ان المعركة الكبيرة والخطيرة التي بدأتها الولايات المتحدة في افغانستان لها اكثر من رهان مصيري، والعنوان او الرهان الخطير هو في مواصلة الحرب ضد الارهاب والقضاء عليه والمعركة الافغانية ليست سوى مقدمة لهذه الحرب، او المعركة الاولى التمهيدية لها، واذا كانت حركة طالبان وابن لادن وقاعدته يشكلون الاهداف الاولى فيها، فان الحركات والجماعات الارهابية اسلامية كانت ام غير اسلامية، لن تتوقف ولن تندثر حيث يعتقد كثيرون في واشنطن والعواصم الغربية بأن الحركات العقائدية المتطرفة والمتهمة بالارهاب سوف تنتقل الى دول عربية واسلامية اخرى بعد اجلائها عن افغانستان كما ان هناك في نظر المخططين الامريكيين اكثر من دولة عربية او اسلامية مهددة بلجوء الحركات الارهابية اليها، ومواصلة اعمالها انطلاقا منها، ومن هنا فان الخطوة الامريكية التالية في هذه الحرب هي اقصاء الارهاب في تلك الدول وبما يتلاءم مع امنها وسلامتها سواء كان ذلك بالتفاهم والتوافق تارة او باستخدام اسلوب الردع العسكري وتوجيه ضربات او فرض حصار تارة اخرى. وبعد حرب الاجواء او حرب باطن الارض، او بالاحرى حرب الكهوف بحثا عن ابن لادن وقياداته، وعمليات القصف الجوي لافغانستان، فانها لم تكن في الواقع الا جزءا معلنا عن مخطط الحرب السرية لمطاردة ابن لادن والتخلص منه، وهذه الحرب الفعلية انطلقت عمليا منذ الثالث عشر من سبتمبر اي بعد يومين من عمليات نيويورك وواشنطن بوصول خمسين عنصرا من كوماندوز SAS البريطانية وحوالي مئة من كوماندوز في وحدة دلتا الامريكية المتخصصة في مكافحة الارهاب في هذه المنطقة. ومنذ ذلك الوقت استمرت التعزيزات العسكرية السرية تتكثف تمهيدا لشن اكبر عملية مطاردة في التاريخ على ايدي وحدات كوماندوز من آلاف العناصر الاكثر تدريبا وتسليحا تنتمي الى اقوى وحدات القوات الخاصة والعمليات السرية في ابرز جيوش العالم في طليعتهم الامريكيون والبريطانيون، واذا كانت حرب عاصفة الصحراء وكوسوفو قد ميزتا حروب نهاية القرن العشرين بما يسمى بحروب العمليات الجراحية والتكنولوجيا المتطورة فان اول حرب في القرن الحادي والعشرين دخلت التاريخ بعد تدشينها لما يعرف عسكريا بـ «حروب الظل» او الحروب السرية التي لاتقودها الجيوش الجرارة بل القوات الخاصة ووحدات الكوماندوز القليلة العدد والمتخصصة في العمل خلف خطوط العدو، والاكثر كفاءة على تعقب ومطاردة تنظيمات مسلحة ومتحركة مثل ابن لادن وجماعته. وجملة من الاسئلة التي تفرض نفسها الان ومنذ السابع من اكتوبر اليوم الذي بدأت فيه الولايات المتحدة ضرب افغانستان هذه الحرب ضد من على وجه التحديد؟ وماهو الهدف النهائي لها؟ ومن هو العدو المنظور الذي يمكن ان تتجه اليه لاحقا، وهل هذه الحرب عادلة؟ واي نوع من الحروب تلك وما مداها؟ هل هي حرب محدودة ام شاملة قصيرة ام طويلة؟ وهل تستطيع واشنطن ان تسيطر على هذه الحرب فتحدد مداها الجغرافي وعمرها الزمني نعم لقد بدأتها الولايات المتحدة فهل تستطيع ان تنهيها ام انها يمكن ان تخرج عن سيطرتها وقبل هذا وبعده كيف تقبل دولة عظمى مثل الصين ودولة عظمى اخرى مثل روسيا بوجود قوات امريكية بهذه الكثافة في ظهرها والى جوارها؟ وبماذا نفسر ذلك التناقض الحادث حيث ان الشارع العربي والاسلامي يقف ضد امريكا في هذه الحرب بينما تقف بعض الانظمة والحكومات الى جوارها؟ وهل ان القضاء على الارهاب يتم بحرب نظامية منفردة تقوم بها امريكا وبعض اتباعها ام يتم القضاء على الارهاب من خلال مؤتمر دولي تحت مظلة الامم المتحدة من اجل ارساء نوع من العدل بين الشعوب؟ والواقع ان مايجري في افغانستان حرب من نوع جديد لانها ضد عدو ليس مرئيا ولا يمكن تحديد ابعاده بدقة وهي ليست حربا نظامية رغم ان الذي يقوم بها جيش نظامي، والحروب النظامية تكون واضحة الاهداف والمعالم ويمكن تحديد اهداف الضربة العسكرية وقياس اثارها الملموسة بالمعايير السياسية والعسكرية، اما هذه الحرب فليس لها معالم واضحة لان تنظيم القاعدة ليس معروفا بدقة وليس له جيش نظامي ولكنه حركة مسلحة تستخدم العنف لتحقيق اهداف سياسية معينة تعتمد على ميليشات خفيفة التسلح سريعة الحركة مما يمكنها من التمويه والخداع والاختفاء وتغيير المواقع. وفي الوقت نفسه فان الرئيس الامريكي يريد اليوم بخلاف ما كان يريده بالامس، نصرا حقيقيا للشعب الامريكي يؤكد معه استمرار الهيمنة الامريكية على العالم وتشكيل ائتلاف دولي يكرس هذه الهيمنة ويؤمن في الوقت نفسه ردع كل دولة او تنظيم يستخدم الارهاب كاسلوب للتصدي لهذه الهيمنة. لذلك ورغم القناعة التامة لدى جميع دول العالم، بان تعبير الارهاب أصبح بمثابة التهمة الجاهزة التي يمكن للولايات المتحدة توجيهها في اي اتجاه تحرص العديد من الدول على التعامل مع مثل هذه الاتهامات باقصى درجات الجدية وتحاول جاهدة العمل على تحسين الصورة من خلال ابراز ملف كامل من شهادات حسن السلوك وكذلك الاستجابة الى مختلف الطلبات الامريكية بغض النظر عن مدى منطقيتها. واعتبر البيت الابيض ان المهمة التاريخية التي يجب القيام بها في بداية هذا القرن الواحد والعشرين تقضي بتدمير كل «محارب» الارهاب وملاجئه ولكن القضاء على ابن لادن وعلى القاعدة لن يؤدي في طبيعة الحال الى محو الاخطاء الارهابية التي قد تواجهها مما يجعلها تشمل في هذا الاطار كل انواع التهديدات الممكن اطلاقها صوب الاهداف التي ترتأيها قد تمثل خطرا في هذا الاطار. لهذا السبب فالادارة الامريكية بمن فيها وزير الخارجية كولن باول تشدد في الآونة الاخيرة على ضرورة مواصلة حرب افغانستان في كل مكان يوجد فيه ارهابيون او اصدقاء للارهابيين. واشارت واشنطن بأصابع الاتهام الى العراق والصومال والسودان واليمن والجماعات المسلحة العاملة في الشرق الاوسط غير مميزة بين من يقاوم الاحتلال في بلاده ومن يمارس الارهاب خارج ارضه وبعيدا عن وطنه. فالحرب التي بدأت في افغانستان لن تنتهي على الارجح في افغانستان، فصدمة سبتمبر افقدت الادارة الامريكية صوابها، فبدا شبه منطقي ان تستعين بكل خبرة، وان يتصاعد الصوت الهيستيري القائل ان الذي حدث قد حدث نتيجة للتساهل مع الطروحات النيوليبرالية في حقبة كلينتون بالتركيز على البرامج الاجتماعية والطروحات التحررية على حساب النزعة العسكرية والتشدق الامبراطوري وهيبة سياسات الذراع الطويلة وغير ذلك من اوهام الجمهوريين. لكن أياً كانت الظروف النفسية التي تمر بها نخبة الحكم في الولايات المتحدة لم يكن بمخيلة أحد ان يصل تخبط هذه النخبة الى نشر تأكيدات عن اتجاهات متناقضة في اشارات لضرب دول عربية، فبعد ان أعلنت الادارة الامريكية عزمها الاعتداء على العراق، نقف أمام وجهين متناقضين يمثلان الجانب الرسمي الأمريكي، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يعلن في بداية الشهر الحالي بأن هناك اتجاهاً قوياً داخل الادارة الامريكية للقيام بعمل كبير ضد العراق، وينفي في الوقت نفسه وزير الخارجية كولن باول هذا التوجه، حيث ذكر في اليوم التالي مباشرة في التصريح آنف الذكر انه لا أساس للمخاوف العربية والأوروبية بشأن تنفيذ عدوان واسع على العراق. وقد يبدو ان الوزيرين الامريكيين في حالة تناقض سياسي، سيما اذا أضفنا انهما يمثلان منذ بدء الحملة الامريكية على ما يسمى بـ «الارهاب والقضاء عليه»، وجهين مختلفين، فالأول يعبر دائماً عن جماعة اليمين التي تتحرك داخل كواليس البيت الأبيض من أجل توجيه ضربات عسكرية مكثفة الى كل الدول المعادية لواشنطن، في حين يقدم الثاني نفسه على انه (صوت الضمير) الذي يحاول (لجم) الانفعال السياسي الامريكي مع الدول العربية والاسلامية، الا ان هذا التصور ليس صحيحاً، فالرجلان على اختلافهما وجهان لعملة واحدة يحركها الرئيس بوش بما يخدم سياسة الانتقام التي يتبعها منذ أحداث (سبتمبر) وهي تقوم على القوة المغلفة ببعض الشعارات وادعاء الانسانية، وبالتالي فما يهدد به «رامسفيلد» يعبر عن التوجه الرئيسي، بينما ما يقوم به «باول» لا يعدو ان يكون محاولة لتخفيف وقع ذلك على الآخرين. واذا كان ذلك واردا في هذا السياق.. واذا كانت «الطالبانية» بمفهومها السياسي والايديولوجي والثقافي في حالة مغلفة وطريقا مسدوداً، فهل النظام القائم في بغداد حالة مماثلة؟ الجواب هو لا بالطبع، لأن البنية السياسية والاقتصادية للعراق برهنت في فترة ما قبل حرب الخليج الأولى، كما في سنوات الحرب وفي فترة حرب الخليج الثانية، كما في سنوات الحصار القاسي انها قادرة على مواجهة كل الصعوبات وقادرة على تجاوز نفسها بقوة من أجل الصمود والاستمرار والمبادرة الخلاقة، والحضور العراقي في القرارين العربي والاسلامي، كما في القرار الدولي كان ولايزال حضورا فاعلاً، وبخلاف كابول التي لها وضع مختلف تماماً عن بقية دول العالم، ويحاول العراق بشفافية وقوة ان يدافع عن استقلاله وقراره الوطني وان يشارك في الدفاع عن حقوقه القومية العربية بدءاً بالحق في استعادة فلسطين والمقدسات الاسلامية، وافغانستان المعزولة سقطت اليوم، والعراق المنفتح على كل دور رائد يعاند الحصار ويحاول العودة الى نفسه والى أشقائه كما الى العالم، وسيكون موجعاً فعلاً ان يجد العراق نفسه مرة اخرى ضحية عدوان جديد يشارك فيه ابن بوش في غفلة عن العالم كله بدءا بالعالم العربي، فبعد ان أعلنت الادارة الامريكية عزمها الاعتداء على العراق أبدت دول المنطقة ومعها عدد من الدول الأوروبية تحفظاتها على هذا المخطط، مشيرة الى ان ذلك سيقوض التحالف الدولي ويفتح الباب لخلافات واسعة بين أعضائه. وقد ورد هذا على لسان المستشار الالماني جيرهارد شرويدر الذي طالب بالحذر قبل الاقدام على ضرب أهداف جديدة في الشرق الأوسط، في حين أبدت الادارة الروسية قلقها الشديد من مخاطر التهديد الأمريكي للعراق، مؤكدة انه لا دليل على تورط بغداد في أحداث سبتمبر. وعربياً كانت ردود الفعل على تصريحات رامسفيلد أكثر من واضحة في تصريحات لوزراء خارجية كل من مصر وسوريا والاردن، وفي هذه الاجواء جاءت زيارة كولن باول الى تركيا حيث أبدت الأخيرة رغبتها في تجنب أي تصعيد وخشيتها من مخاطر المشاركة في أي هجوم على العراق، وهو ما اعتبره المراقبون اغلاقاً لأهم الطرق التي كانت تخطط واشنطن للسير فيها قبل تنفيذ هجومها الواسع. وبجانب ذلك ايضا، ما يحدث على خط صنعاء ـ واشنطن، حيث تكرر اسم اليمن مرات عديدة في زاوية (اتهامية) محضة، الأمر الذي دفع بالحكومة في صنعاء الى بذل العديد من المحاولات من أجل نفي واستبعاد مثل تلك التهم المتكررة تلميحاً أو تصريحاً مقابل بعض التصريحات الرسمية التي تشير الى (الرضى) الامريكي عن تعاون صنعاء في مجال مكافحة الارهاب والتي تأتي بمثابة محاولات لتجميل بعض الموائد بين الحين والآخر، ويبدو ان ذلك وضع اليمن في موقف صعب خصوصا وان القرارات اليمنية وحتى العربية تذهب الى ما يمكن ان يدعو الى القلق في مجال طويل الأمد. وأما الأكثر صعوبة في الموقف اليمني فيتمثل بمحاولات الموازنة بين متطلبات الوضع الداخلي بكل تعقيداته والمطالب الامريكية التي تركزت على التشدد في مراقبة انتاج وتجارة العسل، حيث تعتقد واشنطن ان اسامة بن لادن هو المسيطر على تلك التجارة، وكذلك تزويد واشنطن وتحديداً الأجهزة الاستخباراتية بمعلومات عن رجال الدين وخطباء وأئمة المساجد ووضع حد لعمليات خطف الأجانب والتعامل مع هذه القضية من الناحية القانونية والتشريعية بحيث يتم النص قانونا على اعتبار ان ممارسة الخطف نوع من الارهاب الدولي وتشديد العقوبة على هذه العملية، وصنعاء استجابت لغالبية المطالب الامريكية، ولكن الواقع القبلي في اليمن وانتشار الاسلحة بشكل كبير في الأوساط اليمنية يخلق نوعاً من الحساسية في التعامل مع مختلف الفئات. ويبدو ان زيارة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الأخيرة للولايات المتحدة كشفت عن الجانب المهم في المطالب الأمريكية ووجود فجوة كبيرة في المواقف بين الجانبين، الأمر الذي ترجم بعدم نجاح الرئيس اليمني في تحقيق مسعاه لاسيما في توقيع اتفاقية للتعاون الأمني بين الجانبين. هذا الخلاف في بعض التفاصيل لم يغير من واقع النظرة الأمريكية لليمن، فالمعلومات تؤكد ان واشنطن لاتزال تبقي صنعاء على قائمة الدول التي تؤيد الارهاب، وهي التهمة الجاهزة التي يمكن ان تترجم الى اجراءات وفقا للتطورات وهي الاشارة الواضحة التي أرسلتها واشنطن في أعقاب هجمات 11 سبتمبر والتي أضيف اليها أكثر من اشارة فيما بعد ومنها تحذير الرعايا الامريكان من الذهاب لليمن وادراج اسم جيش عدن ضمن قائمة المنظمات الارهابية المراد تجميد أرصدتها وفي ذلك ادعاء ان اليمن قد يكون من الأهداف التي يتوقع ان تكون هدفاً آخر لما بعد المعركة الافغانية. بقلم: نوار القيسي ـ باحثة عراقية