يظهر من تصريحات الرئيس الامريكي ان الحرب الجديدة التي سوف تخوضها الولايات المتحدة الامريكية في المستقبل ستكون حربا طويلة على الدول التي لاتزال ترعى ما يسمى «بالجماعات الارهابية». كما ان هذه الحرب سوف تكون حربا معقدة ومتشعبة وتدار بمختلف الوسائل العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية، ومثلما عملت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية على تعبئة العالم الغربي لمواجهة الشيوعية فها هي تعمل اليوم جاهدة لاقناع المجتمع الدولي بضرورة التنسيق والوقوف معها لمواجهة التحدي الجديد، ومع ان العديد من الدول خاصة دول العالم الثالث تؤمن بأن الارهاب ظاهرة يتوجب مقاومتها إلا انها تتخوف من احتمال ان تستغل الولايات المتحدة الامريكية الظرف الدولي الجديد لتفرض على هذه الدول مبادئها السياسية والاقتصادية عندئذ تتحول الولايات المتحدة الامريكية الى شرطي تملي اوامرها على هذه الدول وفي حالة ما اذا عارضت اية دولة التوجهات الامريكية الجديدة فإنه سوف تتخذ الولايات المتحدة الامريكية في حقها اجراءات ردعية كالمقاطعة الاقتصادية كما هو حاصل مع العديد من دول العالم. الواقع ان هذه السياسة بدأت الولايات المتحدة الامريكية تتعامل بها مع الدول التي لاتزال تتحفظ من مساندة الولايات المتحدة الامريكية في حربها الجديدة وهو ما جعل معظم الدول تسارع الى الاعلان عن تأييدها لسياسة الولايات المتحدة الامريكية وذلك خوفا من الاجراءات التي قد تتخذها الولايات المتحدة على وقوفها ودعمها لها وذلك برفع العقوبات الاقتصادية عليها وشكرتها على اتخاذها مثل هذا القرار الذي لم تكن تنتظره الولايات المتحدة لانه لا يعقل تفتح دولة كباكستان تكن عداء للولايات المتحدة الامريكية قواعدها العسكرية للقوات الامريكية، فمثل هذا الاجراء سوف يسري في المستقبل على كل الدول التي ترفض الانصياع للقرارات الامريكية خاصة منها دول العالم الثالث، وباعتقادنا ان الولايات المتحدة الامريكية تجد الوقت مناسباً لتوسيع دائرة هيمنتها على العالم. فمثلما كانت حرب الخليج الثانية فرصة للولايات المتحدة الامريكية لتعلن عن بداية عهد جديد تشرف بمفردها على ادارته، فإن حرب افغانستان كانت فرصة ايضا لتعلن الولايات المتحدة الامريكية عن مواصلتها ما اسمته بالحرب الجديدة على «الجماعات الارهابية» إلا ان الحقيقة غير ذلك وهي ان الولايات المتحدة الامريكية قد اعلنت حربها الجديدة على جميع الدول التي لاتزال تعارض سياستها الجديدة سواء كانت دولاً اوروبية او عربية او غير عربية، فصحيح ان الولايات المتحدة الامريكية بدأت تهييء الرأي العام الدولي لضرب بعض الدول العربية التي قالت عنها انها دول ترعى ما تسميه «الارهاب الدولي» كالعراق والصومال مثلا والحقيقة انها تريد ضرب هذه الدول ليس لان هذه الدول تحتضن على اراضيها جماعات ارهابية مناهضة للولايات المتحدة الامريكية بل تريد ان تضرب هذه الدول لان لها معها حسابات سابقة تريد امريكا تصفيتها، فالعراق مثلا تصدى للقرارات الامريكية الصادرة من مجلس الامن الدولي بأن اوقف عمليات التفتيش على الاسلحة واعتبرت الولايات المتحدة الامريكية ما اقدم عليه العراق اهانة لقوة عظمى لها هيبتها وسمعتها مثل الولايات المتحدة الامريكية وقد قال الرئيس الامريكي ذلك منذ الايام الاولى لحرب افغانستان ان الولايات المتحدة الامريكية تراقب عن قرب النظام العراقي وما عليه إلا الانصياع للقرارات الدولية وكان يعني بكلامه ان العراق هو ضمن الخطط العسكرية الامريكية المستقبلية لذلك لا نستبعد ان تبدأ الحملة الاعلامية والدبلوماسية خلال الاسابيع القادمة على العراق لدفعه الى الرضوخ الى القرارات الاممية وفي حالة رفضه ذلك سوف يجد الرئيس الامريكي الذريعة لتوجيه ضربات عسكرية وسوف يلقى مساندة من حلفائه الاوروبيين الذين اصبحوا يشاركون في جل العمليات التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية وليست مشاركتهم من اجل ارضاء الادارة الامريكية بل من اجل ضمان مصالحهم ولكي لا يخسروا مكاسب اقتصادية وسياسية واستراتيجية في الترتيبات الدولية الجديدة فيما يسمى بالنظام الدولي الجديد لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، وذات السيناريو بدأ يجري التحضير له مع الصومال الذي اعلن استعداده لقبول قوات امريكية على سواحله لمراقبة تسلل «جماعات ارهابية» الى اراضيه، اما لماذا تذكر الصحف الامريكية والاوروبية الصومال كبلد مستهدف وكحلقة من حلقات الحرب الجديدة على الارهاب فمرد ذلك ان الولايات المتحدة الامريكية لاتزال تكن حقدا دفينا للشعب الصومالي على ما فعله بالقوات الامريكية التي كانت متواجدة بالاراضي الصومالية عام 1993 فقد تكبد الجيش الامريكي على ايدي قوات فرح عيديد وقتها خسائر فادحة في صفوفه لا تعلمها إلا الادارة الامريكية. وتعتقد الادارة الامريكية ان حسابها مع الصومال لم ينته بعد ولن ترتاح إلا بعد ما تشفى غليلها وباعادة ترتيب البيت الصومالي من الداخل وتضمن نظاما مواليا لها. لقد وجدت الولايات المتحدة الامريكية ورقة ما تسميه «بالارهاب الدولي» ورقة رابحة تعيد بها ترتيب الحياة الدولية من جديد ولكن بالتركيز اساسا على البيت العربي. ومع انها تعلم ان معظم الجماعات الارهابية تتواجد على الاراضي الامريكية وعلى اراضي الدول الاوروبية إلا انها تستغل ورقة الجماعات الارهابية لتمرر مخططاتها في المنطقة العربية فكما يجري في فلسطين حيث تطالب بتفكيك الجماعات المقاومة للاحتلال الاسرائيلي مع ان هذه الجماعات لا تهدد المصالح الامريكية بل هي جماعات مقاومة للاحتلال، إلا ان الادارة الامريكية تريد ان تصور جل جماعات المقاومة المناهضة لسياستها ولاسرائيل في المنطقة على انها جماعات ارهابية يتوجب مقاومتها وتفكيكها لتمرير المخطط الاسرائيلي والامريكي والمتمثل في فرض الامر الواقع في المنطقة اي بابقاء اسرائيل محتلة للاراضي العربية تحت انظار الولايات المتحدة الامريكية وفي اعتقادنا ان التوجه الامريكي في الشرق الاوسط سوف يكون منطلقاً من القاعدة القائلة بأنه لا عودة الى حدود عام 1967 إلا اذا فككت الدول العربية المواجهة لاسرائيل «سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية» جماعات المقاومة وغيرت هذه الدول من نظرتها العدائية لاسرائيل عندها سوف تفكر الولايات المتحدة الامريكية في وضع مخطط للسلام في المنطقة. كما ان الحرب الامريكية الجديدة لا تستثنى حتى الحلفاء الاوروبيين للولايات المتحدة الامريكية إلا ان الولايات المتحدة الامريكية لا يمكنها ان توجه ضربات على هذه الدول مع انها تعلم ان العواصم الاوروبية تعد وكرا للعديد من جماعات الارهاب كبريطانيا وفرنسا التي تقدم الرعاية الكاملة لهذه الجماعات خاصة العناصر منها المحكوم عليها بالاعدام في دولها فهي تقيم في الاراضي الاوروبية وتتلقى الحماية من باب الدفاع عن حق الانسان في الحياة، مع العلم ان العديد من هذه العناصر «خاصة العناصر المصرية والجزائرية» قامت بعمليات قتل للمدنيين في دولها ومع ذلك لم يحدث ان طالبت الولايات المتحدة الامريكية العواصم الاوروبية بايقاف ايواء هذه العناصر ولم تطالب بوجوب تسليمها الى دولها بل راحت تتهم بعض الدول العربية باحتضانها للجماعات الارهابية ومع ذلك بدأت الولايات المتحدة تتذمر من التحركات الاوروبية التي ترى انها تهدد مصالحها فادعت ان الحرب الجديدة على الارهاب تستدعي منها ان تكون اكثر مقدرة عسكرية واكثر جاهزية للمرحلة المقبلة لذلك يتعين عليها ان تتمتع بهامش من التحرك العسكري والتكنولوجي اي انها سوف تواصل برامجها العسكرية المتطورة جدا فبالاضافة الى مشروعها للدرع الصاروخية الذي قالت عنه إنه جاء كرد فعل على التحديات والمخاطر الامنية الجديدة راحت تعلن مباشرة بعد انهاء عملياتها العسكرية على افغانستان انسحابها من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ وارادت الولايات المتحدة الامريكية بهذا القرار ان تقول لروسيا ولدول الاتحاد الاوروبي انهم هم ايضا يهددون مصالحها ويعرقلون مشروعها الدولي لاقامة نظام دولي بمقاس امريكي واذا كانت امريكا تعرف ان روسيا لا تشكل اي خطر عليها إلا انها لاتزال تتخوف من المشاريع الوحدوية الاوروبية التي تصب في اتجاه الاستقلالية عن الولايات المتحدة الامريكية بدليل ان الدول الاوروبية لم تعد حليفتها الرئيسية كما كانت بالامس « في حرب الخليج مثلا» وظهر ذلك جليا خلال حرب افغانستان فالعديد من الدول الاوروبية باستثناء بريطانيا اعلنت عن تأييدها للضربات الامريكية لكنها لم تشارك بشكل مباشر في هذه الحرب اللهم إلا بعض العمليات الانسانية كانت قامت بها في افغانستان. ففرنسا مثلا لم تشارك في الضربات العسكرية على افغانستان وكتبت الصحف الفرنسية عن هذه الحرب تقول ان امريكا تريد ان تجر اوروبا في حرب غير متكافئة بل انها لم تقدم الدليل الكافي على تورط جماعة ابن لادن، وراحت هذه الصحف تقول ان اوروبا تعارض ضرب العراق لان اوروبا الموحدة باتت اكثر قناعة من انه عليها ان تعرف كيف تحافظ على مصالحها الاستراتيجية في العالم، معنى هذا الكلام ان الولايات المتحدة الامريكية سوف تتلقى معارضة شرسة على عملياتها العسكرية المستقبلية ضد اية دولة تدعي انها تحتضن ما تسميه «بجماعات الارهاب» لان ما تقوم به اصبح معروفا لدى دول العالم وهو ان هدف امريكا ليس القضاء على ظاهرة ما تسميه بالارهاب بل الهدف هو احتواء الدول التي تعارض التوجهات الامريكية الجديدة سواء اكانت دولاً عربية او اوروبية. ومع ان الولايات المتحدة الامريكية تعرف مسبقا ان دول العالم تعرف اهداف امريكا من العملية المستقبلية إلا انها لا تأبه بذلك بل انها سوف تمضي في خططها العسكرية والسياسية لانها تمتلك وسائل الردع والمقدرة العسكرية وما على دول العالم إلا الانصياع للقرارات الامريكية وإلا اتخذت امريكا في حقها اجراءات ردعية وأول المتضررين من المخطط الامريكي الجديد هي الدول العربية التي بدأ يجري الاعداد لتنفيذ الشطر الثاني من الحرب الجديدة من خلال المطالبة بتفكيك المنظمات الفلسطينية المقاومة لاسرائيل الى احتمال ضرب العراق والصومال كما يقول ذلك المسئولون الامريكيون. ولكن التساؤل هل في مقدرة الدول العربية والاوروبية التصدي للمشروع الامريكي؟ للحقيقة تجد الدول العربية نفسها في وضع صعب للغاية فهي من جهة تعرف انه ليس باستطاعتها مواجهة المخطط الامريكي لانها لا تمتلك وسائل المواجهة كما ان الوضع العربي الراهن الذي يتم بالتفكك لا يشجع على التصدي للمشروع الامريكي وقد لاحظنا كيف ان الدول العربية لم تندد حتى بالاعمال الارهابية الاسرائيلية وذلك خوفا من العقاب الامريكي عليها، وهذه حقيقة اصبحت تعيشها الدول العربية لذلك نعتقد ان اسرائيل سوف تستفيد من الحرب الامريكية الجديدة بدليل انها تحصلت على الضوء الاخضر الامريكي لاحتلال الاراضي الفلسطينية من جديد لانها تعرف مسبقا ان الدول العربية ليس في مقدورها ان تندد او تواجه الاعمال الارهابية الاسرائيلية، اما الدول الاوروبية فإنها سوف تجد نفسها تنجر خلف المخطط الامريكي لانها لا تخسر شيئا بل العكس فإنها تريد ان تتحصل على مكاسب اخرى في الترتيبات الدولية الجديدة على حساب الدول العربية والدول المغلوبة على امرها لاجل ذلك يمكن القول ان امريكا وجدت في الحرب التي اعلنتها فرصة لن تعوض لتمرير مشاريعها ومشاريع حلفائها «خاصة اسرائيل» لكي تقيم نظاما يتماشى واهدافها كقوة عظمى منفردة بالادارة الدولية. بقلم: خير الدين العايب ـ كاتب جزائري