الآن وقبل ان تنقشع اعمدة الدخان والغبار التي لا تزال طائرات «بي 52» الامريكية تلقيها يومياً على جبال تورا بورا، هل يمكن التكهن بما ستكون عليه الجولة الثانية من الحرب على افغانستان اومن الحرب الامريكية على الارهاب؟\ الجواب هو.. نعم... رغم ان جدلاً لا يزال يدور على أشده في دوائر صنع القرار الامريكي حيث تطفو تارة آراء صقور الادارة الامريكية (وزير الدفاع دونالد رامسفيلد.. ومستشارة الامن القومي كوندوليسا رايس)، وتارة اخرى اراء الحمائم الامريكيين (كولن باول.. وآخرين). واذا كان الجواب بـ «نعم» غير قاطعة، فما الذي يمكن ان يحدث وكيف ستتطور الحرب الامريكية على الارهاب وما هي الاشكال التي ستأخذها هذه الحرب الاولى في الالفية الثالثة والتي قال المسئولون الامريكيون انفسهم انها قد تستمر ما بين عشر سنوات وعشرين عاماً؟ بداية يتضح من التصريحات والاشارات التي اطلقها ويطلقها المسئولون الامريكيون في مركز القرار ان ساحة الحرب على الارهاب ستتسع وستمتد اولاً من افغانستان إلى ساحة الشرق الاوسط. فقد تركت امريكا الباب مفتوحاً امام توجيه ضربات عسكرية إلى العراق رغم تأكيد المسئولين وعلى رأسهم كولن باول بان الادارة الامريكية سوف تستشير حلفاءها قبل توسيع نطاق الحرب لتشمل دولاً اخرى غير العراق. لقد كثر الحديث في امريكا الآن عن ضرورة اسقاط الرئيس العراقي صدام حسين رغم ان المسئولين الامريكيين يعترفون بانه لا العراق.. ولا صدام لهما اي دور مؤكد ومباشر في دعم الارهاب. غير ان واشنطن اكدت اكثر من مرة ان صنع اسلحة الدمار الشامل وامتلاكها وبخاصة في الشرق الاوسط هو «عمل من اعمال الارهاب» وبامكان امريكا ان تبرر ضرب العراق تحت هذه اليافطة، تماماً كما بررتها خلال السنوات العشر الماضية. وان كان العراق هدفاً مرجحاً او شبه مؤكد للضربات الامريكية التالية فإن دولاً اخرى كالصومال وربما السودان ايضاً قد تكون هدفاً للانتقام الامريكي من هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي.. لاسيما وان مواقف الدول الاسلامية من قصف افغانستان قد تسهل على امريكا ضرب العراق. واذا كانت واشنطن قد نأت بنفسها تكتيكياً، ولاغراض الحفاظ على تماسك التحالف الدولي ضد الارهاب عن الاعلان صراحة بأن لبنان وسوريا وايران هي ايضاً دول مستهدفة في الحرب ضد الارهاب، فإن في الاعلان الامريكي الصريح وفي نشر قائمة باسماء المنظمات التي تصفها واشنطن بالارهابية والتي شملت اكثر من عشرين منظمة معظمها منظمات عربية تقاتل اسرائيل ومعادية لها، يشكل اعلاناً صريحاً بأن هذه المنظمات والدول التي ترعاها هي ايضاً هدف للحملة الامريكية الراهنة. وكانت حركتا حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينيتان وكذلك حزب الله اللبناني اضافة إلى الحركات الفلسطينية المعارضة كالجبهتين الشعبية والديمقراطية على رأس قائمة المنظمات الارهابية. وقد لقي الاعتبار الامريكي لمنظمات حماس والجهاد وحزب الله، منظمات ارهابية تأييداً كبيراً من جانب اوروبا حين دعا وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي في اجتماعهم الاخير في بلجيكا، الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى تفكيك المنظمتين واعتقال عناصرهما باعتبارهما منظمتين ارهابيتين. ولئن كان هذا الموقف الاوروبي من حركات تقاتل احتلالاً غير شرعي هو الاحتلال الاسرائيلي مفاجئاً فإنه شجع وبشكل كبير التحرك الامريكي للقضاء على تلك الحركات. وعلى الرغم من استبعاد ان تستخدم واشنطن آلتها العسكرية مباشرة لضرب حماس والجهاد وحزب الله او ضرب سوريا ولبنان لاعتبارات عديدة، فإن واشنطن تستخدم وبقوة الآن آلة الضغط السياسي والاقتصادي بقوة على سوريا ولبنان وايضاً على السلطة الوطنية الفلسطينية لتحقيق هدفها وهدف اسرائيل في القضاء على هذه المنظمات. واذا ما وجدت واشنطن ان ضغوطها المتمثلة بزيارات عدد من كبار مسئولي وزارة الخارجية الامريكية إلى سوريا ولبنان وفلسطين، غير ذات جدوى خلال الاشهر المقبلة فإن استخدام القوة العسكرية او التهديد بها ليس مستبعداً. وفي الوقت الضائع من الآن وحتى نهاية الحملة العسكرية الامريكية على افغانستان فإن نهاية الحرب على افغانستان لن تكون ابداً نهاية للحرب الامريكية على ما تسميه واشنطن بالارهاب، لاسيما وان واشنطن ذاتها، قد قدمت مؤشرات على ما ستفعله في المستقبل غير البعيد والذي بدأت التمهيد له خلال الاشهر الماضية ففي الوقت الذي تدير فيه اوروبا ومن ورائها حلفاؤها الاوروبيون اذناً صماء للدعوات والمناشدات العربية وبخاصة السورية والمصرية لتعريف الارهاب والتفريق بينه وبين النضال المشروع للشعوب للتحرر من الاحتلال، فإن واشنطن قد شرعت فعلاً في اجراءات لتثبيت اركان «الاسلام المهادن» وتقويض دعائم «الاسلام المقاتل» كجزء من مساعي امريكا لترتيب العالم على هواها متذرعة بالهجمات على مركز التجارة العالمي وعلى مبنى البنتاجون رمزا الهيمنة والسيادة الامريكية. وفي هذا السياق تصب الفتاوى التي صدرت قبل نحو اسبوعين سواء من المفتي محمد سيد طنطاوي مفتي الازهر الشريف او من المملكة العربية السعودية والتي كانت تشير صراحة او مواربة إلى العمليات الاستشهادية ضد اسرائيل، وبخاصة من جانب استشهاديي حركتي حماس والجهاد الاسلاميتين. وكان توني بلير رئيس الوزراء البريطاني يخدم الغرض الامريكي ذاته عندما تحدث قبل اكثر من شهر عن التيار الرئيسي الذي يجب ان يكون سائداً وان يدعم الاسلام بدلاً طبعاً من التيارات الأصغر التي يعتبرها الغرب متطرفة وراديكالية ولا تمثل الاسلام او المسلمين. ويمكن القول ان امريكا وضعت نصب اعينها تغيير كل العناصر الاسلامية التي ترفد «الاسلام المقاتل» من رموز وتفسيرات ومدارس دينية سواء في الشرق الاوسط او باكستان او آسيا الوسطى إلى عناصر تصب في خدمة «الاسلام المهادن». واعتبرت ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش تحقيق هذا الهدف جزءاً لا يتجزأ من حملتها على ما تسميه بالارهاب. وضغطت على دول ترتبط معها بعلاقات متينة كباكستان واليمن والسعودية لمساعدتها على تحقيق اهدافها. وبالتزامن مع الحملة العسكرية على افغانستان بدأت واشنطن اجراءات جذرية لتجفيف وقطع منابع الجماعات والحركات التي تصفها بالارهاب ووقف انشطة تمويلها والقضاء على مقومات وعناصر بقائها. وسيكون التركيز على هذه النقطة الهدف الراهن والمقبل من الحرب الامريكية على الارهاب، وذلك في الوقت الذي باشرت فيه امريكا واوروبا معاً اجراءات للحد من نشاطات رموز الحركات الاصولية في القارة الاوروبية وبخاصة في بريطانيا وفرنسا والمانيا. وعلى اية حال فإن الولايات المتحدة قد ابقت على كل هذه الخيارات مفتوحة في الحرب ضد الارهاب رغم تمكنها حتى الآن من القضاء على تنظيم القاعدة في جبال افغانستان فيما لا يزال زعيمه الملا محمد عمر ورفيق طريقه اسامة بن لادن طليقين هناك. بقلم: أنيس ديوب ـ صحفي سوري