من الواضح أن امريكا قد وضعت مخططا كاملا للرد على هجمات 11 سبتمبر ويهدف هذا المخطط اولا إلى اعادة الاعتبار للنظام الدولي الجديد، بمعنى ترسيخ الهيبة التي تزعزعت، ومنع مس المحرمات التي مست بسبب الضربات، واعادة صياغة الخطوط الحمر، وترسيخ مفهوم أن هذه الضربة قامت بتعزيز قوة امريكا ولم تضعفها والامر الاخر الذي تهدف اليه تلك المخططات كما بدأ يلوح في الافق، معالجة الاسباب التي ادت إلى تلك الضربات ولكن هذه المعالجة ليست بمنظور ما يراها العامة، ولكن بالمنظور الذي يفهمه الامريكان الذي يهدف إلى القضاء على ما يسمى الارهاب وجذوره ومن يحتضنه، وهكذا ترى واشنطن انها تقوم بمعالجة مسببات الارهاب نهائيا. لقد صرح القادة الامريكيون على فترات متلاحقة أن الارهاب موجود في ستين دولة وان تنظيم القاعدة يمتد إلى ستين دولة وان أمريكا ستضرب الارهاب في كل هذه الدول، أي أن أمريكا ستقوم بضرب دول منظمة المؤتمر الاسلامي إضافة إلى بعض الدول الاسيوية التي ستسندها في مكافحة الارهاب مثل الفلبين، إلا أن تركيز الساسة الامريكيين على منطقة الشرق الاوسط وهي المنطقة التي اخرجت ابن لادن والعديد من اتباعه والقيادات التي حوله مثل ايمن الظواهري ومحمد عاطف أبو حفص وغيرهم. وقامت الإدارة الأمريكية بتحديد اخطر تلك الاهداف واهمها وفي المقدمة العراق التي ما فتئت اسرائيل تحذر من خطرها القادم، وخاصة أن العراق اثناء انتفاضة الاقصى اعلن امام الملأ وبشكل عملي، ومن خلال استعراضات عسكرية متكررة انه جهز 7 ملايين مقاتل متطوع وسماه جيش تحرير القدس، مما اثار اسرائيل والغرب عدا عن واشنطن بطبيعة الحال، سواء كان الاعلان تكتيكيا ام حقيقيا، واعتبرت امريكا أن الاعلان خرق اخر للمحرمات التي وضعتها امريكا للعراق، فهي ما زالت تعمل على تغيير النظام في العراق أو اسقاطه أو اضعافه من اجل الانقضاض عليه، ومما لا شك فيه انه يثير الهواجس لامريكا وحلفائها ولبعض دول الجوار فهي ـ أي امريكا ـ عندما وضعت مناطق الحظر الجوي واغرقته في حصار دام منذ اكثر من عشر سنوات وانتظرت أن تسمع هذا النظام وقد لفظ انفاسه، ولكن بدلا من ذلك، فقد صنع العراق اصدقاء واصوات خارجية، ولو أن مواقفهم تكون احيانا متقلبة، مثل الصين وفرنسا وروسيا الذين ينادون برفع الحصار عن الشعب العراقي. ونجح العراق في ربط تعاونه الاقتصادي وخصوصا شراء السلع المسموح بها عن طريق الامم المتحدة وهي صفقات بالمليارات فانه يشترط لمن يتعامل معهم اعطاءه موقفا سياسيا يدعو لرفع الحصار عن العراق. وامريكا بعد 11 سبتمبر تنظر إلى العراق ليس بهدف ارجاعه إلى ما قبل مرحلة فرق التفتيش بل انهم يريدون ارجاعه إلى ابعد من تلك المرحلة . فماذا تريد أمريكا الان من العراق بعد أن مضى على حصاره 11 عاما، وبعد أن قتل الحصار اكثر من مليوني طفل وافقر الشعب باكمله، وهذا الامر الذي ادى إلى تغيير ثقافة المجتمع العراقي فجعله بين امرين الاول انه اصبح مجتمع متدين، أو كما يسمى بالعرف الأمريكي مجتمع اصولي يتجه إلى التطرف تدريجيا، والقسم الاخر منه انفرط عنده عقد المبادئ والاخلاق . فهل تريد امريكا فقط ارجاع فرق التفتيش إلى العراق، ام انها تريد استفزاز النظام العراقي وتلفيق الاتهامات له من اجل الانقضاض عليه بعمليات قصف جوي غير مسبوقة، تدمر له ما بنى خلال عشرة اعوام وتحطم له البنية التحتية، من كهرباء وماء وسدود مياه وجسور وبنايات عامة ومرافق وخدمات ومصالح خاصة وتحطيم لقواعد الجيش وضرب الاهداف العسكرية البائنة . وهنا يطرح سؤال : هل ستنجح أمريكا بعد أن تفعل ذلك إلى اخضاع النظام العراقي أو اسقاطه، ام انها ستشحن المنطقة باكملها بتوتر غير مسبوق، واحتقان غير معهود حيث أن مبررات ضرب العراق لم تعد موجودة . والعالم الاسلامي يتقلب على صفيح ساخن في الاصل على أمريكا وافعالها بسبب اسنادها لاسرائيل وقصفها للافغان ومعاداتها لمصالح الامة الاسلامية من المحيط إلى المحيط . عدا عن أن العراق منذ اكثر من سبع سنوات وهو يستعد لهذه المعركة لانه يعرف تماما بان امريكا لن تفرج عنه، ولن تسمح له بان يعود إلى حضن المجتمع الدولي، وعلى هذا الاساس وجهت القيادة العراقية معظم امكانياتها العلنية والمخفية لتحمي نفسها من ضربة فيها غضب امريكي خارج عن اطار العقل والمعقول، ومن هنا نشر العراق جيشه محصنا من شماله إلى جنوبه، وفي قواعد محمية من القصف الجوي بخنادق تحت الارض، ووضع بنيته التحتية، وخصوصا ما يغذي السكان من ماء وصناعات ايضا في تحصينات ارضية غير مرئية وحتى لو تم قصفها لن يكون فاعلا ثم أن الاهداف الوهمية تملأ العراق من شمالها إلى جنوبها عدا أن العراق قد طور قدراته الدفاعية بشكل لفت انتباه العالم وعلى رأسه امريكا الامر الذي فسر بأنه تعاون بين العراق وكوريا الشمالية أو بين العراق والصين، وذلك بعد أن استطاع العراق اسقاط العديد من طائرات المراقبة الأمريكية . من هنا يتضح لنا أن امريكا أن هاجمت العراق حتى لو كان المخطط على مدى طويل فان هذا المخطط سيفشل وسيولد اهدافا معاكسة لما تريد امريكا من اعادة اعتبار للهيبة بل انها ستخسر المزيد من هيبتها، وقد تخرج لها مفاجآت غير محسوبة . فالعراق هذه المرة وكما صرحت احيانا القيادة العراقية انه لن يقف مكتوف الايدي أن ضرب بل انه المح انه سيعيد ضرب اسرائيل أن ضرب أو انه سيشن هجوما بريا علما انه لم يحدد اتجاه الهجوم . ومن هذا يتضح أن امريكا أن ضربت العراق ستساهم بشكل مباشر في تفجير المنطقة وباشعالها وعدم استقرارها وتهديد حلفائها من قبل شعوبهم وستزيد من عزلة اسرائيل حليفتها الحقيقة الوحيدة في المنطقة، وفي النهاية سيتوقف الهجوم بعد كل تلك النتائج العكسية التي يبدو أن امريكا لا تحسب لها أي حساب وسيبقى النظام العراقي . واعتقد أن امريكا ما لم تنه موضوع افغانستان بالكامل فانها لن تقدم على مهاجمة العراق لانها بذلك ستساهم بتشتيت جهدها، وارباك جيشها واساطيلها، وتعميق الانكماش الاقتصادي لديها، وفي اسواقها، وستجعل العالم يقف على قدم واحدة . اما المناطق الاخرى التي ارى أن الاعتداء عليها سهل، وان الجيش الأمريكي لن يتردد في ضربها وذلك باعتبار أن تلك المناطق هي من الضعف والعزلة بحيث انه لن يسمع انينها دول الجوار التي حولها . وعلى رأس هذه المناطق الصومال التي تفتقر لكل المقومات من بنية تحتية أو جيش نظامي موحد أو أي نوع من انواع الاقتصاد أو الموارد، اللهم أن هذا البلد امتلك كل انواع البؤس والتفسخ الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، واليأس . فماذا ستجني امريكا من ضرب الصومال سوى انها ستخرج فئة متطرفة مدفوعة لان تحول من نفسها قنابل بشرية لضرب المصالح الأمريكية اينما قدرت على الوصول إليها وستجعل من هؤلاء الفقراء المستضعفين في الارض يستنبطون الوسائل لمحاربة العملاق الذي اعلن جنونه في محاولته فرض هيمنته على العالم . اما اليمن الذي تمتلك قبائلها كل انواع الاسلحة وتفرض سطوتها على النظام في صنعاء، فالدولة اليمنية لا تستطيع إلا أن تساير تلك القبائل وان تتعامل معهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وان تطلب منهم المطالب بالود واحيانا بالصفقات المادية، فان أي ضربة لليمن ستزيد من احتقان الشعب على أمريكا والحكومة معا لان هذا الضرب سيكون اعتداء على السادية وبمثابة اعلان حرب على اليمن بحكومتها وشعبها. واعتقد أن الإدارة الأمريكية تضغط على الحكومة اليمنية لتقوم بمهاجمة القبائل التي لها صلة ببن لادن والا فان امريكا ستقوم بذلك، إلا أن الحكومة اليمنية ربما تقوم بعمل مسرحي لترضي السياسة الامريكية ولكنها إن وافقت فعلا على ضرب بعض القبائل فستكون قد اشعلت حربا اهلية، وجنت على نفسها، بناء على اجندة أمريكية في اليمن لا تحمد عقباها. اما اذا ما هاجم الجيش الأمريكي بنفسه فانه سيكون قد دفع كل يمني لاعلان الجهاد على امريكا وضرب مصالحها في اليمن، وعندها ستحول امريكا كل الشعب اليمني إلى متطرفين بدلا من قبائل معينة، فشعب اليمن جميعه محتقن بسبب العداء الذي تبديه امريكا لمصالح العالم الاسلامي في كل مكان . اللافت للنظر أن أمريكا تعمل على اشعال المنطقة، فهي اصبحت تتقن تخريج الاعداء لها ولمصالحها في العالم، مثلما اتقنت في السابق محالفة الاشخاص الذين يهددون مصالحها ويضرون بها وبحلفائها. وان ابسط الامور التي من المحتمل أن تحدث بعد الضربات الأمريكية للقبائل ـ إن حصلت ـ المساهمة في احداث ثورة مسلحة ضد الحكومة اليمنية ذاتها وبذلك تكون الادارة السياسية في واشنطن قد جنت على حلفائها ومصالحها في اليمن بل أن الامور قد تتطور إلى اخطر من ذلك. إن كل ما ذكرناه في السابق مرهون بسرعة الانجاز وتغيير الوضع في افغانستان، وكلما تأخر ذلك الانجاز، كلما عادت امريكا لعقلها وتغيير سياستها وكلما اسرعت في الانجاز فانها ستستخف بما بعد افغانستان. هذا على صعيد المنطقة العربية اما فيما يتعلق بالمنطقة الاسلامية فان الإدارة الامريكية طلبت من ماليزيا واندونيسيا أن تقوم بضرب الحركات الاسلامية وتفكيكها والغاء المعاهد الاسلامية والمدارس الدينية في تلك الدول. اما بعض الدول الاسيوية مثل الهند والفلبين فقد كان صوت أمريكا مسموعا ومشكورا ومؤيدا عندها، حيث طلبت أمريكا من الهند العمل على اغلاق المعاهد الدينية الاسلامية بالطرق التي تراها مناسبة مقابل طلب الهند من أمريكا الاعلان عن أن حركات الجهاد الاسلامي في كشمير حركات ارهابية، مما اثار فزع باكستان بل أن باكستان رأت أنها خدعت من قبل امريكا في هذا الموضوع. اما الفلبين فلم تكن بحاجة إلى تشجيع لمحاربة أبو سياف الذي يقال ان له علاقة ببن لادن بل أن امريكا ارسلت قوات لمعاونة الحكومة الفلبينية للقضاء على جماعة ابو سياف، خصوصا وان ابادة قواته لن تثير أي رد فعل رافض بسبب ما قامت به الحركة من فظائع واعتقد أن أبو سياف وحركته لا يمتان للحركات الاسلامية بصلة فواضح انه رجل مجرم يبحث عن المال وخطف الرهائن بشكل مجرد دون هدف سياسي أو حتى عقدي. بقلم: مأمون التميمي _ مقرر لجنة تقصي الحقائق في المجلس الوطني الفلسطيني