منذ أن بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ما يسمي بالحرب ضد الإرهاب في أفغانستان والحديث لا ينقطع عمن سيكون عليه الدور بعد أفغانستان، كل التوقعات والتكهنات تذهب إلى أن العراق سيكون المستهدف في المرحلة الثانية من هذه الحرب.. الملف التقى د. محمد قدري سعيد رئيس الوحدة العسكرية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية لإلقاء الضوء على ملامح الاعداد للعدوان على العراق ضمن ما يسمي بالحرب الممتدة ضد الإرهاب، وهل العراق هو المسرح الرئيسي للحرب وأفغانستان كانت المسرح الثانوي لها كما يطرح بعض المفكرين، وانعكاسات توسيع الحرب على الداخل الأمريكي وخاصة في ظل انقسام الإدارة الأمريكية إلى صقور وحمائم إزاء ذات القضية، والدور الإسرائيلي المشبوه في هذا الأمر، والردود العربية المتوقعة في حال إقدام الولايات المتحدة على ضرب العراق، وما هي طبيعة العمل العسكري المتوقع ضد العراق، وهل يستمر التحالف الدولي في الحرب ضد الإرهاب لما بعد أفغانستان بنفس التماسك السياسي والدبلوماسي أم تتعارض المصالح وتتقاطع في بعض البلدان. د. محمد قدري سعيد أكد أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقدم على خطوة توسيع الحرب ضد الإرهاب إلا بعد التوصل لنوع من التوافق الدولي على هذه الخطوة على الأقل على المستوى الأوروبي. وقال انه ليس متصورا الآن ولا مقبولا لدى الشارع العربي أن تقدم الولايات المتحدة على ضرب العراق تحت بند تسوية حسابات قديمة أو بسبب رفضه لقرارات مجلس الأمن وعدم سماحه بعودة لجان التفتيش إلى أراضيه. وأشار إلى أن العمل العسكري المتوقع ضد العراق سوف يستهدف في حده الأقصى إذا حدث إعادة محاولة تغيير النظام الحاكم بالقوة العسكرية عن طريق القصف الجوي وتحريك فصائل المعارضة على الأرض وتمكين بعض قوى النظام من الإنشقاق عليه كما حدث في أفغانستان. خطوة توسيع الحرب ـ بداية هل يستمر التحالف الدولي في الحرب ضد الإرهاب لما بعد أفغانستان بنفس التماسك سياسيا ودبلوماسيا أم تتعارض المصالح وتتقاطع في بعض البلدان ؟ أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقدم على خطوة توسيع الحرب ضد الإرهاب سواء بضرب العراق أو غيره من المناطق الأخرى في العالم إلا بعد التوصل لنوع من التوافق الدولي على هذه الخطوة على الأقل على المستوى الأوروبي وهم حلفاؤها المباشرون، وقد يكون لهؤلاء الحلفاء رأي مختلف في بعض الجوانب مثل طبيعة العمليات العسكرية المتوقعة وحجمها وغيرها من الأمور، ومن الممكن أن تأخذ الولايات المتحدة بآرائهم وقد ترفضها المهم ستكون هناك اتصالات بين هذه الأطراف وفيما يتعلق بضرب العراق تحديدا إذا تشددت الأطراف العربية فمن الممكن أن يتشدد الأوروبيون. ـ ماذا ستكون ردود الفعل العربية في حال إقدام الولايات المتحدة على ضرب العراق؟ ـ بالطبع ليس متصورا الآن ولا مقبولا لدى الشارع العربي أن تقدم الولايات المتحدة على ضرب العراق تحت بند تسوية حسابات قديمة أو بسبب رفضه لقرارات مجلس الأمن وعدم سماحة للجان التفتيش بالعودة للعمل داخل الأراضي العراقي والتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، لذلك لن يمر بسهولة في أروقة الشارع العربي ولن تقبله أيضا الحكومات، فقد تغير الحال بعد الأحداث الأمريكية الأخيرة ولم يعد أحد يغض الطرف عن المفارقات الفاقعة وتلال قرارات مجلس الأمن المتصلة بالقضية الفلسطينية، ولم ينس الناس بعد ما قامت به أمريكا وأوروبا في مارس الماضي من نسف قرار متواضع يدعو إلى توفير الحد الأدني من الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين تحت الاحتلال وتفعيل إتفاقيات جنيف ذات الصلة بهذه الحقوق الإنسانية، حتى ان الدول التي تتميز بمواقف متشددة ضد العراق مثل السعودية والكويت هي الأخرى لن ترضى أو توافق على أي عمل ضد العراق خلال الفترة المقبلة وفي ظل حالة التدهور الشديدة في تطورات القضية الفلسطينية. ـ ما هي انعكاسات توسيع الحرب على الداخل الأمريكي في ظل انقسام الإدارة الأمريكية إلى صقور وحمائم إزاء ذات القضية؟ ـ هناك في داخل الإدارة الأمريكية مجموعة من المسئولين يرون ضرورة العمل على تغيير النظام الحاكم في العراق، على أساس أن صدام حسين هذا رجل ديكتاتور ولا أحد يعرف ماذا يفعل وإلى أين وصل فيما يتعلق بتطوير برامج العراق التسليحية، وما يشجع هؤلاء أن هناك قانونا أمريكيا قد صدر بالفعل من الكونجرس وحدد ملامح العمل الأمريكي المنتظر للقيام بهذه الخطوة ورصدت المبالغ المالية لتنفيذه وتم التنسيق مع المعارضة العراقية في الداخل والخارج بشأنه، وهذا الفريق المتشدد يأتي على رأسه وزير الدفاع ومستشارة الامن القومي وغيرهم وهم مجموعة جاءت منذ فترة الحرب الباردة ولا تؤمن بسياسة الصبر على الآخرين، وهؤلاء يوافقون تماما على ضرب العراق ويحاولون إقناع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش لإتخاذ هذه الخطوة ويرون أن أي تأخير في هذا الأمر سيشمل مشكلة مستقبلية للنظام الأمريكي، فالأمريكان يريدون أن يكون لهم سلطة تفتيشية على العالم كله، ووراء هؤلاء المتشددون في الإدارة الأمريكية أعضاء في الكونجرس الأمريكي وأساتذة جامعات يؤيدونهم ويدعمون مواقفهم، كما تقف إسرائيل في نفس الخندق فهي ومنذ أحداث 11 سبتمبر لم تترك فرصة إلا وحاولت استغلالها للوقيعة بين العرب وواشنطن. ـ في رأيكم ماذا سيكون عليه العمل العسكري المتوقع ضد العراق ضمن ما يسمى بالمرحلة الثانية للحرب الأمريكية ضد الإرهاب؟ إنني أعتقد أن العمل العسكري المتوقع ضد العراق سوف يستهدف في حده الأقصى إذا حدث إعادة محاولة تغيير النظام الحاكم بالقوة العسكرية عن طريق القصف الجوي وتحريك فصائل المعارضة على الأرض وتمكين بعض قوى النظام من الإنشقاق عليه كما حدث في أفغانستان، وهذا السيناريو قد يبدو مقنعا على الورق لكن الوضع في العراق ليس مشابها لأفغانستان ولا تملك قوى المعارضة العراقية تاريخا عسكريا نضاليا مماثلا لقوى تحالف الشمال الأفغاني ولن تجني الولايات المتحدة من وراء هذا السيناريو إلا فوضى عارمة لن يمكن السيطرة عليها ولا تملك هي وحلفاؤها الأوروبيون التكلفة الاقتصادية ولا العسكرية لإعادة الأوضاع إلى استقرارها السابق. أما الحد الأدنى المتوقع للعمل العسكري الأمريكي يضيف د. قدري سعيد فهو الأكثر واقعية وغالبا سيبنى على ما سبق تحقيقه من خلال توظيف العمل العسكري للضغط على العراق بما يؤدي إلى عودة الأمم المتحدة واستئناف أعمال التفتيش على أسلحة الدمار الشامل وفي أي من السيناريوهين السابقين لن تكون فرصة النجاح كبيرة إلا إذا وضع الأمر كله ضمن إطار إقليمي ينشد المصلحة العليا لاستقرار المنطقة وهو ما يصب أيضا في مصلحة الولايات المتحدة وأوروبا، وأن يتم التعامل مع مشاكل المنطقة بأسلوب مختلف يجعل من أحداث 11 سبتمبر نقطة تحول في تناول الولايات المتحدة لطريقة حل مشاكل المنطقة وبداية إستجابة مختلفة عاقلة ومسئولة لدول المنطقة بالنسبة لتحديات المستقبل، أي أن المطلوب هو تحقيق الاستقرار والقضاء على الإرهاب وحل القضية الفلسطينية في حزمة واحدة. ـ هناك مطالبة أمريكية بضرورة سماح العراق للجان التفتيش بمتابعة عملها وهو ما يرفضه العراق حتى الآن فما هو رأيك في ذلك؟ ـ لو نظرنا إلى الأمور نظرة شاملة فسوف نرى أنه لم يعد مقبولا من العراق رفض دخول لجان التفتيش لإنهاء مهمتها وإبراء ذمة العراق خلال فترة محددة يتم بعدها رفع الحصار عنه ويعود عضوا فاعلا في منظومة المنطقة والعالم ولن يكون مقبولا في الوقت نفسه من الولايات المتحدة اعتبار العراق مجرد امتداد لحركة طالبان من الواجب سحقه وتدميره أو الجري خلف أفكار عفى عليها الزمن بتغيير النظم والحكام بقوة السلاح الأجنبي أو استمرار العمل وفقا لمعايير مزدوجة لم يعد أحد يقبل بها، أي أنه أمام العراق والولايات المتحدة فرصة سانحة يجب انتهازها بقليل من الخيال السياسي لتخرج الدولتان من أزمة العلاقات بينهما فائزتين ومعهما المنطقة كلها وعموما فأمر الضرب بالنسبة للعراق ليس في يد الرئيس بوش فقط ولابد أن هناك تفاعلات على مستوى الداخل الأمريكي ستحدث في الفترة المقبلة، كما أن الولايات المتحدة لن تقدم على ضرب العراق إلا إذا تصرف بحماقة. ولذلك يجب عليه أن يفوت الفرصة هذه المرة على الذين يصطادون في الماء العكر، بأن يوافق على رجوع لجان التفتيش لأنها ستكون الذريعة التي تتذرع بها الولايات المتحدة لضربه، وخاصة أن هذا الأمر لن يمثل جرحا لكرامته لأن عمل هذه اللجان سيكون استكمالا لعملهم السابق، كما أن الضجة التي صاحبت خروج المفتشين في المرة السابقة واتهامهم بأنهم كانوا جواسيس وعملاء للموساد والـ ءة سوف تجعل المفتشين الجدد يضعون ذلك نصب أعينهم وهم يؤدون عملهم هذه المرة. وينهي د. قدري حديثه بالتأكيد على ضرورة تفويت الفرصة على إسرائيل التي تعمل وبجد منذ أحداث 11 سبتمبر على أن تصل العلاقات العربية الأمريكية إلى مستوياتها الدنيا وبما يخدم مصالحها ومن أجل ذلك تسخر كل إعلامها والمتعاطفون معها في الخارج لمشاركتها في هذا المخطط الذي لا يستهدف ضرب العراق فقط بل وقد يمتد إلى أماكن عربية أخرى وتحت ما يسمى بمكافحة الإرهاب، في حين تنفرد هي بالفلسطينيين وتستمر في عدوانها الغاشم عليهم، لابد أن نفوت عليها هذه الفرصة، كما لابد أن نعمل على حشد المواقف الداعمه للحقوق العربية من بعض الأوروبيين وغيرهم من أجل الضغط على الولايات المتحدة وحتى لا تنساق هكذا وراء إسرائيل. القاهرة ـ مكتب «البيان»: