بعد افغانستان، راحت واشنطن توجه الانذارات مجددا لأفغنة العراق، وتنفيذ ذات السيناريو، بهدف تدمير هذا القطر العربي الشقيق وتقسيمه الى ثلاث دويلات كردية وسنية وشيعية. واذا كان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول يحاول خداع العرب مجددا بنفيه وجود نية حالية لدى إدارته لضرب العراق، فإن كافة المؤشرات الأخرى تؤكد أن الرئيس بوش ونائبه ووزير دفاعه ومستشارة أمنه القومي، قد اتخذوا القرار وبدأوا في الاستعداد لنقل السيناريو الأفغاني الى العراق خلال فترة الشهور القليلة المقبلة. لقد أعطت الولايات المتحدة لنفسها الحق في قصف وضرب وتدمير أية دولة تصنفها على أنها مارقة، والذريعة أحد أمرين: الارهاب أو انتاج أسلحة دمار شامل. وقد قصفت أفغانستان وأبادت أناسها العزل بدعوى الارهاب، واليوم تشرع في توجيه التحذيرات والتهديدات الى العراق بدعوى استمرار انتاجه لأسلحة الدمار الشامل وتنذره بأوخم العواقب على مرأى ومسمع من العالم. ويبدو أنها استمرأت لعبة الابادة فمضت تمتطي جوادا جامحا لتسديد ضربة موجعة للعراق، تستهدف القضاء على البقية الباقية من قدراته وامكاناته ومن ثم تقسيمه ضمانا لاخراجه تماما والى الأبد من المعادلة العربية، وتحقيقا لأهداف اسرائيل وتحريضها الدائم للولايات المتحدة لابادته والقضاء عليه. إن الرئيس الأمريكي بوش، الذي يزهو هذه الأيام بانتصارات قواته في أفغانستان، أغرته اللعبة السهلة فوجه تحذيرا شديدا الى العراق على الهواء مباشرة، اما أن يفتح حدوده فورا لدخول قوات التفتيش الدولية التي سبق أن طردها وقاطعها، لكي تفتيش على أسلحة الدمار الشامل لديه وإما سيواجه المصير المظلم الذي ينتظره وعلى الفور أخذ الصقور في الادارة والكونجرس والاعلام الأمريكي، تصريحات بوش هذه على إنها إشارة العد التنازلي لتوجيه ضربة عسكرية للعراق، باعتبارها المرحلة الثانية في الحرب ضد الارهاب بعد نجاح ضربة أفغانستان. ولا يخفى أن صوت تيار الصقور غدا هو الأقوى الآن في الولايات المتحدة، سواء في الادارة أو حاخامات وزارة الخارجية أو سواء في الكونجرس أو وسائل الاعلام، وكلها تمثل المزاج اليميني المتطرف الذي وجد في الهجوم الانتحاري على نيويورك وواشنطن 11 سبتمبر الماضي فرصة ذهبية للانتعاش وركوب عجلة القيادة، ومن ثم تنشيط العضلات العسكرية الأمريكية على اتساع خريطة العالم. الحجة الأمريكية في التجهيز لضرب العراق هي كما قال وزير الخارجية الأمريكي لا يزال يشكل خطرا على الجميع لأنه مستمر في تطوير أسلحة الدمار الشامل ولكن نائب وزير الدفاع الأمريكي زاد القول تشددا حين ذكر تحديدا أن لدينا أدلة كثيرة على أن العراق يسعى بقوة لتطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية ونووية، سواء بامكاناته الذاتية أو بالاستعانة بمساعدة من الأسواق الدولية! هكذا تقول كل المقدمات الأمريكية التي تريد تمهيد الأرض والجو لبدء المرحلة الثانية من الحرب الأمريكية ضد الارهاب، حيث الهدف الثاني قد تحدد بوضوح شديد وهو العراق، والمبررات جاهزة وهي نشاطه في امتلاك وتطوير أسلحة الدمار الشامل - دون دليل محدد ومعلن حتى الآن - رغم أنه ليس وحده الذي يملك أو يطور مثل هذه الأسلحة في هذه المنطقة الحساسة من العالم، بافتراض أن الاتهام الأمريكي صحيح. وفي نفس اطار الاعداد لضرب العراق، تعهد مجلس الأمن الدولي يوم أول ديسمبر 2001، بالسعي الى تسوية شاملة للملف العراقي ظاهره وعد بضوء في نهاية نفق العقوبات، ولكن باطنه هو ذاته الانذار الأخير الذي وجهه الرئيس جورج بوش الى الرئيس العراقي: أعد المفتشين وإلا سترى.. وما انتزعته واشنطن من المجلس هو إعطاء شرعية كاملة للانذار الأمريكي ومهلة أخيرة تنتهي مطلع شهر يونيو 2002. ظاهر القرار هو بدء العد العكسي لفرض العقوبات الذكية التي تراجعت موسكو عن معارضتها لها في مقابل اغراء بغداد بالعبارة السحرية التسوية الشاملة. لكن الحملة المنسقة التي تشنها ادارة بوش على صدام حسين ونظامه، والتي لم تعد تترك حيزا للتمييز بين صقور وحمائم في البنتاجون ووزارة الخارجية والكونجرس ولا تبقي شكوكا تذكر في أن البيت الأبيض حسم خياره: العراق بعد أفغانستان، والبعث بعد طالبان، وصدام بعد الملا عمر. إن واشنطن التي باتت يدها طليقة في الاقتصاص من أي نظام تعتبره مشاغبا، أو مخربا لمصالحها بعد 11 سبتمبر قادرة على الترويج لامتلاكها أدلة على ذلك التخريب الارهابي، كما فعلت مع اسامة بن لادن، فالأخير ساعد بوش لفظيا في اقناع العالم بتلك البراهين الخفية، وسجل الخطاب العراقي الرسمي لا تنقصه الجدارة ليحول الشبهات الى وقائع، ولو في المخيلات، وليعطي صقور البنتاجون أي ذريعة جاهزة لبدء حملة القصاص، وبين جرس بوش لأسماع صدام الانذار، وحزم وزير الخارجية الأمريكي بأنه يطور أسلحة دمار شامل، وامتلاك نائب وزير الدفاع مقدارا جيدا من البراهين على سعي بغداد الى حيازة أسلحة كيماوية وجرثومية وحتى نووية، ينتهي وعد مجلس الأمن بتسوية شاملة عند الترجمة الأمريكية لهذا الوعد والمتمثل في حل جذري باطاحة النظام الحاكم في بغداد وتسليم الحكم للأصدقاء من المعارضة، وبعض المعتدلين في البعث. واذا كان ذلك كذلك، فسوف تبدأ الخطة الأمريكية حلقاتها بقصف أمريكي مركز بالصواريخ والطائرات والقاذفات على قوات الحرس الجمهوري العراقي ومراكز القيادة العسكرية وملاجئ الرئيس صدام حسين التي يتردد عليها. وستعتمد الولايات المتحدة في حملتها العسكرية الجديدة على القوات الأمريكية المرابطة في منطقة الخليج على أن يتم دعم هذه القوات بعناصر من الوحدات الأمريكية الخاصة التي يقال أنها تتمركز بالفعل في شمال العراق حاليا، لتنفيذ الجزء الحاسم في الخطة، وبعد اتمام العملية، يبدأ بعد ذلك تهيئة الشعب العراقي للقبول بحكومة جديدة ستكون محلا للاعتراف من القوى الدولية. ويريد الرئيس بوش أن يكرر نفس السيناريو الذي طبقه في أفغانستان بعد اسقاط حكم صدام، أي أنه سيقوم بدعوة كافة عناصر المعارضة العراقية الى عقد مؤتمر لبحث مستقبل العراق وتشكيل الحكومة الجديدة التي سيعهد اليها مؤقتا بادارة الأمور في بغداد، كما قد تتطور الأمور الى تقسيم فعلي للعراق، ذلك أن حرب الخرائط وليست مجرد حرب التأديب هي المطلوبة أمريكيا الآن، ففي حرب الخرائط تعيد واشنطن تقسيم المناطق الحساسة، سواء بحدود جغرافية - سياسية جديدة أو بتغيير أنظمة الحكم، المهم أن تكون هناك الخريطة السياسية التي تناسب المصالح الأمريكية. وفي الحالة العراقية، وطوال السنوات العشر الماضية، كان المطلوب اضعاف العراق وإبقاء الحال على ما هو عليه، وبما يثير الخوف لدى الجيران ويبرر الحشود والحماية الأمريكية. الآن باتت الفرصة مواتية لشئ أكبر مع حمى حرب الارهاب، وعليه فالمنتظر أن تقود اللعبة الأمريكية هذه المرة الى تقسيم العراق بدلا من الحفاظ على وحدته الشكلية التي لا طائل من ورائها إلا إثارة الأزمات، فما الذي يمنع من أن يتحول الانفصال الواقعي لشمال العراق الى انفصال حقيقي ورسمي واقامة دولتين كلتاهما ضعيفة وتحتاج الى الولايات المتحدة وعاجزة عن أن تمتلك قوة اقتصادية أو عسكرية كبيرة، كما قد تذهب الخطة الأمريكية الى أبعد من ذلك باقامة دولة شيعية ثالثة في الجنوب العراقي. ولكن اذا كان فريق التحريض الناشط بقوة في الولايات المتحدة لضرب العراق الآن، وليس غدا، يغري بمغامرة انتقامية جديدة ضد هدف مكروه أمريكيا رسميا وشعبيا وهو النظام العراقي، الذي لم ينجح بوش الأب في اسقاطه خلال حرب الخليج الثانية عام 1991، فجاء دور بوش الابن لإكمال المهمة الآن وفورا، مستندا في ذلك الى تأييد شعبي كاسح يصل الى 90% من مجموع الشعب الأمريكي، إلا أن هناك في مقابل قوى التحريض هذه قوى أخرى تعارض ضرب العراق تحديدا في هذه الظروف المتشابكة، في مقدمتها تيار الحمائم المعتدل داخل الادارة الأمريكية وإن كان منخفض الصوت، ثم موقف روسيا المعارض لضربة عسكرية حماية لمصالحها الاقتصادية مع العراق، وموقف الدول الأوروبية الرئيسية خصوصا فرنسا وألمانيا الذي يرى في توسيع الضربات العسكرية الآن لتشمل العراق قنبلة خطيرة، وذلك كما قال المستشار الألماني جيرهارد شرودر أمام البوندستاج مؤخرا، وخلاصة الحذر الأوربي، المبني على حسابات سياسية واقتصادية متشابكة مع العراق والعالم العربي، مختلفة عن الحسابات الأمريكية المندفعة تحت شهوة الانتقام، يقوم على أن ضرب العراق سيفكك التحالف الدولي القائم الآن ضد الارهاب، وسيثير العرب والمسلمين بأقوى مما حدث مع ضرب أفغانستان، وأخيرا تأتي المعارضة العربية الواسعة والشاملة ضد ضرب العراق، سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى الرسمي، وهي المعارضة التي تؤكد بأن حملة أمريكية ضد العراق سيكون لها عواقب وخيمة للغاية. ورغم اختلافنا مع النظام العراقي، سياسيا وفكرياً ونظريا وعمليا، إلا أننا نعتقد أن ترك العراق - الدولة والوطن والشعب - يضرب بقوة الآلة العسكرية الأمريكية الغاشمة، في هذه الظروف، أمر بالغ الخطورة، وسينعكس بآثار سلبية على كل الدول العربية بلا استثناء، تهدد بتفجير شامل للمنطقة العربية الملتهبة، دما ودمارا وارهابا، يغذي موجات وتيارات العنف والتطرف التي ستحكم قبضتها على هذه المنطقة التي تغلي بالتناقضات والصراعات والاحتقانات. بقلم : د. محمود مرتضى ـ كاتب مصري