اتسمت لهجة الإدارة السياسية الأمريكية بالتهديد والوعيد للانتقام لكرامتها وضرب وتتبع الارهاب في العالم كله، وكانت أولى محطات الانتقام هي أفغانستان، التي اعتبرتها انطلاقة لبداية ستتبعها ملاحقات وحروب في بلدان أخرى، وقد سربت إدارة البنتاجون ـ بموافقة سرية لحكومة واشنطن ـ عدة مرات قوائم لأسماء بلاد مرشحة للضربات الأمريكية القادمة، واكبت هذه المعلومات تكهنات بضرب ما وصف بخلايا ارهابية في بلاد بعينها، في العالم العربي منها العراق، ليبيا، سوريا، اليمن، والصومال والسودان في افريقيا، وارتفعت على السطح أسماء لبلاد أخرى مثل ايران، وزادت معها قيمة أسهم التكهنات السياسية والعسكرية، حول المحطة التي ستتبع أفغانستان، وتشملها الضربات الأمريكية. حول الأهداف الأمريكية المرتقبة.. والى أين سيتجه مؤشر حملاتها العسكرية.. وهل بالفعل التحرك القادم سيكون عسكريا؟ أم حرب حصار دبلوماسية سياسية؟ وهل ستكون هناك أسباب ومبررات تكتسب شرعية عالمية.. وهل ستلقى دعما دوليا ومساندة أوروبية؟ التقى «الملف السياسي» في هولندا بالخبير العسكري الهولندي «فان فيلزين» في حوار ضم تلك القضايا وغيرها: تاليا نص الحوار: ـ ما مدى صحة ما تردد مؤخرا من معلومات عن وجود خطة عسكرية لدى البنتاجون لضرب العراق في نهاية يناير المقبل؟ كمحطة ثانية بعد افغانستان، وان الاستخبارات الاوروبية تساعد امريكا لايجاد ادلة ادانة مقنعة ضد العراق، وتحديد الاهداف التي سيتم تدميرها؟ ـ أعتقد بأن تردد مثل هذه المعلومات في وسائل الاعلام الاوروبية وغيرها لا يستند لحقائق، فوزارة الدفاع الامريكية ليست بالبلاهة لاعلان خطة عسكرية تحدد فيها الزمان والمكان، والمسألة هي أقرب للضغط السياسي على بلد مثل العراق، من حدوث عمل عسكري شامل ضدها، وامريكا ليست في حاجة لاختلاق مبررات أو وسائل اقناع، فلو أرادت امريكا شن ضربات عسكرية جوية على العراق، يكفيها التلويح بورقة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، والاسلحة البيولوجية والكيماوية والجرثومية، وستجد آذانا صاغية لها في أوروبا، وموافقة غربية قد تشوبها تباين في وجهات النظر، أو اختلافات على اسلوب تنفيذ الضربات، ولو أرادت واشنطن ذلك بالفعل، فهي تستطيع تكثيف الضربات الجوية، بمساعدة القوات البريطانية، وتتعلل برفض حكومة بغداد عودة فرق التفتيش الدولية على الاسلحة الكيماوية. ـ على أي أساس إذن ترجيح ورقة الضغط السياسي لواشنطن على العمل العسكري ضد العراق؟ ـ لان المناخ السياسي الدولي الآن ممهد أكثر من أي وقت مضى، ورفض الدول العربية بما فيها دول الخليج، حتى التي كانت في حرب الخليج تؤيد ضرب العراق، يجعل امريكا تفكر عشرات المرات قبل اتخاذ خطوة عسكرية «تشبه العمليات ضد الارهاب وطالبان في افغانستان»، وهي ـ واشنطن ـ تستخدم الرفض العربي لعمليات عسكرية، لتحريض العرب ذاتهم للضغط سياسيا على حكومة بغداد، كما ان استخدام واشنطن لأوراق الضغوط السياسية لمكافحة الارهاب اجدى من دخولها في عمليات عسكرية جديدة. الأمر الثاني: هو عدم وجود ضمانات تأييد لأمريكا، نعم الشعب العراقي يعاني من الفقر والجوع والمرض، لكنه يرى ان أمريكا وبريطانيا هما السبب الرئيسي في مأساته، وهو ـ الشعب ـ لا يعفي نظام بغداد من ذات المأساة، لكن احتمالات نسيانه لذلك عالية جدا في حالة تعرضه لضربات عسكرية جوية أجنبية، ومن غير المستبعد التفافه حول حكم البعث العراقي بقيادة صدام حسين، وهذه الحسابات تعلمها امريكا جيدا، وهي ذات الابعاد التي منعت امريكا منذ سنوات، وتحول دون قيامها بعمليات عسكرية تتخلص بها من حكم صدام حسين. ثالثا: دول الجوار بما فيها ايران التي بينها وبين العراق خلافات ترفض ايضا، ولعلك تندهش حتى ان تركيا عضو حلف شمال الاطلسي لا تؤيد ايضا ضرب العراق، ولعل معظم الدول لا تؤيد ضرب العراق خوفا من حرق اصابعها، وان يطالها الشرر الامريكي فيما بعد، حال حدوث اي سبب يعطي لأمريكا فرصة التدخل. رابعا: طبيعة الارض في العراق أسهل بكثير من افغانستان، فلو كانت امريكا تريد بالفعل شن هجوم مكثف بقاذفات القنابل، والقضاء على قوات صدام حسين، لتمهيد الارض لدخول المعارضة العراقية، بديلا لحكم صدام لفعلت ذلك منذ سنوات. ـ إن لم تكن العراق ـ على سبيل الفرض ـ فربما توجد أهداف في دول أخرى؟ ـ الأقرب للواقع هو انه فقط في حالة ثبوت ان دولة مثل الصومال، ترعى خلايا أو منظمات ارهابية، وترفض التعاون مع أمريكا مثلما رفضت حركة طالبان، ان تشن أمريكا ضربات عسكرية محدودة، ليست على نطاق افغانستان، ولا يجب أن ننسى وجود فرق شاسع بين دولة ترفض كاملا حركة سياسية تحكمها على شاكلة طالبان، وأخرى تعاني من مشاكل مثلما تعاني دول العالم الثالث، أما «ليبيا» التي ورد اسمها ضمن الدول المحتمل ضربها، فهي قد أنهت ملف العداء مع أمريكا بورقة لوكيربي، والعقيد القذافي في طريقه لانهاء كافة المشاكل مع واشنطن، وان كان ما يعلنه في الظاهر لا يفسر ذلك بوضوح، أما اليمن الجارة الملاصقة للسعودية، فهي دولة لها حكومة ذكية تتمتع بالمرونة، ولن تعطي الفرصة لأمريكا كي تضربها، وشقيقتها الكبرى المملكة العربية السعودية أيضا ترفض الهجوم عليها. ـ لكن الرئيس الأمريكي «بوش» أعلن أكثر من مرة بعد بداية الحرب على أفغانستان، ان الحرب على الارهاب ممتدة، وأيد ذلك وزير خارجيته «كولن باول»، ووزير الدفاع أيضا؟ ـ امتداد الحرب على الارهاب أولا لا يعني بالضرورة العمليات العسكرية، ثم انها امتدت بالفعل على عدة محاور استراتيجية مهمة، نجحت واشنطن في ضم أصوات دولية كثيرة لصفها، وفي وقت يعتبر قياسي جدا بالمعايير السياسية، فمؤخرا توصلت أمريكا لحث الحلف الاطلسي على عقد اتفاقية أمنية مع روسيا، وسبق ذلك وقوف الاتحاد الاوروبي بدوله الـ 15 وراء أمريكا، وأصدر قوانين واجراءات جديدة وتغييرات دستورية لمكافحة الارهاب، وقبل هذه الخطوة الكبيرة توحد الاتحاد الاوروبي سياسيا مع واشنطن، والتزامه بالقائمة الامريكية للأشخاص والمؤسسات والمنظمات المشبوهة، وقيامه على ضوء ذلك بتجميد حسابات بنكية، ومصادرة أموال، واغلاق جمعيات، اذن ماذا نسمي ذلك؟ هل بالفعل امتداد الحرب على الارهاب، واستمرارا لذلك أتوقع بداية جديدة لسياسة حصارات اقتصادية وعقوبات، قد تكون أشد قسوة من الضربات العسكرية، التي تتبعها اعادة الاعمار وتلك تكلف امريكا وحلفاءها أموالا طائلة. ـ ترددت معلومات أيضا ان أمريكا تنوي ضرب الدول التي فتحت أبوابها للمتطوعين في صفوف تنظيم القاعدة في افغانستان، ومنها اندونيسيا، باكستان، فلسطين، ليبيا، وغيرها، فهل هذا حقيقي؟ أم انها تكهنات جانبها الصواب أيضا؟ ـ بالفعل سمعنا عن شيء من هذا القبيل، وعلمنا ان الدبلوماسية الامريكية أجرت مؤخرا مباحثات سرية مكثفة مع دول عربية واخرى غير عربية، لكي تتأكد من ان خروج المتطوعين لم يكن بمباركة وتشجيع رسمي، وأعتقد ان النتائج جاءت مؤكدة ان معظم الحكومات لم تؤيد خروج المتطوعين بعلمها، للحرب في صفوف دولة أو منظمات أخرى أجنبية، وان القوانين تحرم ذلك وتعاقب عليه، فبغض النظر عن اقتناع واشنطن بنسبة 100% من عدمه، إلا انها حصلت على ضمانات سياسية ـ عبر قنواتها الدبلوماسية ـ من دول كبيرة، بتقييد خروج العقائديين من أجل الحرب خارج بلادهم، ومن العقلانية بمكان معرفة ان امريكا ليس من مصلحتها، ولا من صالح الغرب كله الدخول في صراعات وحروب مع الدول الاسلامية، وتحويل العالم لحروب قد تبدأ ويكون من الصعب التكهن بنهايتها. ـ هل تستبعد استمرار التحالف الدولي في الحرب ضد الارهاب بعد افغانستان؟ ـ لا أستبعد ذلك مطلقا.. وكما أوضحت لك آنفا ان امتداد الحرب على الارهاب قائم بالفعل، ولن ينتهي بعد ان شاهدت اوروبا على شاشات التلفزيون عملية اختراق الطائرة لأمريكا في 11 سبتمبر، وهي العملية الارهابية التي حصلت في طياتها أكثر من الخسائر المادية بكثير، أتصور ان البعد القادم هو حدوث تحولات مستقبلية في العالم كله مع ملف الارهاب، وذلك في شكل متغيرات قانونية محلية، تعقبها عملية تقنين دولي كبير، لاتفاقية جديدة أشبه باتفاقية جنيف لحقوق الانسان، أو ربما يتم تعديل اتفاقية حقوق الانسان ذاتها، لتشمل مواد صريحة أكثر وضوحا، تلزم الدول بمكافحة الارهاب في شتى صوره. أجرى الحوار في لاهاي: د. سعيد السبكي