الحرب ضد الارهاب.. شعار يبدو أنه سيكون أحد المرتكزات الأساسية لتنفيذ السياسة الأمريكية في المدى المنظور.. ويبدو أن واشنطن ستتخذه مبررا مشروعا يمكنها من ضرب كل من يقول لا للولايات المتحدة ويخالف توجهاتها ويناهض سياساتها. فقد اعتقدت الادارة الأمريكية أن التهديد بالعصا لكل من يعصيها هو الاسلوب الأمثل خاصة بعد أن فشلت الجماعة الدولية حتى الآن في الاتفاق على مفهوم الارهاب الأمر الذي أدى خلال الفترة الأخيرة الى حدوث ما يمكن تسميته بخلط أوراق اللعبة على المسرح الدولي بشكل متعمد حتى يصبح المعيار الأمريكي لقياس ظاهرة الارهاب هو السائد والوحيد في ظل هذا الخلط. إن السياسة الأمريكية ترفض أي تفسير آخر يخالف ما تراه إرهابا، بعبارة أخرى أن المتغيرات الجديدة في النظام الدولي قد أدت منذ أحداث سبتمبر الى تكريس رؤية أمريكية أحادية الجانب في العلاقات الدولية. وهكذا تنظر الولايات المتحدة بلا اكتراث الى وجهات النظر الأخرى المخالفة لها في التوجه وتعتبر كل من ليس معها ضدها وهو منطق يصادر حقوق الأطراف الأخرى في أن تخرج عن إطار ما يمكن النظر اليه على أنه وصاية أو هيمنة أمريكية على العالم. واذا كانت الادارة الأمريكية اعتقدت أنها قد أنهت لصالحها المعركة الأولى ضد الارهاب في أفغانستان فإنها باتت تتربص بمناطق أخرى ستنقل اليها آلة الحرب وأعتقد أن الرئيس جورج دبليو بوش يصوغ الآن مبررات الضربة القادمة في الحرب ضد الارهاب والمرشح لها هو العراق!! ولاشك أن إسقاط حكومة طالبان في أفغانستان وتشكيل حكومة جديدة على النحو الذي تم في مؤتمر مستقبل أفغانستان الذي عقد تحت رعاية الأمم المتحدة في بون بالمانيا وحاز هذا التشكيل الرضا الأمريكي.. نقول أن هذه الخطوة قد فتحت شهية الادارة الأمريكية الى امكانية تكرار السيناريو واللعب على نفس الوتر على نحو أو آخر في العراق على اعتبار أن النظام العراقي الحالي يعادي الولايات المتحدة وبينهما حسابات لم تسو بعد وبالتالي يستحق النظام في بغداد أن يطبق عليه شعار الحرب ضد الارهاب. واستمرارا لحالة خلط الأوراق التي أشرنا اليها فإن ثمة محاولة لتشبيه الحالة العراقية بالنموذج الطالباني رغم الاختلاف الواضح بين الجانبين، وتشير كل الدلائل الى أن هناك عدوانا مبيتا تجري حياكة خيوطه ضد الشعب العراقي وكأن عقوبات السنوات الماضية غير كافية لغلق الملف العراقي. والحقيقة أن التهديد بشن عدوان على العراق تحت مسمى الحملة ضد الارهاب لا يأتي معبرا عن الواقع ولكنه هو نوع من تصفية الحسابات في العلاقات الأمريكية العراقية وسواء شئنا أم أبينا هذه العلاقات هي جزء من السياسة الأمريكية المعادية للعرب والتي تتمثل أيضا في الموقف الأمريكي المؤيد لاسرائيل والمشجع لها على ممارسة ارهاب الدولة ضد الشعب الفلسطيني!! وفي تصوري أن الولايات المتحدة قد وقعت في مأزقين نتيجة هذا الموقف الذي يستعدي عليها الشعوب العربية. ـ المأزق الأول: المخاطرة بالعلاقات مع العرب بعبارة أخرى أن الولايات المتحدة تتجنب الفهم الصحيح للموقف العربي في حال وقوع العدوان القادم على العراق لأن ما حدث في أغسطس من عام ألف وتسعمئة وتسعين لن يتكرر اليوم في ألفين وواحد فقد دفع الشعب العراقي ومازال يدفع ثمن ما حدث في عام تسعين وما زالت العقوبات الدولية ـ للأسف ـ تعصف بكيانه وتتآمر على مستقبله ومقدراته!! ومن هنا يصبح توقع رد الفعل العربي على ما أعتقد سيكون مختلفا شكلا وموضوعا اذا تعرض العراق للعدوان لأن الظروف بالطبع أكثر اختلافا عما سبق قبل عشر سنوات. ـ المأزق الثاني: يتمثل في أن الولايات المتحدة ستتبع نفس الاسلوب الذي تحاربه بمعنى أنها ستلجأ للارهاب لتنفيذ مخططاتها لاسقاط معارضيها بحجة التصدي للارهاب!! وهنا يجب أن نتوقف عند معنى العمل الارهابي فهو في أوسع معانيه قتل وترويع الأبرياء من المدنيين في زمن السلم وهو فعل مادي جنائي يجرمه القانون الدولي والجنائي. ويصدر العمل الارهابي عن فرد أو جماعة أو دولة. وبمنتهى الوضوح عندما تعتدي دولة مثل الولايات المتحدة على الشعب العراقي ومن قبل اعتدت على الشعب الأفغاني ستكون حتما قد وقعت تحت طائلة القانونين الدولي والجنائي باعتبارها دولة مارست وتمارس أعمالا ارهابية بالمعنى المتقدم. واذا كنا نبحث عما يمكن أن نسميه بالعدالة الدولية في عالمنا المعاصر فإن على الجماعة الدولية أن تواجه الولايات المتحدة بهذه الحقيقة!! على أي حال إن هذين المأزقين اللذين يجب أن يعي لابعادهما صانع القرار الأمريكي يشكلان في الواقع إشكالية ستقع فيها الادارة الأمريكية الراهنة خاصة أن مسألة استخدام القوة في تنفيذ السياسات الخارجية للدولة كان يجب أن تتوارى مع التطور الكبير في العلاقات بين الدول ونجاح أساليب أخرى مثل العمل الدبلوماسي والاستخباراتي في التعاطي مع الأزمات والمشكلات بين الدول. وعليه اذا لم تدرك واشنطن خطورة اسلوب التهديد بالقوة فإنها ستصبح في وضع لا تحسد عليه لسببين: ـ السبب الأول.. إن العالم اليوم لم يعد يرضى باستمرار أوضاع تخالف طبيعة التطور نحو السلم أكثر من الحرب وبالتالي من غير طبيعة الأشياء القبول بأن تصبح أمريكا زعيمته المفترضة عصا لارهاب الدول والشعوب والشيء بالشيء يذكر اسرائيل ـ الحليف الاستراتيجي لأمريكا ـ تسير على خطاها بالتفصيل في تعاطيها مع المسألة الفلسطينية!! ـ السبب الثاني: تصبح المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط معرضة دائما ومن جديد للخطر وفي تقديري ان أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم تكن في حقيقة الأمر سوى نتاج طبيعي لاخفاقات السياسة الأمريكية وعليه تصبح هذه السياسة مسئولة عن أعمال العنف الموجهة ضد الولايات المتحدة وأحسب أنها سوف تستمر طالما مارست أمريكا سياسة البلطجة في العالم ضد معارضيها لأن العنف رد فعل منطقي للقهر والظلم وسياسات المعايير المزدوجة بكل صورها!! واذا كان العالم العربي قبل عشر سنوات قد قبل الدخول في تحالف دولي مع الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية فإن الأمة لن تقبل أن يدخل العرب في أي تحالف يستهدف كيانهم ومصالحهم لأن كما أسلفنا فإن الظرف اليوم جد مختلف!! إذن لا بديل عن أن تتضافر الجهود العربية لرفع الظلم ومواجهة حملة القهر والوقوف الى جانب الشعب العراقي ـ قلبا وقالبا ـ توقعا للضربة الأمريكية المقبلة. وغني عن البيان الاشارة الى أن دور جامعة الدول العربية مهم في تفعيل التحرك العربي المطلوب ليس لمحاربة أمريكا ـ كما قد يعتقد البعض ـ ولكن على الأقل لاثبات حالة ضد الولايات المتحدة التي لم تعد تميز بين الصديق والعدو!! وأعتقد أن التحرك العربي ينطلق على مستويات عدة من بينها العمل الدبلوماسي النشط في المحافل الدولية وبصفة خاصة الأمم المتحدة ومن خلال كسب دول الاتحاد الأوروبي الى جانب الحقوق العربية. ومن المهم كذلك أن تتبنى الأمة العربية سياسة اعلامية موحدة تخاطب الرأي العام الدولي وخاصة الرأي العام الأمريكي الذي بدأ يفيق من هول ضربات يوم الثلاثاء الدامي.. ونلاحظ أن قطاعا عريضا في المجتمع الأمريكي أعلن معارضته لتوجه الحرب ونذكر على سبيل المثال لا الحصر دعوة القس جيسي جاكسون الى ضرورة أن تقيم أمريكا علاقات مع العالم وتبني جسورا بدلا من الاكتفاء بالقاء القنابل. وعلى المستوى الاقتصادي.. ألم يأن الأوان بعد لكي يستعيد العرب مقدراتهم الاقتصادية التي تخدم أهداف الحرب الأمريكية بطريقة غير مباشرة. ويصبح من الضروري أن توجه القوة الاقتصادية العربية نحو تنمية الكيان العربي في عصر تعلو فيه نداءات ما يسمى بعولمة الاقتصاد العالمي!! خلاصة القول إن مسلسل الحرب الذي استمرأته الادارة الأمريكية لإعمال آليات القوة العسكرية ضد الآخرين عربا أو غير عرب في تصوري هو منحى سيضر بالولايات المتحدة أكثر من أن يحقق لها أهدافا بعينها. على أي حال لابد أن يصب التحرك الغربي في اتجاه واحد هو اقناع الولايات المتحدة بمراجعة سياساتها تجاه العرب والتأكيد على أن استعمال لعبة الحرب لتصفية الحسابات السياسية أمر غير مقبول عربيا!! بقلم: ابراهيم الصياد ـ كاتب مصري