يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد كشفت من خلال سلوكها الأخير في أفغانستان عناصر كثيرة من إستراتيجيتها الخاصة لما بعد الحرب الباردة، وأكدت أنها لم تعد تتصرف إلا كقوة شائخة، أعداؤها دول ضعيفة أو حركات أو أفراد تصفهم بالإرهابيين، تضخم من حجم قوتهم بنفسها، وتسعى للانتصار عليهم كما كانت في السابق لتوهم نفسها والقوى الصاعدة خاصة الصين بأنها مازالت سيدة العالم وينبغي استمرار الجميع بقبول قيادتها له. بعد انتهاء الحرب الباردة بدأ خبراء الإستراتيجية الأمريكيون في البحث عن الأعداء المحتملين للولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين، الذين يساهمون بوجودهم، في الإبقاء عليها قوة عظمى في العلاقات الدولية، ولعلهم لم ينتظروا كثيرا ليعلنوا للعالم أنه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لا شك أن ما يتهدد العالم هو الإرهاب الدولي ثم تجارة المخدرات والدول المارقة أو الدول المتصعلكة ates Rogues hCG voyous Etatsst التي لها علاقة بالتهديدين الأولين. فهل فعلا هي كذلك العوامل المهددة لأمن الولايات المتحدة الأمريكية وأمن العالم بعد سقوط الشيوعية، أم أن خلف الإعلان عنها تكمن الإستراتيجية الحقيقية للولايات المتحدة ؟ وما هي؟ تقرير سري نُشر قبل الحادي عشر من سبتمبر الماضي تقرير سري أمريكي عنوانه «إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في الألفية الثالثة» أعدته قيادة الدفاع الإستراتيجي الأمريكية التي تسير وتتحكم في أسلحة الدمار الشامل في سنة 1995 وتضمن هذا التقرير «المبادئ الأساسية للردع الأمريكي بعد الحرب الباردة». ومن أهم ما جاء فيه أن الطرف الذي حل محل الاتحاد السوفييتي في مواجهة مصالح الولايات المتحدة في العالم يتمثل في قوى جديدة لها علاقة بالإرهاب الدولي وتجارة المخدرات والدول المارقة، لذلك فإنه ينبغي مواجهتها وكل أعداء الولايات المتحدة المحتملين بسياسة تقوم على مبادئ أهمها: 1 ـ استغلال القدرات النووية للولايات المتحدة وتقديم صورة إعلامية عنها باعتبارها ميالة للثأر من خصومها ويمكنها أن تتصرف بطريقة غير عقلانية، إذ جاء في التقرير: «إنه من المضر بنا أن ينظر لنا الناس كعقلاء، وعقليين وذوي برودة دم...، والأسوأ من ذلك كأناس يحترمون المعاهدات الدولية ... بالعكس ينبغي أن يبدو بعض عناصر حكومتنا الفيدرالية شبه مجانين لا يمكن التحكم فيهم، وذلك للمساهمة في زيادة حالة الخوف في نفوس أعدائنا». 2 - على أعداء الولايات المتحد أن يفهموا ان أمامهم مجانين لا يمكن التنبؤ بردود أفعالهم، وأن هؤلاء المجانين لديهم قدرات تدمير كبيرة. 3 - جعل الخوف يسكن نفوس أعداء الولايات المتحدة ودفعهم للخضوع التام لها أو تلقي مزيد من العقاب الصارم عن طريق استخدام القوة. وهي عناصر كما يبدو لها علاقة بما عُرف في السابق بنظرية «المجانين لـ «ريتشارد نيكسون» وبسياسة «موشي شاريت» الوزير الإسرائيلي الأسبق في الخمسينيات عندما توعد الفلسطينيين بأعمال «مجنونة، في حالة استمرار المواجهة الفلسطينية، ولها علاقة بروح الانتقام السائدة في الثقافتين الرسميتين الأمريكية والإسرائيلية الناتجة عن ترسبات لاشعورية في العقل الأمريكي الإسرائيلي المعتقدة في آن واحد بأنها متفوقة على الآخر وبأن هذا الآخر يكرهها. ولكنها في ذات الوقت لا تكفي لتفسير السياسة الخارجية الأمريكية، إذ لا يعقل أن تٌبنى سياسة قوة عظمى على هذا الأساس من «الجنون» فقط بالرغم من إمكانية استخدامه كعنصر في الحرب النفسية. فما تفسير ذلك إذن؟ ولمَ هذه الإستراتيجية تجاه ما تسميه بالإرهاب الدولي والدول المارقة؟ حقيقة الخدعة الأمريكية في تحليله لميزانية الدفاع الأمريكية ذكر «جيلبار أشكا» أنه منذ السبعينيات لم تعرف ميزانية الدفاع الأمريكية زيادة مثلما عرفته بعد انتهاء الحرب الباردة. وتساءل لماذا؟ هل أن أعداء الولايات المتحدة الجدد أشد خطرا على أمنها من الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي سابقا؟ أم أن الأمر أبعد من ذلك. ومن غير تردد يخلص الباحث أنه لا يعقل أبدا أن تخصص المؤسسة العسكرية الأمريكية كل هذه الزيادة في الميزانية لمواجهة دول صغيرة لا تملك أي منها السلاح النووي، أو جماعات إرهابية مهما كانت قوتها. ويستنتج أن كل الإستراتيجية الأمريكية إنما هي في الواقع مبنية على تخوف متزايد من الصين وروسيا الجديدة باعتبار أن الأولى هي الدولة الصاعدة المهددة لمكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العلاقات الدولية والثانية هي أكبر دولة نووية مازالت في العالم لحد الساعة، وأن سقوط الاتحاد السوفييتي لا يعني البتة انتهاء الخطر القادم من الشرق. إذن لمَ تلجأ الولايات المتحدة إلى تقديم الإرهاب الدولي كواجهة لمصدر القلق الأول في العالم. لعل في هذا خدعة أمريكية كبيرة للرأي العام المحلي والدولي ، فتحديد عدو يمكن التغلب عليه بالنسبة للأمريكيين أفضل من الإشارة إلى آخر احتمال التفوق عليه ضئيل جدا مثل الصين. وما دام تعزيز أية ترسانة عسكرية يحتاج إلى عمل إعلامي مواز فليس أفضل للولايات المتحدة من أن توجه أصابع الاتهام لدول صغيرة وللإرهاب الدولي أو تجار المخدرات. وجاءت هجمات الـ 11 من سبتمبر لتعطي فرصة للولايات المتحدة لتوجه أنظار كل العالم بهذا الاتجاه.. ولعل هذا ما يفسر السرعة الكبيرة التي حددت بها العدو ، وجندت فيها الوسائل، وباشرت بها العمل. وكأنها كانت تريد أن يحدث ذلك، بنفس المنطق «الشاروني» الآن مع القيادة الفلسطينية وفصائل المقاومة المصنفة من قبله ضمن دائرة الإرهاب. ـ فهل حققت أمريكا نتائجها؟ وماذا يخفي ذلك؟ بالفعل، لقد أطاحت الولايات المتحدة بحكومة «طالبان» ولكنها لم تطح بعد بـ «ابن لادن»، ولكنها حتى وإن أطاحت بهذا الأخير، هل في ذلك دليل على أن الإستراتيجية الأمريكية تسير في الطريق الصحيح لرد الاعتبار لقوتها الشائخة إن التحليل العميق لظاهرة غزو «أفغانستان» من قبل الأمريكيين هذه المرة وتحديدهم للإرهاب الدولي أو تجارة المخدرات أو الدول المارقة كأعداء أساسيين يدل على عدة أشياء أهمها: ـ أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع توجيه الصراع نحو خصم قوي مثل الصين أو اليابان أو الهند أو باكستان أو حتى إيران فأصبحت تختار الأهداف الضعيفة، لتحقيق وهم بالنصر عليها، والظهور بمظهر القوة في العالم والبقاء كقائد وحيد في العلاقات الدولية، وهو ما فهمه العالم أجمع بعد ما حدث في 11 سبتمبر ولا يمكن تكذيبه: أن الولايات المتحدة ليس في مقدورها الدفاع حتى عن إقليمها فما بالك أن تدافع عن بقية العالم. ـ أن الضعف الحقيقي للأمريكيين هو في الداخل (2 مليون سجين أغلبهم من السود وعنصرية مقيتة وانتشار كبير للإسبانية، ورفض الأمركة من قبل كافة الأقليات ... الخ)، وان مصدر الإرهاب الحقيقي هو من هذا الداخل وليس من الخارج، ومع ذلك فإن الولايات المتحدة تريد الاستمرار في نكران ذلك ونسبة ما يحدث من وضع أمني متدهور بداخلها، وحتى من وضع اقتصادي متراجع إلى قوى أجنبية، أحيانا تريدها أن تبقى غامضة مثل الإرهاب، الذي يمكن أن تقول انها قضت عليه كما يمكنها أن تقول انه مازال فتّاكا. ـ ان الدول التي تسميها «مارق» أو مصدر قلق أو راعية للإرهاب كلها دول نامية ضعيفة نسبيا مازالت تتخبط في مشكلات المديونية وتوفير لقمة العيش لكثير من مواطنيها، وتسعى جاهدة لإقامة البنيات القاعدية لاقتصادها، وأحيانا يعيش جزء كبير من سكانها في فقر مدقع مثل السودان أو العراق بعد الحصار، وبعض من هذه الدول لا يستطيع حتى مواجهة أعدائه المجاورين. ـ ان القوة العسكرية للولايات المتحدة لن تكفي وحدها لإبقائها سيدة في هذا العالم فإذا ما وجدت اليوم من يعطيها المبرر للتدخل العسكري فإن الكثير من الدول التي تشعر بالعداء لها أصبحت تتعامل معها بنفس أساليب الخداع مثلما تفعل إيران أو السودان أو مختلف الدول التي رغم العداء الذي بينها والأمريكيين أدانت الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاجون. ــ كل هذا يجعلنا نطرح السؤال الأخير: وما هي أهداف أمريكا المقبلة؟ هل تهاجم ما تسميه بالدول المارقة؟ ما هي مراحلها الإستراتيجية المقبلة؟ الإسترتيجية الأمريكية المقبلة بالنسبة للسؤال الأول، فباستثناء العراق لا نعتقد أنه بمقدور الولايات المتحدة اليوم القيام بهجمات على أي من الدول المذكورة خاصة إيران وكوبا وكوريا وسوريا ـ تبقى السودان فإنه بسلوكها موقفًا دبلوماسيا ذكيا في الآونة الأخيرة لمنع «شرور» أمريكا، و«ليبيا» التي بدأت هي الأخرى تسلك دبلوماسية ملائمة لطبيعة السياسة الأمريكية والعاملة على تحقيق أهدافها من غير أن تعرض نفسها للخطر، يبدو أنهما أيضا كسبا نقاطا في الصراع. ـ إذن ماذا ستفعل الولايات المتحدة؟ يبدو أنه بعد أن تتوقف بؤر التوتر على إعطاء مزيد من الحياة للدبلوماسية الأمريكية وللصناعة العسكرية الأمريكية وللاقتصاد الأمريكي بشكل عام فإن الصراعات الداخلية هي التي ستنفجر وإذا ما حدثت أعمال إرهابية في المستقبل فمن غير شك أن أيادي داخلية ستكون وراءها، بل أليس من الأصح أن نقول ان ما حدث يوم 11 سبتمبر لم يكن ليحدث لولا اليد الداخلية التي أمدت بالعون والتي نادرا ما تشير إليها وسائل الإعلام الأمريكية: الحرة جدا ... كما أنه أليس من الأصوب أن نرى ما حدث داخل الولايات المتحدة من منظور مصالح القوى الصاعدة في العلاقات الدولية بدل النظر إليه من زاوية مجموعة الدول الصغيرة الفقيرة، وقاعدة «ابن لادن» المحاصرة؟؟ بقلم: د. سليم قلالة _ أستاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية ـ جامعة الجزائر emali: salimkelala@hotmail.com