تخضع عملية اتخاذ القرار لدى الادارة الأمريكية الحالية لاعتباراتٍ كثيرة أبرزها هو كيفية التوفيق الآن بين مصالح أمريكا في محاولة ابقاء تفوقها العالمي الراهن، وبين مصالح القوى الأمريكية المحلية الضاغطة التي ساهمت في دعم الرئيس بوش وايصال ادارته الجمهورية الى سدة الحكم في البيت الأبيض. ولا شك أن تحقيق هذا المزيج بين «مصالح الدولة» و«مصالح النظام الحاكم» ليس بالأمر السهل دائماً، لكن ما كان يساعد هذا المزيج في الحياة السياسية الأمريكية أن الشعب الأمريكي لم يكن يهتم كثيراً في شئون السياسة الخارجية لأية ادارةٍ حاكمة، أما اهتماماته الداخلية فيمكن توجيهها من خلال وسائل الاعلام الكبرى واثارة القضايا التي تضمن استمرارية نمط الحياة الأمريكية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. لكن يوم 11 سبتمبر أفرز حالةً جديدة في المجتمع الأمريكي، فقد أدرك الأمريكيون أنهم ليسوا في جزيرةٍ منعزلة عن أحداث العالم، وبأن ما يحدث في أقصى الشرق قد يصيب بتفاعلاته الأمنية والاقتصادية دولة أمريكا القائمة في أقصى الغرب. هذا الوضع الجديد استفادت وتستفيد منه الادارة الأمريكية الحالية لتحقيق أجندتها السياسية في داخل أمريكا وخارجها. فمنذ 11 سبتمبر، يحرص الرئيس الأمريكي، أو آخرون في ادارته السياسية والأمنية، على تذكير المواطن الأمريكي يومياً بأن أمريكا هي في «حالة حرب». وأهمية هذا البلاغ اليومي الرسمي بالتذكير في «حالة الحرب» ترتبط بالمنافع التي تجنيها الادارة الحالية من ذلك. فحالة الحرب تعني أولوية الأمن على السياسة والاقتصاد، وتعني دعماً للادارة في مشاريعها المتتالية أمام الكونجرس الأمريكي، وتعني تساهلاً مع اجراءاتٍ أمنية يرى البعض أنها تتناقض مع طبيعة المجتمع الليبرالي الأمريكي، وتعني أيضاً موافقة على تدعيم ميزانية المؤسسة العسكرية الأمريكية والأجهزة الأمنية المتعددة رغم انتهاء الحرب الباردة وعدم وجود دولة كبرى معادية لأمريكا الآن. أيضاً، من المعروف عن الشعب الأمريكي أنه يقف دائماً خلف قيادته السياسية في أيّة حربٍ تخوضها، حتى لو كانت هذه الحرب مثل حرب رونالد ريجان على جزيرة جرينادا. وكم كان الرئيس الحالي بوش محظوظاً بأن يبدأ سنته الأولى في الحكم مع أزمةٍ أمنيةٍ كبرى لم تعرف أمريكا مثيلاً لها من قبل.. فهذه «الأزمة المستمرّة» أعطت للرئيس الأمريكي بوش «شرعية» قانونية و«شعبية» سياسية لم ينلهما في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما أدت هذه «الأزمة الأمنية» المستمرة الى هيمنةٍ تشريعيةٍ للحزب الجمهوري، والى بروز دور المؤسسة العسكرية «وما ورائها من مصالح ومصانع» داخل الحزب الجمهوري وفي عملية صنع القرار الأمريكي. اذن، هل سيكون هناك مصلحة للادارة الحالية في وقف «حالة الحرب» بعدما انتهت الحرب في أفغانستان وسقط نظام حكم طالبان، وبعدما جرى قتل أو تصفية معظم عناصر «جماعة القاعدة» ولم يبقَ الا أسامة بن لادن طريداً؟ الجواب بالنفي يأتي يومياً من الرئيس بوش وعددٍ من المسئولين الأمريكيين الذين يؤكدون على أن «الحرب ضد الارهاب» مفتوحة ومستمرة وغير محددة زمنياً أو مكانياً. طبعاً يساعد على ذلك رفض الادارة الأمريكية لفكرة عقد مؤتمر دولي لتحديد معنى الارهاب وسبل التعاون الدولي لمواجهته، فكلما كان موضوع الارهاب مطاطاَ، كلما استطاعت واشنطن أن تختار الزمان والمكان والعدو ووسائل المواجهة. فعدم موافقة واشنطن على تحديد مفهوم الارهاب، هو المدخل لضمان حقّ أمريكا وحدها بتحديد من هو الارهابي، وكيف ومتى يجب مواجهة هذا الارهابي. وقد ظهرت في الأسابيع الماضية توقعات وتحليلات عديدة حول الجهات أو الدول التي قد تستهدفها الحرب الأمريكية على الارهاب، لكن لم يتضح بعد الموقف الأمريكي الرسمي حول هذا الأمر، وما زالت التصريحات الرسمية الأمريكية تتجنب ذكر اسم أو مكان الهدف التالي بعد أفغانستان. ويترافق الآن مع هذه الحالة الأمريكية الغامضة عن الجهة التالية في لائحة المستهدفين، وضوح في الموقف الأمريكي حول كافة أنواع المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي. فقد وضعت واشنطن في سلةٍ الارهاب الواحدة كلّ جماعات المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، في داخل فلسطين وخارجها، ولم تميّز بين حقّ أيّ شعبٍ محتل بمقاومة الاحتلال، وبين ادانتها لكيفية تطبيق هذه الحق؛ الذي قد يكون بحجارة كما كانت بداية الانتفاضة، أو بعملياتٍ عسكرية ضد جيش الاحتلال في الضفة وغزة، أو ربّما يكون بعملياتٍ انتحارية ضد مواقع مدنية في اسرائيل. فمن حق أمريكا وغيرها الاعتراض على العمليات العسكرية الفلسطينية داخل اسرائيل، لكن كيف تريد واشنطن نزع هذه الحق من الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة في حين أن العالم كلّه قد اعتبر أن الأراضي التي استولت عليها اسرائيل عام 1967 هي أراضٍ محتلة، بما في ذلك ما جاء في «رؤية» الوزير كولن باول حول الشرق الأوسط في شهر نوفمبر الماضي من استخدامٍ لتعبير «الاحتلال»!! أعتقد أن واشنطن قد حسمت الجهة التالية بعد أفغانستان، لكن دون اعلان. فالمستهدَف أمريكياً الآن هو كل الجماعات العربية التي تستخدم المقاومة المسلحة (دون تمييزٍ طبعاً بين فئةٍ وأخرى)، لكن نظراً لحساسية هذا الأمر، فانّ الاعلان الأمريكي عنه كان من خلال ادانة واشنطن للعمليات الفلسطينية في اسرائيل التي استهدفت مواقع مدنية في أكثر من مكان. ولقد ضغطت واشنطن - وستضغط أكثر- على أطراف عربية من أجل وقف دعم جماعات المقاومة كلّها (حتى في اطار المؤسسات الانسانية والخيرية)، وللحدّ من النشاط السياسي والاعلامي لهذه الجماعات (تماماً كمل يحدث الآن في الضفة وغزة من اغلاقٍ للمكاتب كلّها)، مع التركيز أولاً على الساحة الفلسطينية بحيث تكون هذه الاجراءات اختباراً لمدى جدّية التزام السلطة الفلسطينية في التسوية مع اسرائيل، وفي السيطرة الكاملة على الأراضي الواقعة تحت سيطرة السلطة تمهيداً لتدخل أمريكي مع الحكومة الاسرائيلية من أجل العودة الى المفاوضات مع السلطة الفلسطينية والسير في خطواتٍ تؤدي الى اعلان الدولة الفلسطينية (المضبوطة أمنياً بشكلٍ كامل) وربما في وقتٍ قريب وقبل الاتفاق على القضايا النهائية المتعلقة بالانسحاب الاسرائيلي الكامل ومصير المستوطنات ومشكلتيْ القدس واللاجئين. أي ستكون «المكافأة» القادمة للسلطة الفلسطينية هي اعلان الدولة الفلسطينية على الأراضي الخاضعة الآن لسيطرة السلطة ثم تتفاوض هذه «الدولة الفلسطينية» مع «دولة اسرائيل» - ربما لسنوات- حول مصير القدس واللاجئين والمستوطنات ومراحل استكمال الانسحاب الاسرائيلي. وستفتح هذه الخطوة -في حال حدوثها- الأبواب من جديد أمام استئناف المفاوضات السورية الاسرائيلية والتي من الطبيعي أن تتزامن مع هدوءٍ على الجبهتين اللبنانية والسورية، ولربما تصل (أي المفاوضات) الى اتفاقاتٍ تؤدي الى انسحاب اسرائيل من الجولان وشبعا، مما يعطل نهائياً أي دورٍ عسكري لكلّ جماعات المقاومة الموجودة في لبنان أو المتواجدة في سوريا. وستحرص واشنطن (في حال نجاح السلطة الفلسطينية بالضبط الكامل لمناطقها وتعطيل أيّ دورٍ أمني أو سياسي أو اجتماعي لجماعات المقاومة) على الاسراع في اعلان الدولة الفلسطينية (واستقبال رئيس الدولة، ياسر عرفات في البيت الأبيض)، واعادة احياء «لجان التطبيع» المتعددة، وتأمين أموال أوروبية وعربية لاعادة اعمار ما دمّرته وتدمّره اسرائيل في المناطق الفلسطينية. ـ وماذا عن العراق؟ أعتقد أن الضغوطات الأمريكية ستستمر (والتهديدات أيضاً)، لكن الاجراءات الأمريكية ضد العراق لن تزيد كثيراً عما هي عليه الآن، بانتظار اعادة ترتيب ملف «السلام» العربي الاسرائيلي الذي بدأ في مدريد منذ عقدٍ من الزمن، أيام الرئيس بوش الأب، وفي ظلّ «رؤية» جمهورية، ثم تبعثرت أوراق هذا الملف في سنوات حكم الرئيس كلينتون وتفاعلات المنطقة على مدى عشر سنوات .. فالادارة الأمريكية الحالية ستستفيد من تأجيل موضوع حسم الوضع في العراق الى ما بعد ترتيبات عودة الروح لقطار السلام الأمريكي الذي انطلق من مدريد، وسيكون ذلك مبرّراً أيضاً لاستمرار اعلان «حالة الحرب» في أمريكا والتي ربّما تتواصل الى حين موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد ثلاث سنوات. وستستمرّ واشنطن أيضاً في ملاحقة من ارتكبوا أعمالاً عسكرية ضد أمريكيين في المنطقة العربية، مما يعني مواصلة الضغوط على عدة حكوماتٍ وأطراف عربية من أجل تشديد قبضتها الأمنية على كل الجماعات المسلحة، بما فيها تلك التي قد ترفض نتائج المفاوضات مع اسرائيل وخطوات التطبيع معها. لقد استخدمت واشنطن القوة العسكرية في حربها بأفغانستان، واستطاعت تحطيم حكم طالبان وجماعة القاعدة، لكن «حروب» أمريكا الأخرى القادمة ستعتمد على قوى الضغط الأمريكي التي تشمل الأمن والمال والاقتصاد والسياسة. فواشنطن قادرة الآن على أن تمنع وتمنح، وهي وان لم تصنع تاريخ 11 سبتمبر، لكنها ستحاول الاستفادة لأقصى الحدود من أحداث يومٍ واحدٍ ضدها لصناعة تاريخ من الأحداث لصالحها. فلا عجب أن اختارت مجلة «تايم» الأمريكية أسامة بن لادن ليكون رجل العام! بقلم: صبحي غندور ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن. alhewar@alhewar.com