، بحيث يؤدي هذا إلى الاهتمام بقضية التنمية وجعلها الأساس في المناقشات الدائرة حول تحرير التجارة، بدلا من الوضع الراهن الذي تبدو فيه التجارة الأصل والتنمية الفرع. ضرورة تناسب التزامات الدول المختلفة مع مستويات تطورها الاقتصادي ومع ما أحرزته من تقدم في مستوى معيشة شعوبها، ومن ثم إحلال مبدأ المعاملة التمييزية الخاصة والتفضيلية للدول النامية محل مبدأ الفترات الانتقالية محددة المدة الواردة في الاتفاقات السارية. وهذا يتيح للدول النامية استعمال أدوات السياسة التجارية والصناعية التي تمتعت باستخدامها الدول المتقدمة إبان فترات بنائها التنموي قبل أن تظهر الجات، ويمكن أن يرتبط التمتع بمستوى معين من التفضيلات بقيم محددة لمؤشر مركب للتنمية الشاملة بحيث تنخفض التفضيلات كلما ارتفع هذا المؤشر. أحقية الدول النامية في مراجعة الكثير مما التزمت به على مضض وتحت ضغوط في اتفاقات منظمة التجارة. ويشمل مفهوم المراجعة إعادة النظر في جوهر بعض الالتزامات التي تبدو غير متناسبة مع إمكانيات الدول النامية أو حاجاتها التنموية. ـ توجيه عناية لعدد من القضايا التي تهم الدول النامية، ومن أبرزها العلاقة بين التجارة والديون الخارجية والعلاقة بين التجارة والتكنولوجيا والعلاقة بين التجارة والمساعدات الأجنبية. ـ مراقبة مدى تنفيذ الدول المتقدمة لالتزاماتها التي تعهدت بها سابقا لمصلحة الدول النامية، ويشمل ذلك النظر في: ـ ما تضعه الدول المتقدمة من عراقيل في وجه صادرات الدول النامية لأسواقها ـ ما تقوم به من تحايلات على نصوص اتفاقات الدعم والإغراق والحواجز الفنية أمام التجارة وغيرها بغرض حماية غير مشروعة لصناعاتها وصادراتهاـ ـ ما تعهدت به من معونات للتعويض عن ارتفاع أسعار السلع الزراعية والغذائية. ـ ما وعدت به من تيسير لانتقال التكنولوجيا ومن مساعدات لبناء القدرات الفنية والتنظيمية والإدارية في الدول النامية لتمكينها من الوفاء بالتزاماتها في الاتفاقات التجارية المختلفة. ـ العمل على تحويل الوعود الفضفاضة والتعهدات المبهمة من جانب الدول المتقدمة إلى التزامات محددة واضحة مع ترتيب عقوبات محددة على تلك الدول إذا هي لم تنفذ هذه الالتزامات. ـ رفض عقد جولة جديدة من المفاوضات التجارية متعددة الأطراف باعتبار أن بالعالم الآن منظمة عالمية ذات وضعية قانونية معترف بها وذات نفوذ قوي، تمثل في ذاتها منتدى دائماً للتفاوض بما فيها من مجالس متخصصة ومجموعات عمل كثيرة. حيث سيكون العمل بنظام الجولات منطويا على ازدواجية وتكرار ويؤدي إلى إرهاق كبير لممثلي الدول النامية في المنظمة الذين سيتعين عليهم متابعة عدد ضخم من المفاوضات في موضوعات كثيرة. معارضة النظر في القضايا الجديدة (المنافسة ـ الاستثمار ـ المشتريات الحكومية ـ تيسير التجارة ـ البيئة ـ العمل) بناء على عدة اعتبارات: ـ أن الدول النامية تتحمل بالفعل التزامات جمة ناتجة عن الاتفاقات السابقة لم تتمكن من الوفاء بها بعد. فضلا عن أن تلك الالتزامات في ذاتها تتطلب مراجعة وإعادة نظر. ـ أن عدداً من القضايا الجديدة لايخص المنظمة أصلا لأن هناك منظمات دولية تتولاها مثل العمل والبيئة. أن بعض القضايا ليست تجارية وتعد مقحمة على المنظمة مثل موضوع الملكية الفكرية. وتقوم الدول الصناعية بإقحام هذه الموضوعات لأغراض مختلفة: منها الاستفادة بقوة الإلزام وعقاب المخالفين الذين توفرهما المنظمة، ومنها حماية المصالح التجارية للدول المتقدمة بفتح أسواق الدول النامية أمام صادراتها بدون قيد أو شرط. ـ مقاومة ضغوط الدول المتقدمة لبدء المفاوضات حول تخفيضات جديدة للتعريفات الجمركية على السلع الصناعية، وذلك لأن: ـ هذه القضية جديدة ولم ترد في جدول الاعمال المقرر بمقتضى نتائج جولة أورجواي. ـ أن الصناعة الوطنية لا تتحمل مزيداً من الضغوط على هذا الصعيد لأنها تضررت كثيرا بالفعل. ـ أن الدول المتقدمة تستخدم كثيراً من الحواجز غير التعريفية ضد صادرات الدول النامية وتصر عليها. ـ مقاومة الاتجاه نحو توسيع صلاحيات منظمة التجارة العالمية لتشمل أمورا لاتتعلق بالتجارة عبر الحدود الوطنية. الاهتمام بقضية الشفافية والمشاركة الديمقراطية في أعمال المنظمة، بحيث يراعى حجم ووزن الدول النامية التي تشكل أغلبية مطلقة داخل المنظمة. الدول العربية: الرؤى والمطالب داخل الدول النامية، نركز هنا على مجموعة الدول العربية التي تميزت على نحو خاص بالنظر إلى موقع انعقاد المؤتمر، واتخاذ دولة عربية هي قطر مقراً له، لاسيما في ضوء الظرف السياسي الراهن، ونظرة الاتهام ـ غير المعلنة ـ الموجهة إلى الشرق الأوسط والإسلام بشكل عام. وتضم عضوية منظمة التجارة العالمية إحدى عشرة دولة عربية هي: مصر وتونس والمغرب والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن وسلطنة عمان وموريتانيا وجيبوتي، فيما تقدمت دول أخرى بطلبات عضوية لم يتم البت بها وهي الجزائر (تقدمت بطلب عام 1984) والسعودية 1993 والسودان 1994 ولبنان 1999 واليمن 2000 وسوريا 2001. كما أبدت ليبيا التي حضرت بصفة مراقب رغبتها في الانضمام على لسان ممثلها في المنظمة. وقد سعت الدول العربية إلى التحضير المسبق للمؤتمر والإعداد له بما يمكنها من الظهور بموقف موحد من شأنه خدمة مصالحها بشكل فعال. وقد تبلور هذا الاهتمام في شكل عدة ندوات ومؤتمرات رسمية وغير رسمية عقدت في سبيل التحضير للمؤتمر وتنسيق الرؤي، من ذلك، القمة المصرفية لتنسيق المواقف العربية التي انعقدت في بيروت في 31أكتوبر، عقدها اتحاد المصارف العربية بالتعاون مع الاسكوا ومصرف لبنان والأمانة العامة للشئون الاقتصادية بجامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وحملت عنوان «تحرير تجارة الخدمات في الوطن العربي» واستهدفت بشكل واضح: تحديد الأدوار المطلوبة من المصارف والمؤسسات المالية العربية في دفع مسيرة تحرير تجارة الخدمات العربية على أسس سليمة ومستديمة، وكذلك المساهمة في إيجاد وعي أكبر بأهمية تنسيق الجهود تجاه تطورات المفاوضات الدولية لتحرير التجارة العالمية وتكوين موقف عربي موحد، والإسراع بتحرير نشاطات تجارة الخدمات فيما بين الدول العربية. كذلك عُقدت «ندوة الآثار الاقتصادية لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية على الدول العربية ودول الخليج» التي نظمتها جامعة الكويت تحت رعاية د. حسان الهارون وزير التربية والتعليم العالي. أيضا اهتم مجلس وزراء البيئة العربي الذي اختتم جولة أعمال الدورة الثالثة عشرة له يوم 24أكتوبر، بالتركيز على ملف البيئة في منظمة التجارة الدولية داعيا إلى عدم إدراج موضوع البيئة في مفاوضات الدوحة. كذلك انسحب هذا الاهتمام على طبيعة الدراسات والتقارير الصادرة قبيل انعقاد مؤتمر الدوحة، والتي حملت دعوات واقتراحات مختلفة للدول العربية المشاركة، من ذلك ما دعا إليه مركز الدراسات الاقتصادية المصري، من التعامل بحذر مع ملفي الزراعة والخدمات لما لهما من حساسية في الاقتصاد العربي. مشيرا إلى أن الخدمات تستحوذ على 30مليار دولار من إجمالي التجارة الخارجية في الاقتصاديات العربية، وأن تحرير تجارة الخدمات (التي تشمل الخدمات المصرفية والمالية وخدمات الاتصال والنقل الجوي والبري وخدمات الطاقة والتعليم والصحة والبناء والخدمات المرئية والسمعية وخدمات البريد) سوف يهدد استثمارات عربية بقيمة 200مليار دولار في هذه القطاعات، مضيفاً أن هذه القطاعات تسهم بنسبة تتراوح بين 30% و35% في إجمالي الناتج المحلي العربي البالغ 621 مليار دولار، وهي نسبة قد ترتفع بصورة حادة في حال استبعاد قطاع البترول من الناتج المحلي. كذلك طرح تقرير لمصرف الإمارات الصناعي قضية بالغة الحساسية؛ ألا وهي قضية عدم إدراج النفط في اتفاقيات تحرير التجارة، داعيا إلى إدراج الخام ضمن السلع الواردة في قوائم منظمة التجارة، ومشددا على أن تسعى دول مجلس التعاون لإلغاء الإجراءات التمييزية التي تمارسها البلدان الصناعية ضد الصادرات الخليجية والعربية. من ناحية أخرى، وفي مقابل رفض كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إعطاء جامعة الدول العربية صفة مراقب في منظمة التجارة، اقترح أحد الخبراء العرب تشكيل ائتلاف عربي باسم «تجمع دول جامعة الدول العربية» يضم الدول العربية الأعضاء في منظمة التجارة وتلك التي لها صفة مراقب، على أن يمثل هذا الائتلاف قوة ضغط باسم الجامعة وتحت إدارتها. واقترح أيضا أن تنشئ الجامعة في مقرها بجنيف وحدة متخصصة بشئون منظمة التجارة العالمية تقوم بالتنسيق والدعم والتشاور بين ممثلي الحكومات العربية ومع المنظمات الدولية المعنية مثل اليونتكتد والأسكوا. ومن جهته، بيّن الدكتور أحمد جويلي أمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية أهمية النهوض بالاقتصاد العربي الذي يعكس إلى الآن مؤشرات متواضعة على الصعيد الدولي، فلا يتعدى الناتج المحلي العربي 2.7% من الناتج الإجمالي العالمي، وتسجل الصادرات العربية 2.9% من جملة الصادرات العالمية البالغة 162.9مليار دولار، وتسجل الواردات العربية 2.6% من جملة الواردات العالمية البالغة 152مليار دولار، أي أن التجارة الخارجية العربية ككل لاتتعدى 2.7% من جملة التجارة السلعية العالمية. كذلك لايتعدى نصيب الدول العربية من الاستثمارات الأجنبية 1% من جملة الاستثمارات العالمية، فيما تبلغ الفجوة الغذائية العربية نحو 13مليار دولار. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية