تروي صحيفة «نيويورك تايمز» يوميا منذ اسابيع قصص قتلى 11سبتمبر فتنشر هذه القصص الفريدة والمؤثرة في القسم الذي تخصصه للحرب على الارهاب. قرابة 3000 شخص لقوا حتفهم في العمليات الارهابية التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن، والتي تحطمت معها خرافة امريكا المحصنة من مصائب العالم. اما الذين عرفوا او احبوا ضحايا الاعتداءات الاكثر دموية في التاريخ، فهم اكثر من يدرك تماما مغزى العبارة التي كثيرا ما تقرأ او تسمع منذ ذاك النهار المأسوي: «لن يعود الامر ابدا كما كان». وعلق الرئيس الامريكي جورج بوش مؤخرا قائلا «مع كل قتيل سقط، انتهى عالم برمته». لكن بالنسبة للمواطنين المئتين وثمانين مليون في هذا البلد الشاسع المحتمي بين محيطين والمحاط بحليفين وفيين، فان الثورة التي توقعها المحللون بعد صدمة الحادي عشر من سبتمبر لم تحصل او انها تأخرت. يقول المحامي روبرت ادلر المقيم في واشنطن «بعضنا بات ينتبه اكثر من ذي قبل. قبل 11 سبتمبر، ما كنت ابدا اغادر مكتبي اثناء التدريب على مواجهة انذار بالحريق. اما اليوم، فما ان تدوي اشارة الانذار حتى اخرج الى الشارع كالجميع». غير ان تدابير الحيطة الجديدة هذه وصفوف الانتظار في المطارات والحواجز الاسمنتية امام البيت الابيض وبوابات المراقبة الالكترونية في الاماكن العامة، كلها ليست سوى ترتيبات صغرى لا وزن لها في حياة الامريكيين. يتساءل ايفو دالدر الباحث في معهد بروكينجز في واشنطن «ما الذي تبدل في حياة الولايات المتحدة بعد هذه الاعتداءات؟» ويجيب «اقل مما نتصور». ويشاطره الرأي البروفيسور مايكل كازين من جامعة جورجتاون في واشنطن، فيوضح ان «هناك بالطبع الشعور بأن الاعتداءات ايقظت الناس من الاطمئنان الخامل الذي كانوا ينعمون به، لكن هذا في الحقيقة من ابتكار وسائل الاعلام». الواقع ان الحرب التي شنها بوش لم تنعكس على حياة الامريكيين بالقدر الذي تأثروا به مع بدء الاعمال العسكرية بعد الهجوم على بيرل هاربر مثلا في 7 ديسمبر 1941. ويوضح محلل آخر من معهد بروكينجز هو جيمس ليندساي مستعرضا الوضع في 1941 ان «الافا من الشبان جندوا على الفور في حين تركت النساء منازلهن للتوجه الى المصانع. وارغم نظام التقنين جميع الامريكيين على القيام بتضحيات». اما حرب افغانستان، فجندت عددا محدودا من العسكريين الامريكيين، لا يمكن مقارنته بالاعداد التي شاركت في جميع الحروب الامريكية الضخمة منذ الحرب العالمية الثانية من حرب كوريا وفيتنام والخليج. وترافقت الاعمال العسكرية حتى الآن مع سقوط عدد لا يذكر من القتلى في صفوف الامريكيين. ويوضح البروفيسور كازين ان «الاجواء المخيمة حاليا هي اجواء الازمات الدولية قصيرة المدة»، مستشهدا بأزمة الصواريخ في كوبا عام 1962. غير ان المحللين يرون ان احداث 11 سبتمبر ايقظت في الولايات المتحدة شعورا تبني عليه الامم ثورة او نهضة، الا وهو الوطنية. ويوضح البروفيسور كازين انه «منذ هزيمة فيتنام، كان مفهوم (الاحساس الوطني) موضع جدل كبير، لكن يبدو الآن انه يعود الى الواجهة». ويظهر جليا ان بوش يجني قدرا كبيرا من التأييد الشعبي من هذه اليقظة الوطنية. ويشير ايفو دالدر الى انه «بعد اقل من عام على الجدل الفريد من نوعه خلال القرن العشرين الذي رافق انتخابه، رأى الرئيس معدل تأييده الشعبي يرتفع ليبلغ 90%». قلة من الاصوات ترتفع لانتقاد الاجراءات الامنية الاضافية او ادانة انتهاك الحقوق المدنية للذين يثيرون لسوء حظهم شكوك القضاء الفدرالي او التساؤل حول المغزى من العمليات في افغانستان. غير ان هذا الشعور الوطني المتجدد آثار تطلعات وتوقعات يجد الرئيس بوش والوزيران المقربان منه دونالد رامسفيلد للدفاع وجون اشكروفت للعدل صعوبة في تلبيتها. كتب الصحافي توم فريدمان في افتتاحية صحيفة نيويورك تايمز ان «الناس يشعرون بأن هذه الحرب حربهم ويودون ان يطلب منهم الرئيس القيام بشيء اخر غير انفاق اموالهم في المتاجر». وتابع «لا يكفي ان نسدد لكمة الى الاشرار، ينبغي كذلك ان نمد يدنا الى الطيبين» والا «فقدنا دعم باقي ا.ف.بالعالم». أ.ف.ب