في حديثه للشعب الأمريكي عند بدء العمليات العسكرية في أفغانستان أعلن الرئيس جورج بوش ان الحرب ضد الإرهاب هي حرب طويلة وإنها غير قاصرة على أفغانستان بل ستمتد إلى الدول التي تشجع الإرهاب وتدعمه، وإلى الدول التي تأوي الإرهابيين دون ان يحدد أي من هذه الدول، وقد أثار هذا القلق في عدد من الدول العربية والإسلامية خاصة بعدما أعلنت الإدارة الأمريكية عن قوائم الأشخاص المطلوبين وعن قوائم بعض المؤسسات والمنظمات التي ترى أنها على علاقة بتنظيم القاعدة الذي يرأسه ابن لادن، أو أنها تقوم بتمويل الإرهابيين من وجهة النظر الأمريكية. وزاد من القلق العربي والإسلامي ان الأشخاص المطلوبين ونسبة كبيرة من المؤسسات والمنظمات الواردة في القوائم الأمريكية هي مؤسسات ومنظمات إسلامية وعربية، بعضها منظمات أهلية غير حكومية خيرية والبعض الآخر مؤسسات اقتصادية لها نشاط متشعب في العديد من دول العالم بما فيها الدول العربية والإسلامية، إلا أن ملكيتها وإدارتها لاشخاص من العرب والمسلمين والواقع ان هذه القوائم التي أعلنت عنها الإدارة الأمريكية لم يصحبها أي بيانات تؤكد أو توضح تورطها لما تسميه الولايات المتحدة الأمريكية بالإرهاب. كذلك جاء الموقف الأمريكي الرافض للتمييز بين الإرهاب وحق الشعوب المحتلة أراضيها في مقاومة دولة الإحتلال وهو الحق الشرعي للدفاع عن النفس الذي تضمنه اتفاقية جنيف الرابعة وأحكام القانون الدولي والشرعية الدولية، ليزيد الموقف تعقيدا ولكن ما آثار الريبة والشك بدرجة واضحة هو نجاح شيمون بيريز في اقناع الإدارة الأمريكية بإدراج حزب الله الذي يقود المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الإحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا على لائحة المنظمات الإرهابية، إضافة إلى بعض المنظمات الفلسطينية الأخرى ومحاولة إسرائيل اقناع الرأي العام الأمريكي والإدارة الأمريكية بأن ما تقوم به من أعمال قمع وحشية للإنتفاضة الفلسطينية إنما يدخل في نطاق الحرب ضد الإرهاب. وبعد ان حققت الولايات المتحدة أهدافها في أفغانستان بدأ الحديث عن العراق يتجدد، من خلال محاولة الولايات المتحدة إحياء مشروع قرار العقوبات الذكية على مجلس الأمن، والتهديد الصريح الموجه للعراق على لسان الرئيس الأمريكي بضرورة امتثال العراق لقرار مجلس الأمن الدولي بالسماح بدخول المفتشين الدوليين وإلا فإنة سوف ينال العقاب الرادع. وبدأت وسائل الاعلام الأمريكية تتحدث عن الخطر الذي يمثله النظام العراقي على الأمن في المنطقة وعن تطويره لأسلحة الدمار الشامل، وعن الضغوط التي يتعرض لها الرئيس الأمريكي من الكونجرس من أجل توجيه ضربة للعراق للقضاء على نظام الرئيس صدام حسين، باعتبار ان الحرب ضد العراق لم تنته بعد لانها لم تحقق الهدف منها وهو القضاء على هذا النظام، وبالرغم من نفي كولن باول وزير الخارجية الأمريكي وبعض المسئولين في الإتحاد الأوروبي ان الولايات المتحدة وبريطانيا تستعدان للقيام بعمل عسكري ضد العراق، إلا ان أحدا منهم لم يستبعد حدوث هذا في الوقت الذي تراه الإدارة الأمريكية مناسبا. من ناحية أخرى ظهرت بعض تحليلات مراكز البحوث الأمريكية في الفترة الأخيرة والتي ركزت على تحليل ظاهرة الإرهاب، فأرجعتها إلى الفقر واليأس والإحباط وغياب الديمقراطية وعدم قدرة بعض النظم السياسية العربية والإسلامية على توفير فرص العمل والعيش الكريم لابنائها، وهو ما يعني تحميل هذه النظم مسئولية تنامي ما تسميه الولايات المتحدة بالإرهاب. وظهرت بعض التهديدات الأقل حدة إلى بعض الدول العربية كسوريا على سبيل المثال بدعوى أنها تأوي جماعات إرهابية وهي جماعات المقاومة الفلسطينية وتتعاون مع النظام العراقي خاصة بعد تشغيل أنبوب النفط السوري في ميناء بانباي الذي ينقل لسوريا نفطا من العراق خارج برنامج الأمم المتحدة المعروف باسم النفط مقابل الغذاء، ونفس الشيء بالنسبة للسودان حيث لم يتم رفعها من قائمة الدول المساندة للإرهاب بالرغم من التعاون الواضح الذي أبدته الحكومة السودانية ثم جاءت زيارة وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشئون منطقة القرن الأفريقي لاديس أبابا ولقائه مع الرئيس الأثيوبي زيناوي للبحث في سبل التعاون للقضاء على المنظمات الإرهابية في الصومال، ولقائه الزعيم الصومالي المنشق محمد عيديد لذات الغرض لتوضح ان الإدارة الأمريكية تخطط للمرحلة القادمة في حربها ضد ما تسميه بالإرهاب وأن المنطقة العربية تدخل في نطاق هذه الحرب، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية والدولية على الدول العربية من أجل وضع ضوابط لعمل الجمعيات الأهلية غير الحكومية التي ترى الولايات المتحدة أنها تمول النشاط الإرهابي بشكل مباشر أو غير مباشر. وبهذا تكون واشنطن قد حددت بوضوح ان المرحلة التالية من حربها ضد ما تسميه بالإرهاب سيكون ميدانها في المنطقة العربية، وأن المسألة مسألة اختيار التوقيت والمكان الملائم وفقا للأولويات الأمريكية، وذلك للاعتبارات التالية: أولا: أن العمليات العسكرية في أفغانستان حققت هدفها الاستراتيجي خاصة فيما يتعلق بتهدئة الرأي العام الأمريكي، حيث أنها تقدم نموذجا للانتقام مما حدث في واشنطن ونيويورك يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، كما أنها وفرت للإدارة الأمريكية التي اهتزت من جراء هذه الاحداث التفاف الشعب الأمريكي من حولها في الحرب، إلا ان هناك هدفا آخر تسعى الولايات المتحدة الى تحقيقه ويتمثل في استعادة مكانتها العالمية بوصفها القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، وهذا لن يتأتى إلا بإجبار كل من خرج على النص الأمريكي في السنوات السابقة للعودة إلى الالتزام بكل ما تراه الولايات المتحدة، فما كانت تسمح به الولايات المتحدة قبل الحادي عشر من سبتمبر الماضي لم تعد تسمح به الآن. ثانيا: إن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تطوير استراتيجيتها من الحرب ضد الإرهاب إلى أحكام سيطرتها على منابع النفط والممرات الملاحية الهامة في العالم، فقد أتاحت لها العمليات العسكرية في أفغانستان ان تجد لها تواجدا عسكريا بالقرب من حقول نفط بحر قزوين، الذي له تقدير خاص لدى خبراء البترول الأمريكيين في وزارة الطاقة الأمريكية التي ترى أنه يمكن ان يكون بديلا في المستقبل لنفط الخليج بالرغم من ان كافة التقديرات الأخرى لاحتياطي النفط في المنطقة ترى أنه يعادل احتياطي دولة الكويت، وهناك في موسكو فقد جاء لسياسة الرئيس بوتين التي اتاحت للولايات المتحدة هذه الفرصة. من ناحية أخرى فإنها تسعى إلى المزيد من السيطرة والتحكم في منطقة الخليج والتي ترى أنها منطقة مصالح حيوية بالنسبة لأمنها القومي، وفي ذات الوقت تبحث عن السبل للتواجد في منطقة القرن الأفريقي في ظل الدراسات الأولية التي تقول ان هذه المنطقة بها كميات هائلة من النفط. ثالثا كذلك تسعى الإدارة الأمريكية إلى توظيف هذه الحرب لتحقيق مكاسب استراتيجية وذلك من خلال فرض تسويات لبعض النزاعات والقضايا الساخنة في العالم بما يتواءم مع المصالح الأمريكية العليا في العالم ومنها النزاع في الشرق الأوسط، كذلك تريد توفير إطار ملائم لتوازن القوى في منطقة الشرق الأوسط يتواءم ومصالحها ومصالح حليفها الاستراتيجي في المنطقة، هذا التوازن الذي تسعى إليه يهدف إلى تحقيق الأمن المطلق لإسرائيل في القدرة الفائقة على ردع الدول العربية مجتمعة ومنفردة. رابعا: بعد النجاح الذي تحقق في أفغانستان ازداد تأثير الجناح المتشدد في الإدارة الأمريكية والذي يدعو إلى فرض السيطرة الأمريكية والإرادة الأمريكية على العالم، بما يحقق المصالح الأمريكية أولا ولو أدى هذا إلى المساس بمصالح أطراف أخرى بما فيها الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة. لهذه الأسباب فإن احتمال دخول المنطقة العربية في دائرة المرحلة المقبلة من الحرب الأمريكية هو أقرب الاحتمالات، خاصة وأن الرئيس الأمريكي جورج بوش يسعى إلى فترة رئاسة ثانية ويريد ان يستبدل الاخفاق الداخلي الذي تعرضت له إدارته بفعل أحداث 11 سبتمبر بنصر خارجي يساق على تحقيق هذا الهدف. ومن ثم فإن هناك العديد من السيناريوهات التي تم اعدادها في واشنطن بالنسبة للمرحلة المقبلة من الحرب الأمريكية ضد ما تسميه بالإرهاب بصفة عامة وللمنطقة العربية بصفة خاصة، وقد تكون البداية بالصومال أو العراق أو حزب الله في لبنان أو سوريا أو الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال سياسة إرهاب الدولة التي يمارسها شارون وعصابته، فالمسألة إذن ليست العراق وحده وإنما المنطقة العربية بأسرها، لأن تنفيذ أي سيناريو من هذه السيناريوهات الأمريكية يلحق اضرار مباشرة بالمنطقة العربية ككل. ويثور التساؤل حول موقف بعض أطراف التحالف الدولي وهل تتوافق هذه السيناريوهات مع مصالحهم أم تتعارض، معها، الإتحاد الأوروبي بما فيه بريطانيا يعارض توسيع نطاق الحرب بهذا الشكل لأن هذا يتعارض مع مصالحه، إلا ان الإتحاد الأوروبي لا يستطيع ان يقيد على المستوى الفعلي عمل آلة الحرب الأمريكية. ولعل تحليل التصريحات الأوروبية الواردة في هذا الشأن تؤكد هذا، كما ان روسيا الاتحادية وفي ظل ظروفها الاقتصادية والمعنوية الصعبة يصعب التنبؤ بإمكانية معارضتها القوية لأي من هذه السيناريوهات حيث ان الولايات المتحدة نجحت في إيجاد رابطة مصلحية مع روسيا الإتحادية قوامها مكافحة الإرهاب الإسلامي الذي يهدد وحدة الدولة الروسية ويهدد أمنها القومي إذا ما تواجد في الجمهوريات السوفييتية الإسلامية السابقة، كما ان الإدارة الأمريكية اعترفت ضمنيا بأن منطقة أسيا الوسطى منطقة نفوذ روسية الأمر الذي حقق قدرا من الإرتياح للرئيس الروسي فلادمير بوتين، كما ان هذه السيناريوهات تحقق مصلحة تركيا وهي عضو في التحالف الدولي والتي تريد اعتراف سوريا بأن لواء الاسكندرونه أرض تركية، كما ان لتركيا طموحاتها في منطقة الموصل بشمال العراق الغنية بالبترول حيث ترى أنها كانت جزءا من الأراضي التركية اقتطعته بريطانيا منها بعد الحرب العالمية الأولى وإنهيار الدولة العثمانية، وتجد تركيا في تحالفها مع إسرائيل ما يساعدها على تحقيق هذا الهدف، خاصة وأن أحد أهداف إسرائيل هو القضاء على العراق بدعوى أنه يهدد أمنها القومي. هكذا تبدو الصورة على أرض الواقع القائم الآن وهي تحمل العديد من المخاطر على المنطقة العربية بأسرها لا فرق في ذلك بين دولة ودولة أخرى بل وتنذر بإعادة رسم خريطة المنطقة بما يتواءم والمصالح الأمريكية ومصالح الحليف الاستراتيجي الذي يريد ان يتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة على التفاعلات الاستراتيجية في هذه المنطقة. فماذا يفعل العرب؟ هذا هو السؤال. بقلم: د.محمد سعد أبو عامود